
أصدر ما يُسمّى بـ "المكتب العام للإخوان المسلمين - تيار التغيير" بياناً جديداً يهاجم فيه ما أطلق عليه "خطة ترامب بشأن غزة"، معتبراً أنّ مشاركة بعض الدول العربية والإسلامية في اجتماعات مع الولايات المتحدة تمثل "خيانة لله ولرسوله ولشعوب المنطقة".
البيان الذي جاء في صياغة دينية إيديولوجية، حمل لغة شعاراتية تستعيد مفردات الخطاب التقليدي للجماعة، بدءاً من استدعاء الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وصولاً إلى توصيف الأنظمة العربية بأنّها "صهيو-عربية" ومتآمرة مع "الاحتلال".
هذا النوع من الخطابات يندرج في سياق محاولة الإخوان إعادة تسويق أنفسهم كحركة "مقاومة" بعد أن فقدوا شرعيتهم السياسية في معظم الدول العربية، وهو ما يجعل من البيان مادة تستحق التحليل والنقد لفهم مراميه الخفية.
الدين كغطاء للسياسة
من أبرز ما يلفت الانتباه في البيان هو توظيفه المكثف للخطاب الديني، فالمقدمة استهلت بآية قرآنية تصف المنافقين، في إيحاء مباشر إلى الأنظمة العربية المشاركة في اللقاءات مع الولايات المتحدة.
هذه الاستراتيجية ليست جديدة على الإخوان، إذ دأبوا تاريخيّاً على إلباس الصراعات السياسية لباساً دينياً، لتحويل أيّ خلاف سياسي إلى قضية "إيمان وكفر" أو "إسلام وخيانة". هذا الاستخدام الانتقائي للنصوص الدينية يمثل سلاحاً إيديولوجياً خطيراً، يزرع بذور الفتنة بين الشعوب والأنظمة، ويضع المجتمع في حالة استقطاب دائم.
يتعمد البيان تصوير الأنظمة العربية على أنّها مجرد "وكلاء" للاحتلال، تخضع بالكامل للبيت الأبيض. هذه الصورة النمطية تعكس الرؤية الإخوانية التقليدية التي ترفض شرعية الأنظمة الوطنية، باعتبارها عقبة أمام مشروع الجماعة في إعادة تشكيل المنطقة وفق نموذج "الخلافة".
اللافت أنّ البيان لم يقدّم أيّ بدائل سياسية أو رؤى واقعية، بل اكتفى بالتحريض على "الانتفاض ضد أنظمة الخيانة". وهنا يظهر التناقض الواضح بين ما تدّعيه الجماعة من دفاع عن الشعوب، وبين ما تسعى إليه عمليّاً من إشعال فوضى تؤدي إلى انهيار الدول، بما يفتح المجال أمام عودتها إلى المشهد.
ويحاول البيان الاستثمار في معاناة غزة ليقدّم الإخوان أنفسهم بوصفهم "المدافعين الحقيقيين" عن القضية الفلسطينية. فهو يشيد بـ "المجاهدين البواسل" الذين تحدوا الاحتلال وآلته العسكرية، ويصورهم بأنّهم "الفئة المنصورة" كما ورد في الحديث النبوي.
هذا الخطاب لا يخلو من مبالغة واضحة، فهو يختزل القضية الفلسطينية في إطار ديني ضيق، متجاهلاً الأبعاد السياسية والإنسانية الأوسع. ويتجاهل البيان تماماً مسؤولية حماس ـ الذراع العسكرية والفكرية للإخوان في فلسطين ـ عن إدخال القطاع في أتون مواجهات غير محسوبة، كثيراً ما كان المدنيون ضحاياها.
"خطة ترامب" بين الواقع والدعاية
يصوّر البيان الخطة الأمريكية على أنّها "خطة استسلام" تهدف إلى تحويل الاحتلال إلى "شرطي للمنطقة". لكنّ اللافت أنّ البيان لا يقدّم أيّ تفاصيل حقيقية عن الخطة، ولا يطرح رؤية موضوعية لكيفية مواجهتها. كلّ ما يقدّمه هو لغة عاطفية مشحونة تحاول دغدغة مشاعر الغضب لدى الشعوب العربية.
هذا النهج يعكس طبيعة الدعاية الإخوانية التي تعتمد على تضخيم التهديدات وشيطنة الخصوم، دون الانخراط في نقاش عقلاني أو تقديم حلول واقعية.
وتتكرر في البيان مفردة "الخيانة" بشكل لافت، إذ تُلصق بالأنظمة العربية مجتمعة، بوصفها خانت الله ورسوله وأمّتها. هذا الاستخدام المفرط لمصطلح "الخيانة" يعكس طبيعة الخطاب الإخواني الذي يقوم على تقسيم العالم إلى "مخلصين" و"خونة"، "مؤمنين" و"منافقين". ومثل هذا الخطاب لا يترك مجالاً للتعددية أو الاختلاف السياسي، بل يسعى إلى مصادرة الشرعية من الجميع لحصرها في الجماعة وحدها. وهو خطاب لا يؤدي إلا إلى مزيد من العداء بين الشعوب وحكوماتها، وهو ما يحقق هدف الإخوان في تفكيك الدولة الوطنية.
أخطر ما جاء في البيان هو دعوة الشعوب العربية إلى "الانتفاض" ضد أنظمتها. هذه الدعوة المباشرة للتحريض على إسقاط الأنظمة تكشف الطبيعة الثورية للجماعة، وتفضح أجندتها الحقيقية التي لم تتغير منذ تأسيسها. فالإخوان، رغم ما يدّعونه من سلميّة، يواصلون الدفع نحو الفوضى تحت شعارات دينية ووطنية. الدعوة إلى "تحرير العواصم العربية والإسلامية أوّلاً" ليست إلّا شعاراً آخر لإسقاط الدول القائمة، تمهيداً لإعادة تشكيلها وفق المشروع الإخواني العابر للحدود.
استغلال المظلومية الفلسطينية
من الملاحظ أنّ البيان يستثمر المظلومية الفلسطينية كأداة لتعبئة الجماهير. فكلما واجهت الجماعة أزمة في شرعيتها أو حضورها السياسي، لجأت إلى رفع شعار "نصرة فلسطين" للتغطية على أزمتها الداخلية. لكنّ الواقع يؤكد أنّ الإخوان لم يقدّموا شيئاً عملياً لفلسطين طوال تاريخهم، سوى استغلالها خطابياً. بل إنّ ممارسات حماس ـ الفرع الفلسطيني للجماعة ـ أدت إلى انقسام الصف الفلسطيني وإضعاف قضيته على الساحة الدولية.
ويمكن القول إنّ البيان يعكس بوضوح أزمة الجماعة الفكرية والسياسية. فمن جهة، تواصل جماعة الإخوان رفع شعارات "المقاومة والجهاد" لتبرير وجودها، ومن جهة أخرى، تفتقر إلى أيّ مشروع سياسي متماسك أو رؤية عملية لحلّ الأزمات الإقليمية. البيان ليس سوى محاولة لتعبئة الشارع بخطاب عاطفي يستحضر الرموز الدينية والمفردات الثورية، في وقت تدرك فيه الجماعة أنّها فقدت معظم حواضنها الشعبية في العالم العربي.
بيان "خطة ترامب" الذي أصدره المكتب العام للإخوان المسلمين لا يمكن قراءته إلا في سياق حملة دعائية جديدة تسعى الجماعة من خلالها إلى إعادة تقديم نفسها كحركة مقاومة ضد "الاحتلال وخيانة الأنظمة". لكنّه في جوهره يظلّ خطاباً دعائياً يفتقر إلى العمق السياسي، ويعيد إنتاج الأدبيات القديمة نفسها التي لطالما اعتمدتها الجماعة منذ نشأتها. وإنّ أخطر ما في هذا البيان ليس مضمونه المباشر فحسب، بل ما يحمله من تحريض على الفوضى وتكفير الأنظمة الوطنية، بما يعكس استمرار الإخوان في مشروعهم التاريخي لهدم الدولة الوطنية تحت شعارات دينية فضفاضة.
وفي المحصلة، فإنّ مثل هذه البيانات لا تُسهم في دعم القضية الفلسطينية ولا في حماية الشعوب العربية، بل تفتح الباب لمزيد من الانقسامات والصراعات التي تصبّ في مصلحة الاحتلال ذاته.


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/344281-293240_0_0_0_2_1_0_1.jpg.webp?itok=LieXmuS8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_6_0_0_1_0_0_1.jpg.webp?itok=4Ka8FsXh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_22_0.jpg.webp?itok=N0UXHX6y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B4%D9%88%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=1nzQWsfi)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF_0_0.png.webp?itok=095Dr22b)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1408793_0_1.jpeg.webp?itok=RLtA9JKZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A5%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A7%D8%AA_1_0.jpg.webp?itok=oxGZ1O9A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%AC%D9%87%D8%B2%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%86_0_4_4_0.jpg.webp?itok=cavoPXVu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_2.jpg.webp?itok=4NGJbZEg)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4_1.jpg.webp?itok=Jmi96fsS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%AC_1.jpg.webp?itok=2Blorlyw)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/239iiuqtpl7os0ko8s_0_6.jpg.webp?itok=n1zgQ4_d)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9_3_2_2.jpg.webp?itok=yJg8j5Rq)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/232566-1737814846.jpg.webp?itok=OvPZSkJv)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0.jpg.webp?itok=KAB_cJlS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)