"حراس الليل": هل ينجح أردوغان في محاكاة الحرس الثوري الإيراني في تركيا؟

"حراس الليل": هل ينجح أردوغان في محاكاة الحرس الثوري الإيراني في تركيا؟

مشاهدة

14/06/2020

يسعى الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، منذ وصوله إلى سدة الحكم العام 2003، إلى إحداث تغييرات راديكالية في بنية النسيج الوطني لبلاده، فتركيا التي بذلت ثمناً باهظاً في سبيل حصولها على مجتمع مدني، ها هي اليوم تخطو مع حزب العدالة والتنمية الإسلامي الحاكم خطوات نحو تبني أفكار ورؤى ماضوية شديدة الخطورة.

يسعى أردوغان منذ وصوله الى سدة الحكم إلى إحداث تغييرات راديكالية في بنية النسيج الوطني لبلاده

ومن تلك الخطوات تعديل أهداف فرقة "حراس الليل" الذين يوصفون بـ"حراس الأحياء والأسواق الشعبية"، من فرقة تساعد العاملين في الداخلية على ضبط النظام في الأحياء والأسواق بدوريات ليلية للإبلاغ عن سرقات وحالات إخلال بالنظام العام، إلى ميليشيا مسلحة لها حق إطلاق النار وتوقيف المواطنين والتحقق من هويتهم.
ومؤخراً قام البرلمان التركي، بسنّ مشروع قانون يمنحهم نفس الصلاحيات التي يتمتع بها رجال الشرطة، وأصبح بإمكان هؤلاء الحراس، الذين يبلغ عددهم حالياً 28 ألف شخص، حيازة واستخدام الأسلحة النارية في حال "الضرورة"، واعتراض المواطنين للتدقيق في هوياتهم أو تفتيشهم، ومن المنتظر أن يرتفع عددهم إلى 200 ألف بعد القانون الجديد، الأمر الذي أثار غضب المعارضة التي رفضت القانون، واحتدت النقاشات، ولم يتحمل أعضاء الحزب الحاكم رفض المعارضة للقانون المشبوه فاشتبكوا معهم بالأيدي؛ إذ تعرض أوزجور أوزال، نائب رئيس الكتلة البرلمانية لحزب الشعب الجمهوري، لهجوم باللكمات في جلسة البرلمان، الثلاثاء الماضي، على يد نواب من حزب الحركة القومية وحزب العدالة والتنمية.

اشتباكات في البرلمان التركي على إثر تمرير قانون "حراس الليل"

وحول خطورة هذه الخطوة على المجتمع التركي قال الباحث في الشؤون الدولية، مصطفى صلاح إنّ "ثمة مؤشرات خطيرة على المجتمع التركي بعد إقرار البرلمان التركي لصلاحيات لما يُسمى "حراس الأحياء"؛ تلك الفرقة التي تم إنشاؤها قبل قرن من الزمان، والتي ترتبط بصورة مباشرة بوزارة الداخلية التركية، التي قام حزب العدالة والتنمية بإلغائها العام 2007".

سنّ البرلمان التركي مشروع قانون يمنح "حراس الأحياء" الموالي أغلبهم لأردوغان نفس صلاحيات رجال الشرطة

وأشار صلاح، في حديثه لـ"حفريات"، إلى أنّ أردوغان قام بإعادة تلك الفرق عقب حادثة الانقلاب العسكري الفاشل في العام ٢٠١٦، "فقد ارتفعت مخاوفه من عدم ولاء مؤسسات الدولة الرسمية له مثل الجيش والشرطة، فقرر إضفاء السمة القانونية على فرق شبابية وتحويلها إلى مؤسسات قانونية رسمية، مع التأكيد على تربية هؤلاء الشباب على الولاء التام له، لزيادة قبضته الأمنية الداخلية في مواجهة الأحزاب السياسية المعارضة وقمع أي حراك شعبي داخلي قد يتعرض له". وأضاف: أعداد هذه الفرق زادت من 8 آلاف عندما تم إلغاؤها إلى 28 ألفاً اليوم، متوقعاً أن تزداد هذه الأعداد مستقبلاً.
وأكد صلاح أنّ "أي نظام سياسي يتجه إلى الاعتماد على جماعات أو ميليشيات مسلحة فيه دليل على تراجع العملية الديموقراطية، فالأنظمة الشمولية هي التي تلجأ إلى هذه الأنواع من الجماعات".

اقرأ أيضاً: المعارضة التركية: أردوغان يستبدل الشرطة بميليشيا مسلحة
ومن ناحية أخرى يلفت صلاح؛ إلى أنّه "يجب ألاّ ننسى أنّ حزب العدالة والتنمية الحاكم ما هو إلا امتداد فكري لجماعة الإخوان المسلمين، وفكرة وجود ميليشيات مسلحة تابعة للحاكم، أمر واقعي في فكرهم الحركي، ومن ثم فإنّ هذا الأمر له جذور فكرية قبل أن تفرضه ضروريات حماية أردوغان لنظامه القمعي".

 

 

من جهته، قال الأستاذ الباحث في العلاقات الدولية والمتخصص في الشأن التركي، محمد ربيع الديهي، إنّ "سعي النظام التركي منذ محاولة الانقلاب في العام 2016 إلى إحكام سيطرته على كافة مجريات الحياة في تركيا واضح للجميع"، منوهاً في حديثه لـ"حفريات" إلى أنّ "تكميم الأفواه وسجن كل من له موقف معارض لسياسات أردوغان، أصبح هو سمة الحكم في تركيا مع حزب العدالة والتنمية".
وأضاف أنّه "لهذا تراجعت شعبية أردوغان وحزبة بصورة كبيرة، الذي يحاول البقاء في الحكم أطول فترة ممكنة عبر تمرير عدة قوانين تهدف إلى إعاقة الحياة السياسية في البلاد، منها قوانين متعلقة بنظام الانتخابات في أنقرة، إضافة إلى قوانين متعلقة بتنظيم الحياة الحزبية في تركيا".

 

 

"حراس الأحياء" لهم حق توقيف المواطنين والتحقق من هويتهم وإطلاق النار عند "الضرورة"

ورأى الديهي أنّ "أخطر هذه القوانين تعديل قانون حراس الأحياء، وإكسابهم المزيد من الصلاحيات مثل حق إطلاق النار، هذا التعديل فسّر على أنّه بداية لتحويل تلك الفرق إلى ميليشيا مسلحة لحماية أردوغان وتصفية المعارضين بصورة تبدو قانونية".
وأوضح الديهي أنّ "حراس الأحياء أغلبهم يدينون بالولاء لشخص أردوغان، ويمكن تشبيه هذه القوات على أنها محاكاة للتنظيم الإيراني الباسيج الذي أنشئ بهدف حماية النظام الإيراني الوليد في الثمانينيات"، مستدركاً أنّ "المحاكاة التركية لن تنجح، فظروف المجتمع مختلفة تماماً عما كان عليه المجتمع الإيراني من قبل، إضافة لوجود معارضة تركية يقظة ورأي عام بالشارع يرفض مثل هذه السياسات التي ترسخ لحكم ديكتاتوري مغلف بالروح الديمقراطية".

 

 

ويؤكد الديهي أنّه في نهاية الأمر "لن يستطيع أردوغان عسكرة المجتمع التركي أو الضغط عليه أكثر من ذلك؛ لأنّ أحدث تقرير لاستطلاعات الرأي يؤكد تراجع شعبيته إلى ما دون 29%،  وممن المحتمل أنّ يتصاعد رد فعل الشعب على مثل هذه السياسات "الشمولية" إذا استمر أردوغان وميليشياته في تضييق الخناق عليه".

 

 

الديهي: التاريخ مليء بمثل هذه المنظمات التي أنشأها ديكتاتوريون أشد من أردوغان كانت إيذاناً بنهاية أصحابها

وحول مصير "حراس الليل" كمنظمة مسلحة، رأى الديهي أنّ التاريخ مليء بمثل هذه المنظمات التي أنشأها ديكتاتوريون أشد من أردوغان، "فقد قام أدولف هتلر بعمل منظمة "شبيبة هتلر" بهدف حماية وبقاء شخص واحد في الحكم، لكن أثبت التاريخ أنّ تلك الميليشيات لم يطل بقاؤها، بل كانت إيذاناً بنهاية مُنشئيها، وهو ما يبدو أنّه يتكرر في الحالة التركية كما يشير إلى ذلك تزايد الدعوة لانتخابات برلمانية جديدة في أنقرة قبل موعدها المقرر في 2023.
وفي هذا السياق، أعلن النائب حقي سرحان أولوش من حزب الشعب الديموقراطي، في تصريح له لصحيفة "العرب" اللندنية، أنّ "تعزيز فرقة حراس الأحياء وتغيير دورهم بهذا الشكل سيزيد من الضغط على المجتمع، ويضعف دولة القانون بشكل أكبر"، كما أعرب ماهر بولات النائب عن حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، عن "تخوفه من قيام أردوغان باستخدام مؤسسة حراس الأحياء لإنشاء ميليشيا مسلحة"، معتبراً أنّ "المشكلة المرتبطة بالأمن في تركيا، ينبغي حلها عبر تعزيز الشرطة والدرك".

اقرأ أيضاً: "فايننشال تايمز": 7 أسباب تجعل أردوغان ضعيفاً
وانتقد رئيس حزب الشعب الجمهوري، كمال كليتشدار أوغلو، ما وقع في البرلمان من اعتداءات من جانب نواب الحركة القومية وحزب العدالة والتنمية الحاكم، قائلاً: "دخلنا مرحلة أصبح الفرد فيها لا يتقبل الديمقراطية وعاجزاً عن إبداء وجهة نظره أمام الانتقادات الموجهة إليه".

 

 

ولم تقتصر مخاوف تحويل "حراس الأحياء" إلى ميليشيا مسلحة على نواب المعارضة بل هناك مؤشرات أنّ الرأي العام الأوروبي أصبح يخشى من عسكرة تركيا، وهو ما عبّرت عنه صحيفة "لاريبوبليكا" الإيطالية بقولها إنّ "موافقة البرلمان التركي على قانون حراس الأحياء والأسواق الشعبية" هو بداية لإقامة قوة أمنية موازية لحماية نظام الرئيس رجب طيب أردوغان".
ونشرت الصحيفة حسب موقع  londontodays تقريراً، تحت عنوان "حراس أردوغان.. شرطة موازية ستحمي النظام"، أشارت فيه إلى مصادرة دور الشرطة من خلال تصريح أردوغان، الذي قال فيه: "أريد سماع صافرة الحارس في الشارع وأنا نائم، أريد أن أسمع أنه عندما ينام مواطننا في المنزل، فإنّ هناك شخصاً ينتظره في الشارع، وأنّ أمنه وسلامته في أيد أمينة".
وأضافت: "هكذا قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ووزير داخليته سليمان صويلو.. وتركيا تحول كل همسات القادة إلى قوانين.. هؤلاء الحراس هم نوع من قوى الشرطة الموازية، فأولئك الذين يخافون من تحول الحراس إلى ميليشيا شخصية للزعيم أردوغان، ليسوا قليلين".

 

 

الصفحة الرئيسية