المقارنة بين غزة وأوكرانيا خاطئة، وهذه هي الأسباب

المقارنة بين غزة وأوكرانيا خاطئة، وهذه هي الأسباب

المقارنة بين غزة وأوكرانيا خاطئة، وهذه هي الأسباب


09/12/2025

ترجمة: محمد الدخاخني

في غضون أسبوع نجحت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تمرير قرار من مجلس الأمن الدولي بشأن غزة (بناءً على خطتها السابقة المكونة من 20 نقطة لإنهاء الصراع)، وأصدرت خطة سلام من 28 نقطة لأوكرانيا. وقد لاحظ المعلقون والنقاد بعض أوجه التشابه بين المبادرتين، إلا أنّ هناك أيضاً اختلافات عميقة جديرة بالملاحظة.

في المقام الأول، يبدو أنّ هدف كلتا الخطتين مدفوع بالرغبة البسيطة والمحمودة المتمثلة في إنهاء العنف المستمر في كلٍّ من غزة وأوكرانيا. ومع ذلك يشير النقاد إلى أنّ "المعتدين" قد مُنحوا احتراماً مفرطاً في هذه الخطط.

في حالة أوكرانيا، ساد الاعتقاد بأنّ الطريق إلى الأمام يكمن في السماح لروسيا بالاحتفاظ بالأراضي التي احتلتها في شرق وجنوب أوكرانيا. أمّا في حالة غزة، فلم يُعرَ أيّ اهتمام لجرائم إسرائيل ضد الفلسطينيين، حيث افتُرِضَ أنّ الضحايا سيكتفون بالمساعدات وبعض أشكال التعافي، على الرغم من أنّ الخطة تُظهر أنّ مستقبلهم ما يزال غامضاً وخاضعاً لإرادة الآخرين.

تعود مشاكل كلتا الخطتين إلى أنّهما وُضعتا في البداية من دون إسهام الفلسطينيين أو الأوكرانيين.

وما تزال جذور خطة غزة غامضة بعض الشيء، لكنّ الواضح هو غياب المشاركة الفلسطينية. ويقتصر ذكر السلطة الفلسطينية في قرار الأمم المتحدة على الإشارة إلى مشاركتها المستقبلية المحتملة في حال استيفائها لإصلاحات غير محددة، وعندها "قد" يُسمح للسلطة الفلسطينية بتولي دور في غزة بشروط توافق عليها إسرائيل والهيئات الدولية التي أنشأها القرار لإدارة غزة، والتي تتحكم في الأموال وتضع الخطط اللازمة لمساعدتها على التعافي.

وأثارت جذور خطة أوكرانيا جدلاً واسعاً. ففي البداية زعمت الولايات المتحدة أنّها وُضعت بالتعاون مع الروس، بناءً على مسودة روسية. ثم أُنِكر وجود أيّ تدخل أمريكي، وأُشير لاحقاً إلى أنّ الخطة جهد أمريكي روسي مشترك. وبعد معارضة من الأوروبيين وبعض أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين، تواصلت الولايات المتحدة مع الأوكرانيين، وأجرت بعض التغييرات التي قد تكون -أو لا تكون- مقبولة لدى الجانب الروسي.

هنا يكمن أحد أوجه الاختلاف بين الخطتين. يُعترف بأوكرانيا ككيان ذي سيادة، على الرغم من أنّ مسودة الخطة تسمح بتقويض سيادتها. أمّا خطة غزة، من ناحية أخرى، فلا تكتفي بتجاهل السيادة الفلسطينية، بل تبذل جهودًا حثيثة لمحوها. فهي تُخضع الفلسطينيين لأهواء إسرائيل والهيئات الدولية -بقيادة الولايات المتحدة- التي ستكون بمثابة صاحبة السيادة على القرارات التي ستشكّل مستقبل الشعب الفلسطيني.

لا شك أنّ هناك ما يبدو كأنّه تلميحات نحو سيادة فلسطينية، مثل وجود "إشادة" بالمقترح السعودي الفرنسي، وإشارات إلى وجود قوة شُرَطيَّة فلسطينية، وفكرة أنّ السلطة الفلسطينية -بعد إصلاحها- "قد" تُشارك في المستقبل. لكنّ هذه التلميحات مشروطة بمحددات وضعها آخرون، وليست حقوقاً. ويبدو أنّ كل هذا يُخمد بعض التفاؤل المرتبط بالجلسة الخاصة بشأن فلسطين التي سبقت افتتاح الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا العام، عندما اعترف عدد من الدول بالدولة الفلسطينية.

وممّا يثير القلق بشكل خاص في هذا الاستخفاف بمشاركة الفلسطينيين عدم إدراك أو فهم مهندسي خطة غزة أنّ إسرائيل، على مدى ثلاثة عقود، بذلت قصارى جهدها لضمان فشل السلطة الفلسطينية.

منذ السنوات الأولى التي تلت توقيع اتفاقيات أوسلو حرمت إسرائيل الفلسطينيين من حرية تطوير اقتصاد مستقل، ضامنةً بذلك استمرار اعتمادهم عليها. وحددت إسرائيل المناطق التي يمكن للسلطة الفلسطينية أن تحكمها، بل قوَّضت ذلك في كثير من الأحيان بغزو مناطق خاضعة اسمياً لسيطرة السلطة. وواصلت إسرائيل بناء مستوطنات وبنى تحتية لليهود فقط، وتلاعبت بحماس في غزة، رافعةً مكانتها في كثير من الأحيان على حساب السلطة الفلسطينية.

واليوم، بينما ما تزال السلطة الفلسطينية تُمثل مفهومياً وعد الدولة الفلسطينية، يُنظر إليها بشكل متزايد في الضفة الغربية على أنّها تابعة لإسرائيل أكثر منها كياناً مستقلاً يتمتع بالحكم الذاتي ويمثل التطلعات الفلسطينية.

وفي حين أنّه من الواضح أنّ حماس فقدت شعبية كبيرة بين الفلسطينيين في غزة، فإنّ السلطة الفلسطينية تأتي في مرتبة متأخرة جداً في استطلاعات الرأي في الضفة الغربية. ولذلك، عندما تُصرّ خطة غزة على إصلاح السلطة الفلسطينية، فإنّ الأسئلة التي يجب طرحها هي: "ما هي هذه الإصلاحات بالضبط؟"، و"هل تستطيع السلطة الفلسطينية تنفيذ الإصلاحات في ظل استمرار الهيمنة الإسرائيلية على الضفة الغربية؟"، و"مع وجود إسرائيل كأحد الأطراف المعينة لتحديد مقاييس الإصلاح، وبعد تلبية معايير إسرائيل، هل ستتمتع السلطة الفلسطينية بالمصداقية التي تحتاجها للحكم، أم سيُنظر إليها على أنّها وكيل لصاحب السيادة الحقيقية، أي إسرائيل؟".

أخيراً، في حين أنّ النسخة الأولية من خطة أوكرانيا تتضمن بعض القيود على روسيا - حتى قبل التقارير الأخيرة عن التعديلات الأوكرانية التي لم تُنشر بعد - لا توجد قيود مماثلة على إسرائيل في خطة الأمم المتحدة بشأن غزة. حتى "وقف إطلاق النار" المتفق عليه ما يزال بعيد المنال، حيث تتصرف إسرائيل بحصانة بصفتها المنفذ الوحيد لوقف إطلاق النار. ولأنّ إسرائيل ما تزال تسيطر على الوصول إلى - والخروج من - حوالي نصف غزة الذي انسحبت منه، ما يزال الفلسطينيون إلى حد كبير من دون مأوى وغذاء وخدمات طبية كافية مع اقتراب فصل الشتاء.

ما تزال هناك أشهر قبل أن يبدأ تنفيذ خطة الأمم المتحدة بشأن غزة بالكامل. وعلى الأرجح لن يتم ذلك، لأنّ إسرائيل والولايات المتحدة مهووستان بالشرط غير الواقعي المتمثل في نزع سلاح حماس وتفكيكها بالكامل قبل أيّ تقدم. ويبدو أنّ ما يلوح في الأفق هو خطة أمريكية إسرائيلية لتطوير مشاريع إسكان للفلسطينيين في مناطق غزة الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية. هذا الجهد، الذي يُحتمل أن يكون لجذب بعض الفلسطينيين اليائسين للانتقال إلى المنطقة الإسرائيلية، يعني التخلي عن أولئك الذين ما زالوا تحت سيطرة حماس وتركهم لمستقبل غامض، وهذا يُناسب تعريف نية الإبادة الجماعية.

ومن بين الاختلافات الحاسمة في تطوير الخطتين الأدوار التي لعبتها القوى الخارجية. فأوكرانيا تحظى بدعم كتلة أوروبية شبه موحدة، إلى جانب دعم من الجمهوريين بدافع العداء لروسيا. وقد خفف هذا من حدة الخطة الأمريكية الأولية المكونة من 28 نقطة. وبينما نشأت خطة غزة في مسودة عربية، وبينما تمكنت الدول العربية وغيرها من إدخال بعض العبارات في قرار الأمم المتحدة بشأن غزة، فإنّه بحلول الوقت الذي انتهت فيه الولايات المتحدة وإسرائيل من تقويضها، ووضع ترامب بصمته عليها عبر عملية الأمم المتحدة، كانت الحقوق الفلسطينية قد ضاعت.

لم يفت الأوان بعد على الدول العربية للمطالبة بشروط أفضل، وعلى الفلسطينيين لترتيب أوضاعهم الداخلية لوضع خطة وطنية موحدة للحكم في الضفة الغربية وغزة، وعلى العرب والفلسطينيين للإصرار على أن تدعو الدول التي اعترفت بالدولة الفلسطينية إلى إعادة فتح النقاش حول مستقبل فلسطين. لكن إذا لم يتم إجراء أيّ تغييرات في وقت قريب، فسنعود للأسف إلى حيث بدأنا.

المصدر: جيمس زغبي، ذي ناشيونال، 1 كانون الأول  )ديسمبر) 2025

https://www.thenationalnews.com/opinion/comment/2025/12/01/comparing-the-gaza-and-ukraine-ceasefire-plans-is-to-liken-apples-with-oranges/




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية