الإخوان المسلمون و"الجهاد العالمي".. بدايات الدم

الإخوان المسلمون و"الجهاد العالمي".. بدايات الدم

مشاهدة

24/11/2020

يعتقد كثيرون أنّ هجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001 الإرهابية تشكّل الحدث التدشينيّ المؤسِّس لما يُعرف بظاهرة "الجهاد العالمي"، الآفة القائمة على التطرّف الدينيّ العنيف المجبول بالعدائية والكراهية تجاه كلّ آخر مختلف، والتي تجوب العالم كأنّه ساحة حرب مفتوحة لتحقيق مشاريع أصحابها العدمية، ومن جرّائها اقترن الإسلام - أو يكاد - إلى حدّ كبير، بالإسلاميين المتطرّفين في أذهان غير المسلمين عموماً، فكانت وبالاً على الدين الإسلامي نفسه وعلى المسلمين أينما حلّوا.
خلال الأعوام التي تلت الحدث الكبير ظهرت تقارير ودراسات وأفلام عديدة تحمّل السلطات الأمريكية مسؤولية الهجمات، تلميحاً أو تصريحاً، بدءاً من اتهامها بالتقصير والإهمال وصولاً إلى فرضيات حول احتمالية التواطؤ مع المنفذين، أو حتى استخدامهم بطريقة ما أو تسهيل تنفيذ العملية، لكي تكون الذريعة التي ستُبنى عليها الأحداث اللاحقة، من غزو أفغانستان إلى التدخّل في شؤون الدول الأخرى أو ابتزازها بحجّة "الحرب على الإرهاب". إلا أنّه على الرغم من ذلك كله بقيت الهجمات مرتبطة باسم تنظيم "القاعدة"، وزعيمه المؤسّس أسامة بن لادن (1957 - 2011)، وبهما التصق مصطلح "الجهاد العالمي".

الإخوان المسلمون أسبق من بن لادن في "الجهاد العالمي" تنظيراً وممارسةً، وهم أصحاب باع في هذا الشأن على طريقتهم

لقد كان حدثاً فارقاً، ولا شكّ؛ إذ غيّر وجه العالم، فضلاً عن أنه قدّم بمشهديّته وحيثياته نموذجاً لما أسميناه غير مرّة "الجهاد في زمن العولمة"1، ومن المؤكّد أن إرهابيّي "القاعدة" وسلالاتها المتنوعة من "أخوة المنهج" وضعوا بصماتهم الخاصة في هذا الباب، فقاموا بتطويره وفتحوا آفاقاً جديدة لمجانين "الجهاد" المعولم. لكن هل من الدقّة القول عن فكرة "الجهاد العالمي"، أقلّه من حيث إنّ العالم "دار حرب" و"ساحة جهاد" للسيطرة عليه باسم "الإسلام"، أنها بدأت من هنا أو أنها من صنع تنظيم "القاعدة" ومنظّريه؟ وهل تكفي نظرية "المؤامرة" وإلصاق كل شيء بأذرع مخابراتية خفية لتفسير كل شيء؟ لا شكّ أنّ عوامل مركّبة، سياسية واجتماعية واقتصادية يضيق المجال عنها، أسهمت إلى حدّ كبير في إنتاج الظاهرة، غير أنها لا تلغي العامل الأيديولوجي والنظري لدى من يتّبعون هذا المنهج. والعودة إلى الوراء قليلاً، إلى مراحل معاصرة من تاريخٍ قريب، تكشف كثيراً من التفاصيل التي تدفع إلى الاعتقاد بأنّ "الإخوان المسلمين" كانوا أسبق من بن لادن ومنظّمته الإرهابية في "الجهاد العالمي" تنظيراً وممارسةً، وأنهم أصحاب باع في هذا الشأن على طريقتهم.

اقرأ أيضاً: 10 منشقين عن الإخوان يكشفون أسرار المعبد
في ما يلي نضيء على نماذج مختلفة من المستويين؛ النظري والعملي، التي تخبر عن الجذور الإخوانية لفكرة "الجهاد العالمي" ودور الإخوان في هذا الميدان. فنتوقّف عند شيء مما تضمّنته أدبيات الجماعة من أفكار وأسس نظرية تدفع صراحةً في هذا الاتّجاه، قبل أن نعرّج على أمثلة عملية من تاريخ الجماعة وسياساتها وسلوك أعضائها الذين حرصوا على وضع الأفكار النظرية بشأن "الجهاد العالمي" موضع التنفيذ وعملوا على تكريسها وتطويرها.

 

 

لا وطن لمسلم ولا جنسية!
تعتمد الأدبيات الإخوانية بصورة رئيسية على مؤلفات كلّ من حسن البنّا (1906 - 1949)، مؤسس الجماعة ومرشدها ومنظّرها الأول، وسيّد قطب (1906 - 1966) الذي لا يقلّ دوره التنظيري أهميةً عن سابقه، والذي يعدّ الشخصية الإخوانية الأكثر جرأة ووضوحاً في التعبير دون مواربة عن حقيقة هذا التنظيم وغاياته. فهما يشكّلان معاً المرجعية الفكرية الرئيسية للإخوان المسلمين، حتى أنّ كلّ تنظير إخوانيّ لاحق - على قلّته قياساً بعمر الجماعة وحجمها التنظيمي – يستند إلى تلك المرجعية وينهل منها، فلا يخرج عن الأطر والمحدّدات التي وضعتها. على ذلك، سيكون من شأن العودة إلى ما كتبه الرجلان أن تبيّن رؤى الإخوان وطريقة التفكير التي تحكم عملهم وتوجّه سياساتهم، ومن ضمنها الأرضية التي انطلقت منها فكرة "الجهاد العالمي".

اقرأ أيضاً: من شاعر رومانسي إلى إرهابي في "الإخوان المسلمين"!

في أدبياتهم يرفض الإخوان المسلمون صراحةً الاعتراف بالحدود بين الدول، فلا يقيمون اعتباراً حقيقياً لوطنٍ أو جنسية، ذلك أنهم يستعيضون عنهما بفكرة "الوطن/الأمّة". ولا يراد هنا بالأمة معناها السياسي الحديث أو فكرة الأمة/الدولة التي تضمّ جميع المواطنين، وإنما "الأمة" عندهم هي الجماعة الدينية حصراً. ولعلّ مما يدلّل على أهمية هذه المقولة ومركزيتها في الفكر الإخواني أنها وردت في الوثيقة الأهمّ التي وضع فيها حسن البنّا أسس وقواعد "إسلام الإخوان المسلمين" وفق تعبيره، وهي رسالة المؤتمر الخامس والتي تضمّنت أيضاً عباراته الشهيرة: "الإسلام عقيدة وعبادة، ووطن وجنسية، ودين ودولة، وروحانية وعمل، ومصحف وسيف".

 

يرفض حسن البنا فكرة الوطن أو الجنسية، ولا يعترف بالحدود الجغرافية بين الدول، وهذا يضمر عدم اعترافه بالدول القائمة نفسها، فهو يعتبر أن المسلمين هم جميعاً "أمة واحدة"، وأنّ "الوطن الإسلامي" وطن واحد مهما تباعدت أقطاره وتناءت حدوده، وأن الإخوان المسلمين "يقدسون هذه الوحدة ويؤمنون بهذه الجامعة، ويعملون لجمع كلمة المسلمين، وينادون بأنّ وطنهم هو كل شبر أرض فيه مسلم يقول (لا إله إلا الله محمداً رسول الله)" ثم يستشهد بما قاله في هذا "شاعر من شعراء الإخوان":
ولست أدرى سوى الإسلام لي وطنا - الشام فيها ووادي النيل سيان
وكـلمـــا ذكر اسم الله فى بلــدٍ - عددت أرجاءه من لب أوطـاني

من جهته أكّد سيد قطب على هذه المقولة في كتابه الأشهر "معالم في الطريق"، حيث أفرد لمعالجتها فصلاً كاملاً بعنوان "جنسية المسلم وعقيدته"، وفيه لم يسهب في تفصيل و"تأصيل" الفكرة فحسب، وإنما دفع بها إلى أقصى حدود التطرف والعدائية؛ إذ "قرّر" قطب أنّ الإسلام: "جاء ليقرّر أنّ هناك وشيجة واحدة تربط الناس في الله فإذا انبتّت هذه الوشيجة فلا صلة ولا مودة... وأنّ هناك حزباً واحداً لله لا يتعدد، وأحزاباً أخرى كلها للشيطان وللطاغوت"2 . وفي ما بدا أنه إحياءٌ لمضمون إحدى الفتاوى الإشكالية الغابرة لابن تيمية، المعروفة باسم "فتوى ماردين" والتي قسم فيها العالم إلى "دار الإسلام ودار الحرب"، كتب سيّد قطب:
"إنّ هناك داراً واحدة هي دار الإسلام، تلك التي تقوم فيها الدولة المسلمة، فتهيمن عليها شريعة الله، وتقام فيها حدوده، ويتولى المسلمون فيها بعضهم بعضاً، وما عداها فهو دار حرب، علاقة المسلم بها إما القتال، وإما المهادنة على عهد أمان، لكنها ليست دار إسلام ولا ولاء بينها وبين المسلمين" 3. ثم يخلص إلى القول: "لا وطن للمسلم إلا الذي تقام فيه شريعة الله... ولا جنسية للمسلم إلا عقيدته التي تجعله عضوا في الأمة المسلمة في دار الإسلام، ولا قرابة للمسلم إلا تلك التي تنبثق من العقيدة في الله"4 .

 

اقرأ أيضاً: معالم في الطريق: إعادة إنتاج النازية دينياً
ترجمة هذا الكلام: الإسلام – وفق ما يفهمه سيد قطب طبعاً – هو صلة المودة الوحيدة التي يمكن أن تجمع "المسلم" (حسب المعايير القطبية)  بغيره حتى لو كان هذا الغير أباه أو أمّه، فما بالك بالمسلمين الآخرين الذين لا يتوافق إسلامهم مع أفكار قطب، فضلاً عن غير المسلمين. فلا قيمة ولا اعتبار لأي روابط إنسانية أو علاقات مواطنة على أسس مدنية وقانونية تنظم علاقة الأفراد فيما بينهم، أو بين كل منهم وبين البلد الذي يعيش فيه. وليس الوطن سوى البلاد التي يطبّق فيها "إسلام" قطب وجماعته على النحو الذي يريدون!

 

إنّ إيمان البنّا وقطب وإخوانهم المسلمين بشمول "دعوة الإخوان" العالم بأسره دون اعتبار للحدود أو للدول القائمة، جعلت منه بقارّاته وبلدانه جميعاً ميدان عملٍ وهدفاً للسيطرة، تحت يافطة "إقامة نظام الحكم الإسلامي" التي يسترون بها مشروعهم التسلّطي. ولتحقيق الهدف يمكن أن يتبعوا الأساليب العنفية تحت مسمّى "الجهاد"، وكتابات سيد قطب تعدّ من الركائز التي قام عليها "الفكر الجهادي" المعاصر، أو تراهم يلجؤون إلى الأساليب الدعوية، أو كليهما معاً تبعاً لما تقتضيه الظروف وإمكانات العمل ومصلحة التنظيم.

 

اقرأ أيضاً: حزب الإصلاح الإخواني في اليمن و"القاعدة"... اللّعب بالنار
لكن شيئاً فشيئاً، ظهر إسلاميون آخرون هم "السلفيون الجهاديون"، يصولون في ميدان العمل نفسه (العالم بأسره) ومن أجل ذات الهدف (السيطرة عليه باسم الإسلام) على النحو الذي نظّر له الإخوان، غير أنهم اتّخذوا العنف سبيلاً أوحد لا كوسيلة من بين عدّة وسائل. ولا عجب أنّ كثيراً من هؤلاء قد خرجوا من رحم الجماعة،؛حيث إنّ تعزيز الجانب السلفي وإحياء "الفكر الجهادي" في الأوساط الإخوانية ثم الجمع تدريجياً بينهما، أي بين "السلفية" و"الجهاد"، سينتج "السلفية الجهادية" حتماً، ونرى أنها ذروة ما أراده حسن البنا، فهو الذي قال إنّ جماعته "سلفية" وأن "الجهاد" سبيل الإخوان لتحقيق غايتهم. يبقى أنّ انخراط الإخوان في العمل السياسي أوجد فارقاً بين الجانبين في طريقة تحقيق الهدف لا في الهدف نفسه؛ فالإخواني غالباً ما يعتمد المراوغة والتأنّي والتدرج المنظّم، في مقابل المباشرة والاستعجال والتهوّر لدى السلفي الجهادي، مع حرص الأول على علاقته بالثاني والاستفادة منه.

 

 

الإخوان و"الجهاد الأفغاني"
في ثمانينيات القرن العشرين تدفّق آلاف الإسلاميين على أفغانستان، قادمين من شتى أصقاع الأرض للمشاركة في القتال ضدّ الغزو السوفييتي. لم يكن هدف هؤلاء دحر السوفييت فحسب؛ بل كانوا مدفوعين بأيديولوجية تهدف إلى إقامة "حكم إسلاميّ" متخيّل، وثمّة أيضاً فئات أفغانية ناهضت الحكومة وتبنّت أيديولوجية إسلامية منذ المرحلة التي سبقت الغزو السوفييتي. أقام الإخوان المسلمون صلات وثيقة مع هؤلاء، حتى أنّ المصادر الإخوانية تصفهم بـ "قادة الثورة الأفغانية"، مثل مذكّرات سعيد حوّى (1935-1989)، أحد منظّري الجماعة البارزين، والذي شغل مراكز قيادية في تنظيم سوريا كما في التنظيم الدولي للإخوان، وسنركّز على إخوان سوريا كمثال عن دور الفروع الرئيسية للجماعة وتأثيرها في "الجهاد الأفغاني".

سعيد حوّى
في مذكراته كتب حوّى: "كانت زيارتنا الأولى لباكستان فرصة طيبة فقد زرنا الأستاذ المودودي... ومن لاهور انطلقنا إلى بيشاور واجتمعنا ببعض قادة الثورة الأفغانية، استمعنا للجميع وتقدمنا بعد ذلك بمشروع مشترك نحن والجماعة الإسلامية ينص على إيجاد قيادة عليا لحركة الجهاد الأفغاني فما اتفقوا عليه ينفذ وما اختلفوا فيه يحكمون فيه الجماعة الإسلامية والإخوان المسلمين، وقد قبلت الجهات كلها هذا المشروع ولكن كان علينا أن نكون بجانبهم بشكل دائم، ولقد وعدهم بعضنا أن نرجع خلال شهر ولكن لم يحدث ذلك مما أوقف المشروع، ولقد عاتبونا على ذلك يوم زرناهم مرة أخرى بمناسبة وفاة الأستاذ المودودي رحمه الله" 5.

اقرأ أيضاً: كتاب "جند الله ثقافة وأخلاقاً" لسعيد حوى: إعلان حرب على العالم
معنى ذلك أنّ المقصود من "الجهاد الأفغاني" و"الثورة الأفغانية" التي يتحدث عنها حوّى هو نشاط الجماعات الإسلامية ضدّ الحكومة الأفغانية؛ لأن المشروع طُرح في الزيارة الأولى التي التقى خلالها حوّى بأبي الأعلى المودودي، والثانية بعد وفاته (توفي في أيلول/ سبتمبر سنة 1979)، في حين لم يكن قد بدأ "الجهاد الأفغاني" ضدّ الاتحاد السوفييتي؛ لأن التدخل العسكري المباشر أو الغزو واسع النطاق نفسه بدأ بعد ذلك بأشهر، وتحديداً في الأيام الأخيرة من عام 1979.

 

كلام حوّى أكّده لاحقاً المراقب العام الأسبق لجماعة الإخوان المسلمين في سوريا، عدنان سعد الدين (1929-2010)، في أحد أجزاء مؤلّفه الضخم "الإخوان المسلمون في سورية، مذكرات وذكريات"، السلسلة التي صدرت طبعتها الأولى العام 2010، حيث  قال: "في هذا العام (1979) تمت الاتصالات بين قادة المجاهدين السوريين وقادة المجاهدين الأفغان الذين اتخذوا من مدينة بيشاور الباكستانية القريبة من الحدود الأفغانية مقرا لهم، فكانت الزيارات والاتصالات لا تتوقف ولا تنقطع، وكانت المشاورات وتبادل الخبرات والتعاون بين السوريين والأفغان قائمة على قدم وساق"6 وأضاف أنه هو نفسه قام بعشرات الزيارات إلى بيشاور وتعرف عن قرب إلى "قادة الجهاد الأفغاني". وبما أنه العام نفسه الذي بدأت تتصاعد فيه المواجهات المسلّحة بين "الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين" والنظام السوري، فهناك مجالات عدة من أجل "تبادل الخبرات والتعاون"، ومن المفارقات التي تكشف تناقض وكذب الإخوان، ادّعاؤهم التبرّؤ من أعمال "جهادييهم" الذين كانوا يقاتلون في سوريا، وفي الوقت نفسه التعاون مع أمثالهم في أفغانستان ودعمهم.

 

اقرأ أيضاً: أبو الأعلى المودودي: الديمقراطية الإلهية وآليات الوصول إلى "التمكين"

وبحسب سعد الدين استمر التعاون بينهم وبين الأفغان "على كل الصعد، وفي كل الميادين سواء كان ذلك في أفغانستان أو في أوروبا أو في العراق"7، ويتبيّن من خلال شهادة الرجل كيف أن "الجهاد الأفغاني" كان من الأدوات الهامّة التي وظّفها الإخوان في علاقاتهم السياسية، وهو ما سنتطرّق إليه مستقبلاً بشكل منفصل.

اقرأ أيضاً: "جند الله تخطيطاً" لسعيد حوى..ديمقراطيّة أم وسيلة للوصول إلى سلطة مطلقة؟
في كل الأحوال، رغم توقّف المشروع الذي أشار إليه سعيد حوّى إلا أنّ دور الجماعة في أفغانستان لم يتوقّف، بل تعمّق باضطراد وذلك على مستوى سياسات التنظيم الرسمية وكذلك الدور العملي للكوادر ومبادراتهم على الأرض. وممّا سهّل على الإخوان تحريك الأشخاص والأموال بيسر وسهولة من مختلف البلدان إلى أفغانستان وبالعكس، أنّ الولايات المتحدة الأمريكية أيضاً استثمرت في "الجهاد الأفغاني"؛ إذ حشدت حلفاءها من دول الجامعة العربية والمؤتمر الإسلامي لدعمه حين رأت في أفغانستان ساحة معركة ستحسم الحرب الباردة الطويلة مع الاتحاد السوفييتي، وهو أمر أحسن الإسلاميون عموماً والإخوان على نحو خاص استغلاله.

 

 

إخوان "الأفغان العرب"
من سيعرفون لاحقاً بـ "الأفغان العرب" قدموا إلى أفغانستان من خمسة عشر بلداً عربيّاً على الأقل، هذه البلدان هي: السعودية، مصر، فلسطين، اليمن، الجزائر، العراق، سوريا، ليبيا، تونس، قطر، الكويت، السودان، المغرب، الأردن، البحرين، بحسب ما أوردها أحد من أرّخوا لتلك المرحلة، مرتبةً تبعاً لعدد "أكثر الشهداء من المجاهدين العرب"8. ولمّا كان التيار الذي سيشتهر بـ"السلفية الجهادية" في مراحله الأولى، حيث لم تكن تنظيماته قد انتشرت بعد على نطاق واسع لا فكرياً ولا تنظيمياً، وبما أن جماعة الإخوان المسلمين بحجمها وإمكاناتها وخبراتها التنظيمية كانت ما تزال الفريق المهيمن إلى حد كبير على الشارع الإسلامي عموماً، فهي برغم كلّ ما تعرّضت له من حملات قمع وتصفية في مصر وسوريا وغيرهما نجحت في أن تستقطب وتدمج في أطرها بعض التنظيمات الإسلامية الشبابية الناشئة، لذلك كله يمكن التأكيد بأنّ عدداً لا يستهان به من "الأفغان العرب" كانوا من الإخوان المسلمين أو نشؤوا في كنف الجماعة أو يدورون في الفضاء الإخواني على أقل تقدير9.

عبد الله عزام كان عضواً في جماعة الإخوان المسلمين، وهو "رائد الجهاد الأفغاني"

هذا ليس كلاماً عاماً مرسلاً، فالمصادر الإخوانية تحتفي بالأفغان العرب وتؤكّد انتماء أبرزهم إلى الجماعة. لعلّ عبد الله عزام (1941-1989)، يشكّل المثال الأهمّ، حيث كان عضواً في جماعة الإخوان المسلمين، وهو "رائد الجهاد الأفغاني" ومؤسس "مكتب خدمات المجاهدين"، و"شخصية محورية في تطوير الحركات الإسلامية المسلحة، وتبنى أسلوباً عملياً لضم وتدريب المسلحين المسلمين من أنحاء العالم"، وكانت تجربته "مؤثرة على التطور اللاحق لحركة القاعدة العسكرية"10. تجدر الإشارة إلى أن عزّام كان على صلة مع مروان حديد (1934 - 1976)، القيادي الإخواني و"مؤسس الجهاد السوري"، وكان عزّام "متأثراً بفكرة الطليعة الجهاديّة، التي أسسها مروان حديد وبنى عليها فكرة الطليعة المقاتلة، والتي تقوم في جوهرها على فكرة قلّة مجاهدة تقود المعركة وتعمم الثورة، وهي الأساس ذاته الذي تقوم عليه قاعدة الجهاد (تنظيم القاعدة)"11 ، وليس غريباً أن يتأثر بن لادن بفكرة يتبنّاها عبدالله عزّام؛ فالأخير كان بمثابة الأب الروحي له، وقد ذكر أسامةَ بالاسم في وصيّته.

إنّ إيمان البنّا وقطب وإخوانهم المسلمين بشمول "دعوة الإخوان" العالم بأسره جعلت منه بقارّاته وبلدانه ميدان عملٍ وهدفاً للسيطرة

ومن الوثائق الهامّة التي تؤكّد حجم تغلغل الإخوان في أفغانستان وإرسال شبابهم للقتال هناك، رسالة موقعة بتاريخ 17 آذار (مارس) العام 1985، من عدنان سعد الدين المراقب العام لإخوان سوريا آنذاك، إلى عبد رب الرسول سياف (1944-)، الذي كان "أميراً وقائداً عاماً للجهاد"، نقتبس منها: "ثمة لفيف من إخواننا الكرام يتطلعون إلى الوقوف بجانبكم، والجهاد معكم، وتقديم جهودهم وخبراتهم إليكم، وقد وافقت قيادة الجماعة على طلبهم بالتوجه إليكم، ليكونوا بإمرتكم وتحت قيادتكم"12. وكان من بين جهاديي إخوان سوريا الذين قصدوا أفغانستان، مصطفى ست مريم نصار (1958 -)، أحد كوادر "الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين"، والذي سيُعرف لاحقاً باسم عمر عبد الحكيم/ أبو مصعب السوري، ويصبح من أبرز منّظري تنظيم القاعدة وفكرة الجهاد العالمي.

 

 

خلاصة
لا بأس من الاستعانة بأبي مصعب السوري - وهو المنظّر الجهادي المعروف – لندعم ما نذهب إليه في هذه الخلاصة، فقد أكّد "أن الجهاد العربي في أفغانستان هو نتيجة للجهاد العربي قبله، وهو أحد إنجازات التيار الجهادي العربي في بلاد العرب وأحد إفرازاته ومراحل تطوره... وقد قامت كثير من التجارب الجهادية ما بين مطلع الستينيات ومطلع الثمانينيات. أي قبل الجهاد الأفغاني بعشرين عاماً. بل إنّ القيادات والكوادر والرموز وأركان الجهاد العربي في أفغانستان، هم من بقايا وكوادر ورموز وشيوخ التيار الجهادي العربي" 13. لم يكن الإخوان، أو تيارات وازنة منهم على الأقل، خارج "التجارب الجهادية ما بين مطلع الستينيات ومطلع الثمانينيات" المشار إليها، ومنها في سوريا مثلاً، تجربة "شيخ الجهاد السوري" مروان حديد (1934 - 1976) في مدينة حماه، وقد كُرّس بعدها واحداً من رموز الإخوان، وكذلك مواجهاتهم المسلحة مع النظام السوري أواخر السبعينيات ومطلع الثمانينيات.

اقرأ أيضاً: المودودي: الحاكمية غطاء الانفصال والتمايز
فالجهاد الأفغاني استمرار للتيار الجهادي السابق من ناحية، ومن ناحية أخرى شكّل اللحظة التأسيسية الفعلية والتنفيذ العملي الأول لمرحلة "الجهاد العالمي". وإنّ تقاطر الإسلاميين للقتال في أفغانستان هو في أحد أوجهه ترجمة لأفكار الإخوان، والذين شاركوا أيضاً في "الجهاد الأفغاني" بمراحله المختلفة، سواء بالتنظير أو المشاركة الفاعلة. بل حتى خلال حرب "المجاهدين" الأهلية في الأعوام التي تلت الانسحاب السوفييتي، تدخّل الإخوان المسلمون كوسطاء لإنهاء الحرب. وفي حين أن إنهاء أي حرب وحقن دماء البشر أمر إنسانيّ نبيل يفترض أن يكون السلام هو القصد منه، إلا أن الأمر يختلف عند الجماعة وتحكمه موجبات وغايات لا شأن لها بالسلام. هذا ليس اتهاماً بل تكشفه بوضوح خلاصة موقف وفد الوساطة الإخواني: "إن العمل على إخماد الحرب الأهلية في أفغانستان من أجلّ الأعمال، ويأتي في رأس قمة السلوك الجهادي، وفيه عز الدنيا والآخرة، وإذا ما أثمر فإنّ أفغانستان تغدو إحدى قلاع الإسلام العتيدة، خبرة في الحروب، ووفرة في السلاح، وشجاعة قل مثيلها، في دعم الصف الإسلامي في معاركه ضد الصليبية والصهيونية وأعداء الإسلام بكل شرائحهم"14، وللعلم فإنّ الوثيقة التي تتضمّن هذه العبارات مؤرّخة في 19-11-1994 وموقعة باسم عدنان سعد الدين؛ أي قبل أن يعلن بن لادن قيام "الجبهة الإسلامية العالمية لقتال اليهود والصليبيين" (1998) ويتّخذ من أفغانستان منطلقاً لتنفيذ أعماله الإرهابية.

اقرأ أيضاً: "الخلافة والملك" للمودودي: تجميل أزمة تداول السلطة
وعلى هذا النحو، فإنّ المتابع لتاريخ الإخوان المسلمين ولسياساتهم الرسمية، لا سيما تلك العابرة للحدود والتي ينسّقها التنظيم الدولي للجماعة، سيجد أنهم على التوازي مع ادّعائهم الاعتدال، لم يتوانوا يوماً عن دعم المتطرّفين والإرهابيين من أصحاب المشاريع "الجهادية" الأخرى بالمال والرجال والإعلام، وهم حريصون على التعاون وعقد التحالفات التي تجمع فروع الجماعة المختلفة مع غيرها من الإسلاميين وضمناً الجماعات الجهادية. لكنّ في الوقت عينه، تمارس الجماعة ذلك كله بأقصى ما أوتيت من براغماتية وتقيّة، بحيث يمكنها الخوض في هذا الميدان بصور ملتبسة تتيح لها الإفادة من أعمال الجهاديين من جهة، وكذلك إمكانية التبرّؤ منهم ومن أعمالهم عند اللزوم، من جهة أخرى.

 

 


هوامش:

1- انظر للكاتب: "غزوة مانهاتن.. الجهاد في زمن العولمة".
2- انظر: سيد قطب، معالم في الطريق، دار الشروق. الطبعة الشرعية السادسة، 1979. ص136
3- المصدر نفسه، ص137
4- المصدر نفسه، ص138
5- سعيد حوّى: هذه تجربتي وهذه شهادتي، الناشر مكتبة وهبة، الطبعة الأولى 1987 ص 136،137
6- عدنان سعد الدين: مذكرات وذكريات، العلاقات السياسية لجماعة الإخوان في ثمانينيات القرن العشرين وما بعدها. مكتبة مدبولي، القاهرة 2010، ص289
7- المصدر نفسه، ص294
8- الدكتور فتحي الزبيدي: الجهاد الأفغاني في الكتابات العربية المعاصرة، دار المعرفة، دمشق، الطبعة الأولى، 1996. ص 150
9- أفكار البنا وقطب مثل "وطن المسلم الحق عقيدته، وأي بلد مسلم هو بالضرورة وطن لنا"  أثارت حماسة الإسلاميين الشباب للجهاد الأفغاني، ومنهم القيادي الإخواني السابق عبد المنعم أبو الفتوح، وكان وقتها من القيادت الطلابية في "الجماعة الإسلامية"، قبل أن ينضم رسمياً إلى الإخوان سنة 1980،. انظر: حسام تمام (تحرير) عبد المنعم أبو الفتوح شاهد على تاريخ الحركة الإسلامية في مصر، دار الشروق، الطبعة الثانية، القاهرة 2012. ص 106
10- راجع موقع الموسوعة التاريخية الرسمية للإخوان: "ويكيبيديا الإخوان المسلمين"
11- كتاب المسبار الشهري الكتاب الثاني والثلاثون، الإخوان المسلمون في سوريا، مجموعة باحثين، مركز المسبار للدراسات والبحوث، الطبعة الأولى، أغسطس (آب) 2009 ، ص 257
12- سعد الدين (مصدر سابق)، ص 298
13- عمر عبد الحكيم (أبو مصعب السوري): دعوة المقاومة الإسلامية العالمية. نسخة إلكترونية، طبعة ديسمبر 2004. ص704
14- سعد الدين (مصدر سابق)، ص 329

الصفحة الرئيسية