
لطالما شكّلت جماعة الإخوان المسلمين في السودان عقبة مركزية أمام تحقيق السلام والاستقرار الداخلي في البلاد. إذ لم يقتصر دورها على التأثير السياسي والاجتماعي، بل امتد إلى تحالفات استراتيجية مع الجيش السوداني، وهو ما أسفر عن نموذج فريد من تحالف القوة العسكرية مع الإيديولوجيا الإسلامية، أدى إلى تأزيم الوضع الداخلي وتعطيل أي جهود حقيقية للانتقال المدني والديمقراطي.
ويتطلب فهم هذا الدور استعراض مسار السودان منذ الانقلابات العسكرية في نهاية ثمانينيات القرن الماضي وصولًا إلى التوترات الحالية بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، مع رصد الأبعاد الإقليمية والدولية لهذا النفوذ.
وفي عام 1989، صعد عمر البشير إلى السلطة عبر انقلاب عسكري دعمته تيارات إسلامية مرتبطة بالإخوان المسلمين.
وقد شكلت هذه المرحلة بداية التحالف العسكري-الإخواني في السودان، حيث تم دمج الأيديولوجيا الدينية الصارمة مع السيطرة على المؤسسات العسكرية والأمنية، ما أسس لمرحلة من الحكم الذي اتسم بالقمع واستهداف المعارضين المدنيين.
وتحت هذا التحالف، تبنى السودان سياسات معادية للولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين، كما استضاف تنظيمات إرهابية دولية، من أبرزها أسامة بن لادن، الذي وجد في السودان ملاذًا آمنًا لتأسيس معسكرات تدريب وتخطيط لعمليات إرهابية عالمية.
وتجسد هذا النفوذ في سياسات البشير تجاه النساء، حيث فرضت الحكومة قوانين إسلامية قاسية تضمنت العقوبات الجسدية والقصاص، كما دفع التحالف الإخواني-العسكري السودان نحو عزلة دولية شديدة من خلال دعم الإرهاب وتمويل الجماعات المسلحة.
وقد أسفرت العقوبات الدولية المفروضة في تلك الفترة عن تأثيرات اقتصادية واجتماعية واسعة، الأمر الذي عرقل جهود التنمية وأضعف مؤسسات الدولة، ما زاد من هشاشة الأمن الداخلي ومهد الطريق لانفجار النزاعات لاحقًا.
ومع سقوط البشير عام 2019 إثر انتفاضة شعبية واسعة، بدا أن السودان يخطو نحو مرحلة جديدة من السلام المدني والتحول الديمقراطي.
وتولى عبد الله حمدوك رئاسة الحكومة المدنية، وسعى إلى إعادة توجيه البلاد نحو التحالف مع الولايات المتحدة ودول الخليج، خصوصًا الإمارات العربية المتحدة، لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والسياسي.
وقد جاء انضمام السودان لاتفاقيات أبراهام كخطوة استراتيجية لإبعاد البلاد عن النفوذ الإخواني، إلا أن عناصر من النظام القديم ما زالت تمتلك نفوذًا قويًا داخل الجيش، لتشكل بذلك عائقًا حقيقيًا أمام تنفيذ الإصلاحات المدنية.
ويمتد التهديد الذي يمثله الإخوان المسلمون على السلام في السودان أيضًا إلى الأمن الإقليمي والدولي. فقد عملت الجماعة على نسج تحالفات مع حماس والحوثيين، بالإضافة إلى شبكات تمويل الإرهاب، ما جعل السودان منصة لتدريب ودعم الجماعات المسلحة في المنطقة.
وقد تجلى ذلك في تورط شخصيات مثل عبد الباسط حمزة وخليل الحية في تمويل العمليات العسكرية لحماس، والتي أسهمت مباشرة في الهجمات على إسرائيل، بما في ذلك عمليات 7 أكتوبر.
ورسخ تحالف الإخوان المسلمين مع الجيش السوداني ثقافة الإبادة المتبادلة بين الفصائل العسكرية، وهو ما انعكس في النزاعات المستمرة بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع.
ويسعى كل طرف لإبادة الآخر، في إطار صراع على السلطة والنفوذ، ما يجعل أي جهود لإرساء السلام المدني عرضة للفشل طالما بقي هذا التحالف قائمًا.
وقد أدى هذا الصراع إلى مقتل آلاف المدنيين، وتفاقم الأزمات الإنسانية، وانهيار الخدمات الأساسية، ما يجعل السودان نموذجًا حيًا لكيفية تأثير تحالف إيديولوجي-عسكري على استقرار دولة كاملة.
وإضافة إلى ذلك، لعبت إيران دورًا في استغلال هذا الفراغ الأمني في السودان لدعم قوات معينة داخل الجيش ونقل عناصر حوثية عبر البلاد، ما يعزز النفوذ الإقليمي للإخوان ويهدد التجارة العالمية في البحر الأحمر، الذي يمر عبره نحو 15 في المئة من التجارة البحرية العالمية.
ويجعل كل ذلك السودان ساحة محتملة لتصدير الأزمات إلى المنطقة، ويزيد من أهمية التعامل مع النفوذ الإخواني كعامل أساسي في تحقيق الاستقرار.
وركزت سياسة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في السودان على التعامل مع جذور الإرهاب والتطرف، حيث سعت إلى حظر جماعة الإخوان المسلمين داخل السودان والعمل على إخضاع الجيش للسلطة المدنية، فضلاً عن معالجة شبكات تمويل الإرهاب المرتبطة بالجماعة.
وقد دعمت الولايات المتحدة جهود عبد الله حمدوك، وحشدت حلفاء السودان من دول اتفاقيات أبراهام للضغط على الفصائل المسلحة للانخراط في حوار والسلام.
ويسلط هذا النهج الضوء على أن التعامل مع الإخوان كعامل مركزي في النزاع هو شرط أساسي لإنجاح أي خطة سلام، سواء داخليًا أو إقليميًا.
ويمثل استمرار نفوذ الإخوان المسلمين داخل الجيش والمؤسسات الأمنية أكبر عقبة أمام تحقيق السلام في السودان. فالتاريخ الحديث يوضح أن أي تجاهل لهذا النفوذ يؤدي إلى استمرار النزاعات، وعرقلة الانتقال المدني، وتعميق الانقسامات الداخلية، وتفاقم الأزمات الاقتصادية والسياسية.
ومن هنا، فإن أي خطة سلام حقيقية في السودان يجب أن تتضمن ثلاث خطوات رئيسية: أولًا، إعادة السلطة المدنية ووضع الجيش تحت إشراف مدني ديمقراطي؛ ثانيًا، تفكيك شبكات النفوذ الإخواني في المؤسسات الأمنية والسياسية، وقطع تمويل الإرهاب المحلي والإقليمي؛ ثالثًا، دعم الضغط الدولي والدبلوماسي من قبل الحلفاء الإقليميين والدوليين لضمان استمرارية هذا التحول ومنع العودة إلى الفوضى السابقة.
ولن يكون الطريق نحو الاستقرار في السودان ممكنًا إلا من خلال مقاربة شاملة تتعامل مع العوامل العسكرية والسياسية والإيديولوجية في آن واحد. إذ أن أي إصلاح جزئي أو تجاهل قوة الإخوان داخل الجيش سيؤدي إلى فشل المبادرات، ويكرس الصراعات الداخلية ويؤخر عودة السودان إلى السلام المدني المستدام.
ويجب أن يشمل هذا النهج أيضًا جهودًا لمكافحة تأثير الإخوان على الشباب والسيطرة على المؤسسات التعليمية والدينية، باعتبار أن هذه الشبكات تعد مصدرًا لتجنيد ودعم الجماعات المتطرفة داخليًا وخارجيًا.
وفي النهاية، يبرز بوضوح أن جماعة الإخوان المسلمين تمثل العقبة الأساسية أمام تحقيق السلام والاستقرار في السودان، وأن أي جهود للانتقال المدني، أو لتعزيز المصالح الإقليمية والدولية، لن تحقق أهدافها دون معالجة هذا النفوذ بجدية.
ويؤكد التاريخ السوداني الحديث أن التعامل مع هذه العقبة هو المفتاح الأساسي لإنجاح أي مسار سلام، وحماية المدنيين، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وضمان الاستقرار الإقليمي على المدى الطويل.
العرب

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/01_88_0_0.jpg.webp?itok=0kQcRIcL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D8%AC%D9%8A_10_3_2_0_0.png.webp?itok=veLM0KG3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_0.jpg.webp?itok=m6OAb2DG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A_2_0_2_4_0_1.jpg.webp?itok=kLF7uVIF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/FB_IMG_1544169028806-1.jpg.webp?itok=qwRRyDww)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_6.jpg.webp?itok=04T3Qc2_)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D8%AC%D9%88%D9%85%20%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A_1_0_0_0_0_0.jpg.webp?itok=0OjY_8fk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_41_2_0.jpg.webp?itok=IrREvM8t)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_0.jpg.webp?itok=-ytZF2BD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_158_3.jpg.webp?itok=NsR8Qg-C)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/0068f-41_0_4.jpg.webp?itok=45UKeSnt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D9%81%20%D9%8A%D8%AA%D9%85%D9%91%20%D8%AA%D8%A3%D8%B5%D9%8A%D9%84%20%D8%AE%D8%B7%D8%A7%D8%A8%20%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A7%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D9%81%D9%8A%20%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7_0_1.jpg.webp?itok=ccZ07Hvm)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_28_0_2_2.jpg.webp?itok=q-0Er-5y)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7_76_1.jpg.webp?itok=MsmU4uk7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1-1275570_0_0.jpg.webp?itok=bXm4MTnr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%8A%D9%86_1_1.jpg.webp?itok=l1Lu6_7b)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/wtny_0_8_0.jpg.webp?itok=PykPrfzI)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%83_0.jpg.webp?itok=bruHBiiI)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_3_0.jpg.webp?itok=SMUzeMhe)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/0101_1_10.jpg.webp?itok=pbgfrNEL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%8A%D8%B4_9_0.jpg.webp?itok=FRVAjScv)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%861_4_0_1_3.jpg.webp?itok=lvvR9tNH)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_43_0_2_0.jpg.webp?itok=XLNioOKD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862_13_0.jpg.webp?itok=FehfOz8l)