
أجرى الحوار: رامي شفيق
يمثّل كتاب "استجواب الرئيس" ذاكرةً مهمّة لحدث لافت وخطير في منطقة الشرق الأوسط خلال الأعوام القليلة التي تلت أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، حيث لحظة القبض على الرئيس العراقي الراحل صدام حسين في الثالث عشر من شهر كانون الأول (ديسمبر) العام 2003.
حينها وجد الخبير في شؤون الشرق الأوسط جون نيكسون نفسه أمام استجواب صدام، ووصف ذلك الأمر بأنّه كان بمثابة "تحدٍّ له".
التقت (حفريات) جون نيكسون، الخبير في شؤون الشرق الأوسط والمحلل السياسي في شؤون العراق وإيران، الذي عمل سابقًا لدى وكالة الاستخبارات المركزية.
قال نيكسون لـ (حفريات): إنّه أجرى استجوابًا مطوّلًا مع صدام حسين بعد أن قبضت عليه القوات الأمريكية. ووصفه في الحوار بأنّه "أكثر شخص متشكك قابله في حياته". وأضاف أنّ الرئيس الراحل كان يعتقد أنّ واشنطن كيان واحد متماسك، ولم يدرك كيف تتشابك داخلها مصالح الأحزاب واللوبيات. وتابع أنّ حسين كان يتوقع صفقة كبرى تُبرم معه، "لكنّه لم يفهم أن قرار غزوه اتُّخذ بشكل نهائي ولم يعد هناك مجال للتراجع".
ولفت الخبير السياسي في شؤون العراق وإيران إلى "أنّ واشنطن لم تُدرك جيّدًا أنّ إيران ستستغل ما حدث. وأشار نيكسون إلى أنّ وكالة الاستخبارات المركزية كانت تعتقد أنّ شيئًا شبيهًا بالربيع العربي سيحدث عاجلًا أو آجلًا".
وفي ختام حواره مع (حفريات) خلص نيكسون إلى "أنّ إسرائيل مصمّمة الآن على التعامل مع أعدائها بشكل نهائي".
نص الحوار:
عندما رأيت الرئيس العراقي السابق صدام حسين لأول مرة بعد القبض عليه، هل كان الشخص نفسه الذي تهيأت وتدربت على استجوابه؟
ـ سأكون صريحًا معك لأبعد درجة؛ نعم، كان تمامًا كما توقعته: عدوانيًا، متشككًا، ومتغطرسًا. غير أنّه كان أيضًا ساحرًا، مهذبًا وجذابًا، وهذا ما لم أكن مستعدًا له.
قلت لك سأكون صريحًا، ولذا أشير إلى كون صدام كان يتمتع بمهارات سياسية هائلة، وسرعان ما أدركت كيف يتواصل مع الناس وأفهم كيف كان يكسبهم.
لقد فوجئت بقدرته على الجمع بين الحزم والمرونة في اللحظة نفسها؛ كان يتحدث بنبرة واثقة لا تعكس مطلقًا كونه أسيرًا. حتى وهو جالس أمامي في غرفة استجواب، كان يتصرف كأنّه ما يزال رئيسًا يوجّه خطابًا لشعب أو لقادة سياسيين. لقد استغل لغة الجسد والنظرات المحسوبة لإيصال رسالة قوة، وكأنّ القبض عليه لم ينتزع منه إحساسه بالسلطة.
كيف كان يتفاعل معك خلال جلسات الاستجواب: هل كان متحديًا، أم خاضعًا، أم يحاول إظهار سيطرته؟
كان متحديًا دائمًا، ويسعى للسيطرة. ومع ذلك، كان مستعدًا لمناقشة طيف واسع من المواضيع، وكان يحب الأخذ والرد في محادثاتنا.
كان يردّ على الأسئلة بحدة أحيانًا، وبهدوء متعمد أحيانًا أخرى، ليختبر صبري ويجعلني في موقف دفاعي. لم يكن يقبل أن يُعامل كمجرّد أسير؛ بل كان يتعمد إدارة الحوار كأنّه مناظرة سياسية. كان يهاجم أحيانًا بالأسئلة المضادة: لماذا تتهمونني وأنتم تحاربون فيتنام؟ لماذا تهاجمونني وأنتم تحمون إسرائيل؟ بهذا الأسلوب كان يضعني أمام مرآة مزدوجة: أنا أستجوبه، لكنّه يجعلني في الوقت ذاته أُستَجوَب من خلاله.
هل تتذكر الإجابة أو الجملة الأكثر إثارة للدهشة التي وجهها لك أثناء الاستجواب، والتي لم تتوقع أن يقولها رئيس في هذا العصر؟
ينبغي أن أشير في هذا الشأن إلى أنّ صدام حسين أكثر شخص متشكك قابلته في حياتي، إذ كان يرد على السؤال عادةً بسؤال مضاد. أكثر ما أثار دهشتي هو عجزه عن فهم الولايات المتحدة. كان يراها قوة هائلة، وحاول مرارًا أن يجد مخرجًا من العلاقة العدائية معها، لكنّه لم يتمكن. هذه واحدة من المآسي الكبرى لحرب 2003، التي لم يكن ينبغي خوضها أبدًا.
لقد كان يرى أمريكا ككيان واحد متماسك، ولم يدرك كيف تتشابك في داخلها مصالح الأحزاب واللوبيات والشركات والرأي العام. كان يتوقع أنّ "صفقة كبرى" يمكن أن تُبرم معه، لكنّه لم يفهم أنّ قرار غزوه قد اتُّخذ بشكل نهائي، وأنّه لم يعد هناك مجال للتراجع.
بعد جلسات استجواب متكررة، هل وجدتَ ثمّة ضرورة لكل ما حدث؟
ـ عليَّ تذكر ذلك كل مرة، كلما تحدثت مع صدام زاد اقتناعي بأنّه لا داعي لوجودنا في العراق. بعد آخر لقاء بيننا عام 2004 أصبح هذا الشعور أقوى. لقد كانت الحرب مضيعة كاملة للأرواح والموارد والأموال، ولا أعني من الجانب الأمريكي فقط. لقد دمرت الولايات المتحدة جزءًا من نفسها؛ لأنّ رئيسنا في ذلك الوقت، جورج بوش، قرر أنّ صدام يمثل محور الشر في العالم. إنّه أمر مأساوي وسخيف في الوقت نفسه.
لقد أدركت يقينًا أنّ إسقاط نظامه لم يحقق أيًّا من الأهداف التي أعلنتها واشنطن: لا الديمقراطية ترسخت، ولا الإرهاب انحسر، ولا الاستقرار تحقق. بل على العكس، تحوّل العراق إلى ساحة صراع مفتوحة، وأصبح غزوه مثالًا على الكيفية التي يمكن أن تدمّر بها دولة عظمى سمعتها ومصداقيتها في العالم.
هل كان صدام يعتقد أنّ سقوط بغداد ممكن بتلك السرعة عام 2003؟
ـ أرجح أنّه وقع في مصيدة الظن أنّ أصدقاءه في المجتمع الدولي ـ كروسيا أو فرنسا ـ سيتدخلون عبر الأمم المتحدة، أو يمارسون ضغطًا على الولايات المتحدة لوقف الغزو. كما توقع أنّ القوات الأمريكية ستتكبد خسائر وتنسحب بمحض إرادتها. لكنّه كان مخطئًا تمامًا. كان الرئيس الأمريكي آنذاك جورج بوش، على عكس والده، مصممًا على إزاحة صدام من السلطة. ومن بين أكثر الرجال جهلًا الذين قابلتهم في الحكومة الأمريكية، لم أصدق أنّ رئيسنا بالفعل.
لقد أساء صدام تقدير تصميم الإدارة الأمريكية، وظل يراهن على أنّ التاريخ سيتكرر: أنّ أميركا ستتراجع كما فعلت في فيتنام، أو كما اكتفت بتحرير الكويت عام 1991. لم يدرك أنّ صقور واشنطن رأوا في لحظة 2003 فرصة لتغيير قواعد اللعبة بالكامل.
بناءً على تحليلك، كيف تعامل البيت الأبيض مع فكرة توازن القوى في الشرق الأوسط بعد سقوط بغداد وصدام حسين؟
ـ لا أظن أنّ البيت الأبيض فكّر أصلًا بمفهوم توازن القوى. لو فعلوا، لما أطاحوا بصدام. كانوا يتصرفون تحت شعار استئصال الشر (وكأنّ ذلك ممكن)، مع نية ضرب مصادر هجمات 11 أيلول (سبتمبر). المشكلة أنّ مصادر الإرهاب كانت تنبع من دول صديقة وإيران. وبدلًا من ضرب إيران سهّلنا لها بناء شبكات أقوى لمعارضة وجودنا في المنطقة. لم تكن خطة مدروسة.
لقد تعاملوا مع المنطقة بعقلية "المعركة الصفرية"؛ نزيل الديكتاتور، فنصنع تلقائيًا شرق أوسط جديدًا. لكنّهم لم يفكّروا في إيران، ولا في الانقسامات الطائفية، ولا في عواقب تفكيك مؤسسات الدولة العراقية. كانت النتيجة أننا أعدنا رسم الخريطة بطريقة سمحت لطهران بأن تصبح اللاعب الأبرز.
كيف نظر صدام إلى توازن القوى في المنطقة؟
ـ كان صدام يعلم، أفضل منا، أنّ إيران ستستغل الموقف. خلال الحرب العراقية الإيرانية بذل جهدًا لمنعها من إنشاء شبكات متمردة داخل العراق. وأدرك أنّ العراق سيغدو ساحة مفتوحة للعنف، حيث يشعر الإرهابيون بحرية مهاجمة الولايات المتحدة وغيرها.
كان يدرك أيضًا أنّ سقوط العراق سيعني فتح الطريق أمام مشروع إيراني طويل الأمد، ليس فقط عبر الحدود العراقية، بل أيضًا في سوريا ولبنان والخليج. بالنسبة إليه، كان العراق هو السدّ العربي الأخير أمام التمدد الإيراني، ولهذا ظلّ حتى اللحظة الأخيرة يتحدث كأنّه يحمي المنطقة، لا العراق وحده.
هل أصدر صدام أيّ تحذيرات مبكرة بشأن توسع الميليشيات المدعومة من طهران بعد سقوط الدولة؟
ـ لا، في وكالة الاستخبارات المركزية كنا نعتقد أنّ شيئًا شبيهًا بالربيع العربي سيحدث يومًا ما، وكان الأمر شبه حتمي. الفقر والفساد ووسائل التواصل الاجتماعي وانتشار الهواتف الذكية واللّامبالاة من النخب الحاكمة بشعوبها، كلها عوامل كانت وراء الربيع العربي أكثر من سقوط صدام. ألقى صنّاع القرار الأمريكيون اللوم علينا لأننا لم نتنبأ بالربيع العربي، لكننا حذّرناهم باستمرار من أنّ "زلزالًا قادمًا"، دون أن نعرف متى بالتحديد.
لكن ما قاله صدام بصورة غير مباشرة كان أبلغ من التحذير؛ كان يكرر أنّ العراق إذا انهار، فلن تقوم له قائمة، وأنّ قوى خارجية ستتدخل فورًا لملء الفراغ. وهذا بالضبط ما فعلته إيران بعد 2003.
ما مدى احتمالية قيام تل أبيب بشنّ ضربة جديدة على طهران برأيك؟ وهل ستبارك واشنطن هذه الخطوة؟
ـ بعد هجوم حماس في 7 تشرين الأول (أكتوبر) أعتقد أنّ تل أبيب مصممة على التعامل مع أعدائها بشكل نهائي، ولن يثنيها شيء عن ذلك.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%AC%D9%87%D8%B2%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%86_0_4_4_0.jpg.webp?itok=cavoPXVu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1408793_0_1.jpeg.webp?itok=RLtA9JKZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_6_0_0_1_0_0_1.jpg.webp?itok=4Ka8FsXh)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA%20%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A_6_0.jpg.webp?itok=iu2rI4iJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_22_0.jpg.webp?itok=N0UXHX6y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF_0_0.png.webp?itok=095Dr22b)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B4%D9%88%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=1nzQWsfi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A5%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A7%D8%AA_1_0.jpg.webp?itok=oxGZ1O9A)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%AC_1.jpg.webp?itok=2Blorlyw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4_1.jpg.webp?itok=Jmi96fsS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_2.jpg.webp?itok=4NGJbZEg)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/239iiuqtpl7os0ko8s_0_6.jpg.webp?itok=n1zgQ4_d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/66442868058220260615035806586.jpg.webp?itok=b4jj-erZ)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%88%D9%86%20%D9%8A%D9%85%D9%86_0_0.jpg.webp?itok=qYITRVsk)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/232566-1737814846.jpg.webp?itok=OvPZSkJv)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)