وحدة سوريا... هل هي مجرد حلم بعيد المنال؟

وحدة سوريا... هل هي مجرد حلم بعيد المنال؟

وحدة سوريا... هل هي مجرد حلم بعيد المنال؟


21/10/2025

ترجمة: محمد الدخاخني

منذ بداية العصر الحديث كانت سوريا ضحيةً لمكائد الآخرين، فالبلاد تواجه مشاكل لا تُحصى، داخلية وخارجية، لا يُمكن حلّ أيٍّ منها بسهولة.

تحوَّلت سوريا من الحكم العثماني إلى بقايا بعد أن قَسَّم الفرنسيون والبريطانيون المشرق العربي إرضاءً لمؤامراتهم الإمبراطورية. وبسبب سوء الإدارة والانقسامات الطائفية، أصبحت سوريا، كـ "نصفها الآخر" (لبنان)، ساحةً للألعاب القاتلة التي يمارسها الجيران وغيرهم.

وفي السنوات الأخيرة تورطت إسرائيل وإيران وتركيا وروسيا والولايات المتحدة والفصائل والميليشيات اللبنانية والفلسطينية والأكراد، وبالطبع داعش، في درجةٍ ما من التدخل في سوريا، عسكرياً وسياسياً. ومثل أطفالٍ مُتهورين مُنخرطين في لعبةٍ خطيرة، لم يُعر هؤلاء "الغرباء" أيّ اهتمامٍ لعواقب سلوكهم.

عندما بدأت حرب سوريا على نفسها عام 2011 تم تجاهل أولئك الذين حَذَّروا من أنّها لن تُسفر عن أيّ خير. وعندما ارتفع عدد القتلى إلى (5) آلاف، وظهرت دعوات في الولايات المتحدة والعالم العربي لتسليح المعارضة السورية، حذَّر آخرون من أنّ إمداد معارضي الرئيس السوري السابق بشار الأسد بمزيد من الأسلحة لن يؤدي إلا إلى زيادة الأسلحة التي سيوفرها حلفاء نظام الأسد لحمايتهم. وهكذا استمرَّت الدوامة، حيث استقطبت الفصائل الطائفية وحكم الأسد الحلفاء حتى تمزقت البلاد وغاصت في الدماء.

ثم، بعد (13) عاماً من الصراع، زحفت الجماعة المرتبطة سابقاً بتنظيم القاعدة، والتي سيطرت على محافظة إدلب شمال سوريا لسنوات عديدة، إلى دمشق وأطاحت بنظام الأسد، الذي كان قد تخلى عنه إلى حد كبير داعموه الروس والإيرانيون بحلول ذلك الوقت.

احتفل الكثيرون في سوريا وحول العالم، لكن في الواقع لم يكن هناك ما يدعو للاحتفال. فتقديرات عدد القتلى في الحرب تتراوح بين (560) ألفاً و(680) ألفاً. وقد دُمِّر جزء كبير من البنية التحتية السورية، وذهب أكثر من نصف السكان إلى المنافي أو نزحوا داخلياً، وتداعى التماسك الاجتماعي والسياسي الهش أصلاً في البلاد.

وبمجرد تنصيبهم في العاصمة، ارتدى أعضاء الجماعة، التي كانت تُصنَّف سابقاً منظمة إرهابية، البدلات وربطات العنق، وخففوا من حدة خطابهم ليظهروا قدرتهم على إدارة "سوريا الجديدة" بمسؤولية. لكنّ المهام التي تواجههم قد يكون من الصعب التغلب عليها. وربما يُسيطرون على دمشق، لكنّ بقية البلاد ما تزال مُمزَّقة.

ربما غادرت إيران والميليشيات المتحالفة معها أو ضعفت، وعززت روسيا موقعها على طول الساحل لحماية مينائها وقاعدتها الجوية على البحر الأبيض المتوسط، لكنّ إسرائيل وتركيا تعمَّقتا في تواجدهما.

لقد اتّسمت إسرائيل بسلوك عدواني بشكل خاص في الاستيلاء على الأراضي وتأجيج الصراع الطائفي وقصف الكثير من قدرات سوريا الدفاعية والأمنية الداخلية. أضف إلى ذلك التحديات الداخلية التي تُمثلها المجتمعات الإثنية والطائفية المتنوعة في سوريا، التي ما تزال غير مرتاحة لماضي أعضاء الحكومة الجديدة، وتُشكِّك في أنّهم قد تغيروا حقاً. 

وتستمر الدلائل في الإشارة إلى أنّ الحكومة الجديدة في دمشق لا تملك السيطرة الكاملة على بعض الميليشيات المسلحة التي قاتلت إلى جانبها خلال الحرب الطويلة في سوريا.

وفي بداية عهدهم، ارتكب حكام دمشق الجدد أخطاءً متوقعة زادت من صعوبة مهمتهم. فبدلاً من السعي لطمأنة موظفي الخدمة المدنية والجيش والشرطة الذين عملوا في ظل نظام الأسد، طُرد عشرات الآلاف. وقد أدى ذلك إلى تفاقم انعدام الأمن، وصعوبة مهمة الحكم، ونتج عن الأمر حشدٌ هائل من العاطلين عن العمل الجدد الساخطين، الذين يحتفظ بعضهم بأسلحتهم، وقد يكونون مصدراً للاضطرابات في المستقبل.

وفي حين أنّ خطاب الحكومة الجديدة كان واعداً، فإنّ المشاكل التي تواجهها تطرح خيارات تبدو مستحيلة. وتُقيد هذه الخيارات قدرة الحكومة على المضي قُدماً، وإذا ازداد الضغط، فقد يدفعها ذلك إلى أخذ موقف دفاعي واتخاذ تدابير قمعية متزايدة لتجنب فقدان السلطة.

على سبيل المثال لا الحصر: تواجه الحكومة الجديدة ضغوطاً مالية هائلة لإعادة بناء البلاد وتنمية اقتصادها وإعادة هيكلة الشرطة وموظفي الخدمة المدنية ودفع رواتبهم. لكنّ قدرتها على جمع الأموال وجذب الاستثمارات الأجنبية تُعيقها حقيقة أنّ نظام الأسد كان خاضعاً لعقوبات دولية، وأنّ الحكومة الجديدة ما تزال مُدرجة من قِبَل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة كمنظمة إرهابية.

في حين أنّ العديد من الدول تُطالب، ولأسباب وجيهة، الحكومة الجديدة بإثبات أنّها لم تعد الجماعة المتطرفة التي كانت عليها سابقًا، فإنّ تأخير الدعم لا يعني سوى تأخير إعادة إعمار سوريا، واستئناف الخدمات الضرورية، ودفع رواتب الموظفين الحكوميين السوريين.

ويبدو أنّ أسباب تردد الولايات المتحدة في تخفيف العقوبات تعود جزئياً إلى رغبة المفاوضين الأمريكيين في أن يُبرم السوريون نوعاً من الترتيبات الأمنية مع إسرائيل. ومع ذلك، فإنّ ثمن مثل هذا الترتيب سيكون تفاقم التوترات الداخلية، خاصَّة مع العناصر المتحالفة مع الحكومة الجديدة التي ستجد أيّ اتفاق مع إسرائيل من المرارة بحيث يصعب تجرعه.

الخلاصة هي: عند تقييم كيفية حلّ أيّ مشكلة، شخصية كانت أو سياسية، ينبغي ألّا يعتمد الحلّ على شرط تفتقر الأطراف إلى القدرة عليه أو لا ترغب في القيام به.

ربما تكون الحكومة الجديدة في سوريا قد أطاحت بالنظام القديم، ولكن على الرغم من حكمها لمحافظة إدلب، تبقى التساؤلات مطروحة حول قدرتها على بناء وحدة وطنية وحكم النظام السوري الأكثر تعقيداً وتنوعاً. وعلى إسرائيل وتركيا وإيران وغيرها مغادرة سوريا والتوقف عن استغلال التوترات الطائفية لتحقيق مآرب خاصة، لكن لا مصلحة لأيّ منها في القيام بذلك.

لو كان هناك وضعٌ يحتاج فيه العالم إلى أمم متحدة قوية وفعَّالة، فهو هذا الوضع. وفي غياب آليّة محايدة للمساعدة في حلّ النزاعات وإنفاذ سيادة القانون، تُترك سوريا ويُترك شعبها وحكامها الجدد لمآزقهم ولأهواء بعض القوى الإقليمية الخبيثة.

المصدر:

جيمس زغبي، ذي ناشيونال، 14 تشرين الأول (أكتوبر) 2025




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية