"طهران"... الحرب مستمرة حتى الحلقة الأخيرة من "المسلسل"

"طهران"... الحرب مستمرة حتى الحلقة الأخيرة من "المسلسل"

"طهران"... الحرب مستمرة حتى الحلقة الأخيرة من "المسلسل"


25/06/2025

في الوقت الذي انشغل فيه العالم بقصة الحرب بين إيران وإسرائيل ظهرت على السطح سرديات تمجد عملًا دراميًا صنع في إسرائيل بعنوان "طهران" صدر عام 2020؛ فهو صورة طبق الأصل من الأحداث الأخيرة، تحديدًا الموسم الثالث من المسلسل المعروض العام الماضي على شبكة التلفزيون الإسرائيلي، والذي يدور حول مهمة للوحدة (8200) بالموساد لتعطيل مخطط تنفيذ إيران سلاحها النووي الأول!

يحكي المسلسل في الموسم الأول قصة حب تستلهم ثنائية روميو وجوليت، تشتعل بين طرفين ينتمي كل منهما إلى بلد عدو للآخر؛ فالحبيبة عميلة إسرائيلية للموساد، والحبيب معارض إيراني شاب، تجمعهما لحظات درامية رقيقة يتبادلان خلالها الحب وسط عمليات كرّ وفرّ بين الموساد واستخبارات الحرس الثوري الإيراني، وقبلات متبادلة لا تكترث للتفجيرات وسقوط القتلى، ومجموعة من الشباب الإيراني المعارض المختبئ داخل تجمعات سرّية حتى يتمكن من ممارسة حريته دون التعرض للسجن.

رحلة من اليوتوبيا يقدمها المسلسل الإسرائيلي "طهران"، بيد أنّها يوتوبيا مزيفة؛ فهي صناعة إسرائيلية تستغل الصورة والميديا لغسل أثر دماء آلاف الأطفال والنساء والشيوخ القتلى التي تلطخ ملابس الجيش الإسرائيلي. 

الموساد في قلب إيران

تدور أحداث مسلسل "طهران" حول مخططات الموساد حين يقرر إرسال الجاسوسة "تمار"، وهي إسرائيلية من أصول إيرانية، لإنجاز مهمة  في طهران، تستهدف اختراق الرادارات وتعطيل الدفاعات الجوية الإيرانية لتشن الطائرات الإسرائيلية هجومًا على المفاعل النووي الإيراني، ويرسل الموساد عميلته "تمار"  التي تتمكن من دخول شركة الكهرباء الوطنية الإيرانية بعد انتحال شخصية موظفة تعمل في الشركة، وأثناء قيامها بالمهمة تتعرض للتحرش ومحاولة اغتصاب من قبل مدير الشركة، فتقوم تمار بقتله، لتفشل  في إنجاز مهمتها التي من المفترض أن تنجزها خلال (24) ساعة. تُثار الشكوك حول "تمار" لتتعرض للملاحقة من قبل "كمالي" المسؤول الأمني  في الحرس الثوري. وتجد "تمار" نفسها مطاردة، فتلجأ إلى خالتها التي رفضت الهجرة إلى إسرائيل واعتنقت الإسلام لتبدأ باكتشاف جذورها الإيرانية. وقد قام "ميلاد" بمساعدة "تمار"، وهو شاب إيراني مناهض للنظام، وتبدأ العلاقة بينهما بالتطور ليدخلا  في علاقة عاطفية.

رحلة من اليوتوبيا يقدّمها المسلسل الإسرائيلي "طهران"، بيد أنّها يوتوبيا مزيفة.

الحبكة الدرامية في المسلسل لا تقوم فقط على العداء بين البلدين؛ فهي تستعرض أيضًا جذور نحو (140) ألف إسرائيلي تعود إلى إيران، وما يزال يعيش قرابة (10) آلاف يهودي هناك كأقلية، بعدما كانت أعدادهم تتجاوز الـ (80) ألفًا في أربعينيات القرن الماضي. إلى جانب استعراض الجذور الإيرانية لآلاف اليهود يُقدّم المسلسل الصراع بين ثنائية الرجل والمرأة داخل إيران، وسيطرة الذكر الشرقي وتراجع دور المرأة، إلى الدرجة التي تضعها في مستوى ثانٍ تابعٍ للرجل؛ فهي محرومة من حريتها في ملابسها، أو علاقاتها الاجتماعية، أو حريتها الجنسية، والدينية، وحتى السياسية. وتظهر تلك الجدلية بقوة في الموسم الثالث من المسلسل عندما تقرر زوجة ضابط الاستخبارات بالحرس الثوري الهرب منه بمساعدة عميلة الموساد المتعاطفة معها باعتبارها امرأة إيرانية مقهورة. 

مخططات الموساد حين يقرر إرسال الجاسوسة "تمار"، وهي إسرائيلية من أصول إيرانية، لإنجاز مهمة  في طهران، تستهدف اختراق الرادارات وتعطيل الدفاعات الجوية الإيرانية لتشن الطائرات الإسرائيلية هجومًا على المفاعل النووي الإيراني.

عاد مسلسل "طهران" إلى الواجهة بعد (5) أعوام من العرض الأول نتيجة الهجوم الذي شنته إسرائیل لیلة الجمعة 13 حزیران (يونيو) الجاري على مواقع إیرانیة، نفذ الموساد من خلاله عملیات سرّیة عبر أنظمة متطورة وطائرات مسیّرة متفجرة، استهدفت تدمیر منصات صواریخ ومنشآت عسكریة، ممّا أدى إلى تدمیر دفاعات جویة، ومقتل قیادات بارزة وعلماء نوویین.

صناع العمل يرفضون وصفه بالوثائقي

دانا إيدن، مؤلفة ومنتجة مسلسل "طهران"، تقول: "يمكن القول إنّ الموسم الثالث وثيق الصلة بما يحدث الآن. فهو يتناول المفتشين النوويين، واختراق النظام النووي بهدف إبطال مفعول القنبلة، وأجهزة الطرد المركزي، واغتيال العلماء النوويين، وكل شيء موجود في الموسم الثالث من طهران". 

وترفض إيدن وصف المسلسل بأنّه واقعي أو يستند إلى وقائع حقيقية، وتوضح في تصريحات صحفية: "لا، إنّه مسلسل إثارة. إنّه مسلسل يهدف إلى أن يكون مثيرًا ومسليًا، وليس مسلسلًا وثائقيًا، وليس مسلسلًا مبنيًا على قصة حقيقية. إنّه مسلسل ممتع للغاية، يُثير انتباهك، وفقًا لجميع قواعد هذا النوع من أفلام الإثارة. لذا، الهدف هو أخذ الواقع وإضفاء لمسة درامية عليه تناسب هذا النوع، وتناسب الشخصيات، وتكون مثيرة للاهتمام وممتعة. في النهاية، وصفه الكثيرون في إسرائيل بأنّه سخيف. لكن في الخارج يقولون: "يا إلهي، هذا أصيلٌ جدًا". في الخارج، ينظرون إليه كما لو كان فيلمًا وثائقيًا".

يستعرض المسلسل جذور نحو (140) ألف إسرائيلي تعود إلى إيران.

الحديث عن مدى واقعية المسلسل تجيب عنه تصريحات صحفية لمصادر من المخابرات الإسرائيلية ذكرت أنّ الموساد نجح في تثبیت أنظمة مزودة بأسلحة دقیقة التوجيه داخل الأراضي الإیرانیة، مشیرةً إلى أنّها وضعت في مناطق مفتوحة قریبة من أنظمة صواریخ أرض-جو الإیرانیة.

وأكدت المصادر الإسرائيلية أنّ هذه الأنظمة تم تفعيلها بالتزامن مع بدء الهجوم الإسرائیلي، أي في اللحظة التي كانت فيها الصواریخ الدقیقة على وشك الإطلاق، كما نفذ الموساد عملیة أخرى سرّیة تم خلالها تركیب أنظمة هجومية وتقنیات متقدمة على مركبات بهدف تحیید قدرات الدفاع الجوي الإیرانیة، التي كانت تشكل تهديدًا للطائرات الإسرائیلیة.

وأضافت المصادر أنّ هذه الأنظمة تم تفعيلها في بدایة الهجوم، ممّا أسفر عن إطلاق أسلحة دمرت أهدافًا تابعة للدفاع الجوي الإیراني بشكل كامل. وبالتزامن، نفذ الموساد حملة ثالثة قبل العملیة الرئیسیة بوقت كافٍ، تم خلالها إنشاء "قاعدة للطائرات المسیّرة المتفجرة" داخل إیران. وخلال الضربة الإسرائیلیة تم تفعیل هذه الطائرات وإطلاقها باتجاه منصات إطلاق صواریخ أرض-أرض في قاعدة أسفاج آباد القریبة من طهران.

لا يمكن استبعاد دور الوحدة (8200)

الصحفي المصري محمد نعيم المتخصص في الشؤون الإسرائيلية يرى أنّه لا يمكن الفصل بين عمل إسرائيل العسكري والاستخباراتي، فتوفير المعلومات واللوجستيات يقود ناصية المعارك والحروب بمختلف اتساعاتها. وليس ثمة شك في استعانة آلة الحرب الإسرائيلية على مختلف الجبهات بالوحدة (8200)، وهي وحدة جمع معلومات، وتنصت، وإشارات، وفكّ شيفرة.

ويضيف محمد نعيم في تصريحات خاصة لـ (حفريات): "عند الحديث عن حروب إسرائيل على جبهات قطاع غزة، والجنوب اللبناني، وسوريا، وكذلك إيران، لا يمكن استبعاد دور الوحدة، فهي اللاعب الأهمّ عند تعبئة بنك أهداف عمليات الاستهداف والتصفية، والتمهيد للمعارك الميدانية بمفهومها الشامل. وتكلف قيادة أركان جيش الاحتلال قيادة الوحدة بابتكار أدوات غير تقليدية في إدارة الحروب". 

يضرب مسلسل "طهران" في جذور الهوية الإيرانية، ويروّج للخيانة تحت معاني المعارضة.

ويوضح محمد نعيم: "على سبيل المثال، كان للوحدة (8200) ضلوع في تصفية أمين عام حزب الله حسن نصر الله ودوائره المحيطة عبر أجهزة اتصالات "البيجر"، ولم تبتعد الوحدة عن تصفية رئيس المكتب السياسي إسماعيل هنية في طهران، بالإضافة إلى اغتيال قيادات أخرى بارزة في صفوف حماس؛ ولا يستبعد مراقبون اشتراكها مع دوائر استخباراتية إقليمية أو دولية في اغتيال الرئيس الإيراني السابق إبراهيم رئيسي. 

وقبيل الهجوم الإسرائيلي على إيران كانت الوحدة (8200) قد فرغت من جمع معلومات عن العمق الإيراني، وأعدت قوائم بقادة الحرس الثوري وأُسرهم ومقار إقامتهم؛ ولذلك شملت بداية الاستهداف شخصيات عسكرية وسياسية بارزة، فضلًا عن علماء نوويين. المفارقة هي عزوف عمليات إسرائيل العسكرية عن استهداف شخصيات دينية إيرانية، وهو ما يوضح رغبة تل أبيب في الحفاظ على التوترات المذهبية والدينية داخل وخارج إيران".

 كان للوحدة (8200) ضلوع في تصفية أمين عام حزب الله حسن نصر الله ودوائره المحيطة عبر أجهزة اتصالات "البيجر"، ولم تبتعد الوحدة عن تصفية رئيس المكتب السياسي إسماعيل هنية في طهران.

الوحدة (8200) التي يقودها ضابط (مجهول) برتبة عميد، تتبع في عملها شعبة استخبارات جيش الاحتلال المعروفة بـ "أمان". وتُعدّ الوحدة من أفضل الوحدات التكنولوجية على مستوى العالم، حسب تصنيف صحيفة (الجارديان) البريطانية، كما أنّها أكبر وحدات جيش الاحتلال، وفق ما كتبه الصحافي الإسرائيلي يوآف ليمور بصحيفة (يسرائيل هايوم).

الدراما وضرب أبجديات الصراع العربي الإسرائيلي

العمل الدرامي "طهران" لم يتوقف عند فكرة تفوق الاستخبارات الإسرائيلية وتصويرها بالشكل الخارق الذي لا يقهر، بل عمد إلى استعراض بعض الإيديولوجيات التي تشكّل التكوين الثقافي والهوية للدول التي تقف على الطرف الآخر من إسرائيل؛ فالتشكيك في مسألة الهوية وجد طريقه بقوة في المسلسل خلال التعرض إلى مجموعات من الشباب الإيراني المعارض والرافض للديكتاتورية الإيرانية بحسب وصف المسلسل، بيد أنّ هؤلاء الشباب يظهرون وهم ساخطون على فكرة الانتماء إلى الدولة الإيرانية، ممّا دفع بعضهم للعمل مع الموساد دون تردد بحجة أنّ حكومة إسرائيل تهتم بأمرهم وتسعى لإنقاذ إيران من الحكم الديني. 

مسألة الاستعانة بعملاء إيرانيين يرون في التعاون مع الموساد فكرة وطنية ظهرت بشكل واضح في المواسم الثلاثة من المسلسل؛ فهم لا يعملون مع الموساد طمعًا في المال؛ بل يقدمون أرواحهم في سبيل مساعدة الموساد من أجل إزاحة نظام الخميني الذي دمّر إيران بحسب رؤية صناع العمل!

مسلسل "طهران"، وإن ظهر أنّه عمل مخابراتي قائم على الإثارة والتشويق، فهو في الأساس عمل يضرب في جذور الهوية الإيرانية ويروج للخيانة تحت معاني المعارضة والولاء للدولة ضد نظام الملالي. رؤية تصل إلى قمتها في نهاية الموسم الثالث مع هروب زوجة ضابط الاستخبارات الكبير في الحرس الثوري "كمالي"، واستعانتها بالموساد الذي تعاطف مع قضيتها الجندرية ضد الرجل الإيراني الذي لا يحترم رغبتها في عيش حياة أكثر هدوءًا بعيدًا عن انغماس زوجها في مخاطر الصراع العربي الإسرائيلي.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية