داعش 2025: عودة صامتة تهدد الاستقرار العالمي

داعش 2025: عودة صامتة تهدد الاستقرار العالمي

داعش 2025: عودة صامتة تهدد الاستقرار العالمي


10/09/2025

بعد سنوات من إعلان هزائم تنظيم داعش في العراق وسوريا، تتضح معالم عودة صامتة للتنظيم عبر شبكة من الفروع اللامركزية حول العالم، لم يعد التركيز على السيطرة الميدانية المباشرة، بل على تطوير أساليب أكثر ذكاءً وفعالية للتجنيد والهجمات النفسية والاستفادة من الفراغات الجيوسياسية. هذا التحول يعكس قدرة الجماعة على التكيف مع البيئة الأمنية والسياسية المتغيرة، ويجعل مواجهتها أكثر تعقيدًا للدول والمجتمعات.

التحدي الآن لم يعد السيطرة على الأراضي، بل التحكم في الفضاء السيبراني، وتأثير السرديات الجهادية على العقول والمجتمعات، خصوصا أن داعش يواصل استغلال الصراعات بالوكالة، والهجمات غير التقليدية، والفوضى في مناطق مثل أفغانستان والصومال والساحل الإفريقي، لتوسيع نفوذه وتحقيق أهدافه دون مواجهة مباشرة. هذه العودة الصامتة تؤكد أن الهزائم الميدانية لا تعني نهاية التهديد، وأن الجماعة تتقن فن التخفي الاستراتيجي لإعادة هيكلة نفسها عالميًا.

لم يعد التركيز على السيطرة الميدانية المباشرة بل على تطوير أساليب أكثر ذكاءً وفعالية للتجنيد والهجمات النفسية والاستفادة من الفراغات الجيوسياسية

وبحسب دراسة نشرها "المركز العربي لدراسات التطرف" بعنوان "داعش 2025: العودة الصامتة"، فإن التنظيم استغل الفراغات الجيوسياسية والصراعات المحلية لتطوير شبكات لامركزية تمكنه من التجنيد، وإعادة الهيكلة العملياتية، وتنفيذ هجمات نفسية واستراتيجية. الدراسة تشير إلى أن الجماعة تتبنى أساليب تمويه متقدمة، ما يجعل اكتشاف نشاطاتها التقليدية شبه مستحيل، ويعزز قدرتها على الانتشار والتأثير بعيدًا عن المراقبة الدولية المباشرة.

كما ركزت الدراسة على انتقال داعش من الصراع التقليدي إلى صراع متعدد الأبعاد، يشمل الفضاء الرقمي والهجمات الرمزية منخفضة التكلفة، ما يحول تهديده من مجرد قوة ميدانية إلى تهديد معرفي واستراتيجي عالمي. هذه الملاحظة توضح ضرورة تطوير استراتيجيات مواجهة شاملة، تتجاوز الأساليب التقليدية في مكافحة الإرهاب.

أفغانستان وشرق إفريقيا: بؤر جديدة للجهاد

في أفغانستان، تحولت داعش-خراسان إلى شبكة عملياتية مستقلة تركز على الفراغات الناتجة عن الانقسامات القبلية والصراعات بين طالبان والفصائل المحلية. تعمل هذه الفروع على استقطاب مقاتلين أجانب، وتوفير التدريب اللوجستي، واختبار التكتيكات العسكرية في بيئة متقلبة، بعيدًا عن سيطرة الدولة المركزية.

ويمثل الصومال محورًا آخر لاستراتيجية التنظيم؛ فبالتعاون مع حركة الشباب، أصبح داعش قادرًا على تنظيم عمليات تدريب وتمويل المجموعات المحلية في شرق إفريقيا، بما في ذلك كينيا وإثيوبيا ومالي وبوركينا فاسو. هذه الشبكات تعمل ضمن هياكل أكثر مرونة وأقل هرمية، ما يمنح التنظيم قدرة على التكيف مع الفوضى الإقليمية وتنفيذ عمليات منخفضة التكلفة لكنها مؤثرة.

إضافة لذلك، تستغل الجماعة الفوضى السياسية والاجتماعية في السودان وهايتي ومناطق أخرى لتوسيع نفوذها. 

وتوفر هذه الفضاءات غير الخاضعة للرقابة ملاذًا أيديولوجيًا، وأرضًا خصبة للتجنيد، وممرات لوجستية للعمليات المستقبلية، ما يعكس استراتيجية انتشار غير مباشر تستفيد من الفراغات العالمية لتحقيق أهدافها.

داعش-خراسان والصومال: إعادة هيكلة الجهاديين

هذا وتعمل داعش-خراسان على تعزيز شبكة عبر الحدود في آسيا الوسطى، مستفيدة من الخلافات بين الفصائل المحلية، وتهيئة الظروف المثالية لاستقطاب مقاتلين أجانب. هذه العملية لا تركز فقط على العمليات العسكرية المباشرة، بل تشمل التخطيط الاستراتيجي لإعادة الانتشار وتوسيع النفوذ في المستقبل القريب.

التحدي الآن لم يعد السيطرة على الأراضي بل التحكم في الفضاء السيبراني وتأثير السرديات الجهادية على العقول والمجتمعات

أما في الصومال، فيقوم التنظيم بتعزيز التنسيق بين الفروع المحلية والدولية، مستغلًا ضعف المؤسسات الحكومية والتراجع النسبي للتدخل الغربي. هذا يسمح له بالتحرك بهدوء، وتدريب المقاتلين، ونقل الأسلحة، وتطبيق استراتيجيات العمليات غير المتكافئة، ما يجعل مواجهته أكثر صعوبة من أي تهديد تقليدي.

وتُظهر الدراسة أن اللامركزية والتكيف مع الفوضى أصبحا من أهم سمات التنظيم، بحيث يمكن لداعش أن يحافظ على نشاطه دون الحاجة إلى السيطرة على الأراضي، ويواصل نشر نفوذه في مناطق متعددة، من دون أن تُكتشف تحركاته بسهولة.

الجهاد السيبراني والذكاء الاصطناعي

وبحلول عام 2025، بات الفضاء الرقمي أحد أهم ساحات المعركة، حيث يستخدم التنظيم أدوات الذكاء الاصطناعي لإنتاج محتوى رقمي متعدد اللغات، من تصميم فيديوهات مزيفة، وتشغيل روبوتات دردشة متنكرة كمرشدين روحانيين، وتمكن هذه الأدوات الجماعة من نشر الفكر الجهادي واستقطاب المتعاطفين بعيدًا عن المناطق التقليدية للصراع.

تطور التنظيم أيضًا دعاية رقمية آلية قادرة على التكيف في الوقت الفعلي، مستهدفة جماهير محددة بدقة، ما يعزز قدرة داعش على توسيع دائرة تأثيره بطريقة دقيقة وفعالة. هذا التحول يجعل من الجهاد السيبراني جزءًا لا يتجزأ من استراتيجيات الجماعة العالمية، ويحول الفضاء الرقمي إلى قوة مضاعفة للهجمات النفسية والهجمات الرمزية.

إضافة لذلك، تعمل الجماعة على التخطيط للهجمات السيبرانية المستهدفة، مثل اختراق أنظمة السكادا في مرافق الطاقة والمياه، واستخدام برامج خبيثة للتعطيل، ما يعكس تحولًا استراتيجيًا من المواجهة المباشرة إلى الهجمات النفسية والاستراتيجية منخفضة التكلفة.

الهجمات الرقمية والتخريب الاستراتيجي

الهجمات الرقمية لداعش لا تهدف إلى القتل الجماعي، بل إلى زعزعة استقرار المؤسسات وإحداث الفوضى، وتشمل هذه الاستراتيجيات تعطيل البنية التحتية، استخدام برامج خبيثة مسبقة، واستهداف مواقع رمزية مثل شبكات النقل والمدارس والكنائس، بهدف خلق تأثير نفسي واجتماعي كبير.

التنظيم يسعى من خلال هذه العمليات إلى تغيير قواعد اللعبة، بحيث يصبح الوعي العام غير قادر على التفريق بين المعلومات الصحيحة والمضللة، وتصبح الثقة بالمؤسسات مهتزة. 

هذا النوع من الهجمات يزيد من فعالية الجماعة دون الحاجة إلى عمليات عسكرية مكلفة، ويؤكد على الانتقال إلى تهديد متعدد الأبعاد يشمل العقل، النفس، والسياسة.

التهديد الغربي لعام 2026

في أوروبا، يظهر التهديد عبر الفاعلين المنفردين الذين ينفذون هجمات صغيرة مستوحاة من محتوى رقمي متطرف، مستهدفين المدارس، الكنائس، ووسائل النقل. هذه الهجمات منخفضة التحضير لكنها تحمل تأثيرًا نفسيًا كبيرًا، يعكس قدرة الجماعة على إدارة تهديد خفي مستمر.

ركزت الدراسة على انتقال داعش من الصراع التقليدي إلى صراع متعدد الأبعاد يشمل الفضاء الرقمي والهجمات الرمزية منخفضة التكلفة

في الولايات المتحدة، تتجسد التهديدات في الهجمات الرمزية والهجينة، والبرمجيات الخبيثة المدمجة في البنية التحتية الحيوية، إضافة إلى التطرف المحلي المتأثر بالسرديات الجهادية. 

والهدف الرئيسي هو إرباك المجتمعات وزعزعة الثقة بالمؤسسات، بدلاً من إحداث دمار مادي مباشر، مما يعكس طبيعة الجهاد الجديد بعد انتهاء الخلافة التقليدية.

استراتيجية المواجهة المقترحة

هذا وتوصي الدراسة بخمس ركائز لمواجهة داعش 2025: التنبؤ الاستراتيجي، حماية المناطق الهشة، الدفاع المعرفي، الاستجابة المشتركة، والثقة كأساس الردع. 

التنبؤ يشمل تحديد خطوط الصدع الاجتماعية والسياسية قبل وقوع الهجمات، بينما الحماية الفعالة تشمل الوجود المادي والثقافي في المناطق الهشة.

ويركز الدفاع المعرفي على حماية البيئة الثقافية والرمزية من التطرف، والاستجابة المشتركة تتطلب تنسيقًا بين الأمن، الاستخبارات، القانون، والدبلوماسية. أما الثقة الداخلية، فهي عنصر أساسي لضمان فعالية الردع، بحيث لا يفسد التسامح الديمقراطي القدرة على مواجهة التهديدات.

وتوضح الدراسة أن داعش لم يختفِ، بل تعلم كيف يختفي عن الأنظار ويواصل التأثير بمرونة عالية، مستهدفًا الثقة والاستقرار أكثر من السيطرة الميدانية. وتتطلب مواجهة هذا التهديد استراتيجيات متعددة الأبعاد، فهم عميق للسياق الاجتماعي والتكنولوجي، وتعاون دولي متكامل، لضمان حماية الاستقرار العالمي ومواجهة التهديد الصامت بفعالية.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية