أنيس كانتر: رياضي وقف في وجه أردوغان فاتّهمه بالإرهاب

 أنيس كانتر: رياضي وقف في وجه أردوغان فاتّهمه بالإرهاب
6222
عدد القراءات

2019-01-28

ترجمة: محمد الدخاخني


مخافة الانتقام منه وتعرّضه لاغتيالٍ مُحتمل جرّاء حديثه المُعارض للرّئيس التركي، رجب طيب أردوغان، لم يسافر أنيس كانتر، لاعب خط الوسط بفريق نيويورك نيكس لكرة السلة، للمشاركة في مباراة تجري في لندن يوم الخميس.

وجّهت السّلطات التركية إلى والد كانتر تهمة الانتماء إلى جماعة إرهابية!

وكانت صحيفة "صباح" التركية اليومية قد ذكرت، يوم الأربعاء الماضي؛ أنّ المدّعين الأتراك يسعون للحصول على مذكرة توقيف، وطلب تسليم بحقّ كانتر، لقيامه زعماً بتقديم دعمٍ ماليّ إلى فتح الله غولن، وسبق لكانتر أيضاً أن نعت أردوغان بـ "هتلر قرننا هذا"، عام 2017.
ويقول نظام أردوغان؛ إنّ رجل الدّين المنفيّ، غولن، هو المسؤول عن الانقلاب الفاشل الّذي وقع عام 2016، وكان النّظام قد شنّ حملة قمعية واسعة النّطاق في الدّاخل والخارج في أعقاب محاولة الانقلاب.
وبينما سافر زملاؤه من اللاعبين إلى لندن، ذهب كانتر إلى واشنطن للاجتماع بأعضاء من الكونغرس، بما في ذلك السّناتور ماركو روبيو (عن فلوريدا)، والنّائب آدم شيف (عن كاليفورنيا)، بغية جلب انتباه أكبر إلى وضعه (السياسي).
كما قام بكتابة مقالة افتتاحيّة في "واشنطن بوست"، بعنوان "كلّ من يتحدّث ضدّ أردوغان يكون مستهدفاً.. وهذا يشملني".

اقرأ أيضاً: هل وصل هوس "العثمنة الجديدة" إلى كوسوفو؟

 فتح الله غولن
وكتب كانتر، يوم الأربعاء الماضي، عبر حسابه على تويتر: "لم يسبق لي حتّى أن أوقفت سيّارتي بشكل خاطئ يعرّضني لدفع الغرامة في الولايات المتحدة"، و"الشّيء الوحيد الذّي أرهبه هو السلة"، مع مقطع له وهو يرمي بالكرة في السلة.

اقرأ أيضاً: كيف أسقطت تركيا نفسها في الهاوية؟
وقال كانتر، في مقابلة الأسبوع الماضي، مع "ناو ذيس نيوز": "إنّني أمتلك صوتاً قويّاً للغاية لأنّني ألعب في الرّابطة الوطنيّة لكرة السلة، وكلّما قلت شيئاً يُصبح موضع نقاش، يذيع بين الناس، فلماذا لا أستخدم تلك القوّة في سبب وجيه، لماذا لا أستخدمها لمساعدة الناس؟".
وفي حزيران (يونيو) الماضي، وفق وكالة الأنباء الرّسميّة التّركية "الأناضول"، وجّهت السّلطات التركية إلى والد كانتر تهمة "الانتماء إلى جماعة إرهابية".

كانتر يحثّ ترامب على التحدث عن انتهاكات أردوغان

دعا كانتر الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إلى أن يكون أكثر صراحة بشأن وضع حقوق الإنسان في تركيا.
وقال كانتر لـ "رويترز"، في نيويورك سيتي، الأربعاء الماضي: "ما أشعر به أنّ ترامب بالتّأكيد ينبغي أن يتحدّث عن هذه القضايا المتعلقة بما يجري في تركيا؛ لأنّه ثمّة الكثير من التقارير التي تدور حول خطف أشخاص، وتعرّضهم للتّعذيب في السجن والقتل".

اقرأ أيضاً: طريق البلقان الجديدة..الهجرة بوصفها قطعة من الجحيم
ويصف كانتر نفسه بأنّه حليف وثيق للواعظ الإسلامي المقيم في الولايات المتحدة، فتح الله غولن، والمطلوب في تركيا للاشتباه في قيامه بتدبير انقلاب فاشل في عام 2016، وينفي غولن، وهو حليف سابق لأردوغان، هذا الاتّهام.
هذا، وقد سجنت السلطات في تركيا حوالي 77,000 شخص، قيد المحاكمة، منذ محاولة الانقلاب، في حين تمّ توقيف أو فصل 150,000 موظف حكومي، بما اشتمل على معلمين وقضاة وجنود، في حملة قمع ضدّ من يزعم أنّهم من مؤيدي غولن.

يميل أردوغان إلى وضع نفسه إلى جانب نجوم الرياضة الأتراك في الخارج

"الإمام بكنباور" وحبّه للرياضة

يميل أردوغان إلى وضع نفسه إلى جانب نجوم الرياضة الأتراك في الخارج، أو الظّهور معهم متى أمكن ذلك، وأحد أبرز الأمثلة على ذلك ما جرى قبل كأس العالم، العام الماضي، عندما تقدّم نجمان ألمانيان من أصل تركيّ، مسعود أوزيل وإلكاي غوندوغان، لأخذ صور مع أردوغان في لندن.

اقرأ أيضاً: هل يستغل حزب أردوغان الدين في معركته الانتخابية؟
وقد تسبّب الصخب الناتج عن الصور، والطريقة التي تعاطَت بها سلطات كرة القدم الألمانية مع الأمر، في ترك مسعود أوزيل للفريق الوطني الألماني.
ويدّعي أردوغان، الذي كان يلعب كرة القدم في شبابه، أنّ زملاءه السابقين أطلقوا عليه لقب "الإمام بكنباور" (في إشارة إلى أسطورة الكرة الألمانية فرانز بكنباور)، كما كان لأردوغان دور أساسيّ في الاستثمار الهائل في ملاعب كرة القدم، وأشكال أخرى من البنية التحتية الرياضية في تركيا.


المصدر: دويتشه فيله

اقرأ المزيد...
الوسوم:



هل ينجو النظام الإيراني من صدمة فيروس كورونا؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2020-03-29

ترجمة: مدني قصري


يُدين الشعب الإيراني؛ الإدارة الكارثية لوباء كورونا من قبل الجمهورية الإسلامية، التي تحاول الهروب من هذا السخط من خلال إعادة إطلاق تصعيدها ضد الولايات المتحدة في العراق.

اقرأ أيضاً: مسؤول إيراني يكشف معلومات خطيرة حول انتشار كورونا في بلاده
فقد أصبحت إيران، رسمياً؛ ثالث أكثر الدول إصابة بفيروس كورونا بعد الصين وإيطاليا، مع وجود 1556 حالة وفاة، و20610 حالات إصابة حتى 21 آذار (مارس) الجاري، لكنّ الواقع أكثر كارثية، بسبب كذبة الدولة التي "حاصرت" الوباء منذ فترة طويلة؛ إذ أرادت الجمهورية الإسلامية بالفعل إخفاء إدارتها الكارثية للأزمة، حتى لو كان ذلك بتحويل الطاقم الطبي، في غياب أي إجراء وقائي، إلى ناقلين رئيسيين لانتشار الفيروس، وقد تمسك آية الله في السلطة عبر خرافة الحصانة الإلهية الممنوحة لمراكز الحج الشيعية، التي ظلّت مفتوحة حتى الأيام الأخيرة، لتتحول إلى بؤر تلوث هائلة، وبالتالي فإنّ الشرعية السياسية والدينية للنظام هي التي تأثرت، وربما بشكل لا رجعة فيه.

عمى المتعصبين
لدى إيران أكبر عدد من الشيعة في العالم، لكنّ مدينتي النجف وكربلاء المقدستين، تقعان في العراق، ومن هنا تأتي الأهمية الكبرى التي توليها الجمهورية الإسلامية لموقعي قُم ومشهد، وقد تم تشييد هذا الأخير في شرق البلاد حول ضريح الإمام رضا؛ الثامن في رتبة التقوى الشيعية، والذي دُفن هناك عام 817، أمّا قُم؛ فيقع على بعد 150 كيلومتراً جنوب طهران، ورغم أنّه لا يؤوي سوى قبر فاطمة شقيقة رضا، إلا أنّه أصبح ضرورياً ومُهِمّاً للغاية بالنسبة للنظام، فهو في الواقع، يُقدّم تعليمه الديني لأكثر من 40 ألف طالب، بالإضافة إلى نسبة عالية من الأجانب، في منافسة مباشرة لندوات النجف.

دفعت الزيادة الهائلة في عدد الضحايا؛ السلطات الإيرانية إلى تقديم موعد عطلات رأس السنة الجديدة وإغلاق موقعي قم ومشهد

وقد اعترفت السلطات بأول حالتي فيروس كورونا في إيران في مدينة قم، يوم 19 شباط (فبراير) الماضي، وأعلنت بعد بضع ساعات وفاة المصابين، لكن، يخشى أن يكون الوباء قد انتشر في المدينة قبل ذلك بكثير، حيث يقيم 700 من "الإكليريكيين" الصينيين، فضلاً عن 2.5 مليون سائح يستقبلهم الموقع كل عام، بما في ذلك الشيعة الذين يمثلون 10 بالمئة من أصل 20 مليون مسلم صيني.
وظلت دعاية النظام منذ فترة طويلة تعزو فيروس كورونا إلى "مؤامرة العدو" الأمريكي والإسرائيلي، وهي المؤامرة التي ادّعى النظام الإيراني أنّ هالة رضا وفاطمة ستحمي الجمهورية الإسلامية منها. وفي الوقت الذي علقت فيه المملكة العربية السعودية الحج إلى مكة والمدينة المنورة إلى أجل غير مسمى في 27 شباط (فبراير) الماضي؛ اكتفت إيران بتعقيم موقع مشهد وروّجت له إعلامياً على نطاق واسع.

اقرأ أيضاً: إيران وكورونا… وسلطة رجل الدين
إنّ الزيادة الهائلة في عدد الضحايا المعترف بهم؛ دفعت السلطات إلى تقديم موعد عطلات رأس السنة الإيرانية الجديدة أسبوعين، في 5 آذار (مارس) الجاري، ثم إغلاق موقعي قم ومشهد في 16 آذار (مارس) الجاري، وقد تمّت محاربة هذا القرار في نفس المساء من قبل المتظاهرين المتعصبين الذين وصلوا إلى الموقع بالقوة وتجمعوا فيه، وقاموا بتقبيل الأضرحة.

ثقب إيران الأسود
لم تبلغ الفجوة بين النظام ومزايدات متطرفيه من جهة، وبين السكان الساخطين بسبب إفلاس حكامهم من جهة أخرى؛ العمق السحيق الذي بلغته الآن، ويأتي هذا السخط الشعبي في سياق القمع الدموي للاحتجاجات في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، يليه تدمير الحرس الثوري لطائرة أوكرانية كان معظم ركابها إيرانيين في كانون الثاني (يناير) الماضي، حيث وصل الغضب العميق الذي تغذيه هاتان المآساتان بالفعل، إلى مستويات لا مثيل لها في مواجهة نظام متّهم بالعمى الإجرامي، على خلفية من الفساد المستوطن (موقعا قم ومشهد يؤويان مؤسسات كبيرة تابعة للنخبة الحاكمة). لذا؛ يميل خامنئي وأتباعه للهروب إلى الأمام قبل التصعيد الجديد مع الولايات المتحدة في العراق؛ لأنّ القضاء على سليماني في بداية العام مكّنهم من استعادة وحدة وطنية مذهلة، إلا أنّها مؤقتة.

في الوقت الذي علّقت فيه السعودية الحج إلى مكة والمدينة المنورة؛ اكتفت إيران بتعقيم موقع مشهد والترويج له إعلامياً

استأنفت الجمهورية الإسلامية، التي خرجت منتصرة من دورة مواجهتها السابقة مع الولايات المتحدة في العراق، أنشطتها العدائية في 11 آذار (مارس) الجاري؛ حيث قُتل أمريكيان وبريطاني في هجوم صاروخي على قاعدة عسكرية شمال بغداد، كما أسفرت الغارات التي شنتها واشنطن انتقاماً من الميليشيات الموالية لإيران، عن مقتل 6 عراقيين، على الأقل، بينهم 3 جنود وضابِط شرطة، مؤكدة الدعوات لانسحاب ما يقرب من الـ 5 آلاف جندي أمريكي ما زالوا موجودين في البلاد.

اقرأ أيضاً: إيران ترفض استقبال فريق "أطباء بلا حدود" والمنظمة تردّ
وقد فشلت طهران في جرّ الولايات المتحدة إلى دوامة دائمة، رغم طبيعة ضربة 11 آذار (مارس) القاتلة، والتي أعقبها إطلاق نار آخر على أهداف أمريكية؛ إذ فضّل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، المُصمّم على التوقّف عن الانخراط في الشرق الأوسط، الانتقام بتشديد العقوبات على إيران. وعلى الرغم من دعاية الجمهورية الإسلامية بأنّ هذه العقوبات هي السبب الرئيسي لضعف إيران أمام فيروس كورونا، إلّا أنّ هذه المناورة لم تعد كافية لاسترضاء وإخماد الانتقادات الشديدة من قبل السكان، إذ إنّ صدمة فيروس كورونا شديدة بالفعل على الجمهورية الإسلامية، ولن يظهر تأثيرها الكامل إلّا بعد التغلّب على الوباء، وحينها قد تكون لحظة الحقيقة رهيبة على النظام الإيراني.


مصدر الترجمة عن الفرنسية:
https://www.lemonde.fr/blog/filiu/2020/03/22/le-regime-iranien-survivra-...

للمشاركة:

كيف قضى أردوغان على حلم خلافته للمسلمين بيديه؟

2020-03-28

ترجمة: علي نوار


يمرّ الرئيس التركي بأوقات عصيبة هذه الأيام، فقد قضى السوريون والروس على أطماعه في زعامة العالم الإسلامي، وبات رئيساً للجمهورية التركية فقط لا أكثر، كما أصبح أضعف من أي وقت مضى في الداخل التركي أيضاً، لكنّه لن يخوض أي انتخابات حتى عام 2023، ونظراً للديمقراطية المنقوصة التي يمارسها في بلاده، فلن يكون من المستغرب رؤيته في السلطة لأعوام أخرى كثيرة، إلا أنّ طموحه لأن يكون خليفة مات ودفن بالفعل بلا رجعة.

روّج أردوغان في تركيا؛ مغامرته العسكرية الأخيرة على الأراضي السورية على أنّها حملة لوقف تدفّق اللاجئين السوريين إلى الأراضي التركية

روّج أردوغان في الداخل مغامرته العسكرية الأخيرة على الأراضي السورية على أنّها حملة لوقف تدفّق اللاجئين إلى تركيا، إلّا أنّ هذا الأمر غير منطقي لسبب بسيط؛ كيف يمكن أن يسهم إذكاء حدة النزاع في تحسين وضع اللاجئين؟ بل على العكس تماماً سيؤدّي ذلك لإقناع عدد أكبر من اللاجئين بأنّ الوقت لم يحن بعد للعودة إلى الديار.
ومن الواضح للغاية؛ أنّ أردوغان لم يشنّ حملته العسكرية ضد الجيش السوري في إدلب من أجل ناخبيه الأتراك، بل للحصول على رضا أطراف خارجية، فقد دأب أردوغان طيلة 15 عاماً على ارتداء ثوب الخليفة غير الرسمي للعالم الإسلامي، لكنّ النهاية جاءت بالفعل.
يمتاز العالم الإسلامي بتنوّع سياسي وثقافي هائل، لكن هناك نوع من روح التضامن الإسلامي، ويوجد دائماً توق لقائد مسلم قوي من أجل الدفاع عن قضايا المسلمين، ولا يبدو أنّ أردوغان "العثماني الجديد" قادر على أنّ يكون هذا القائد بالنسبة للمسلمين حول العالم.

أردوغان يريد أن يكون خليفة المسلمين.. هل هي حقيقة؟
يحدث ترويج مغلوط لاتهام الرجل بأنّه يريد ضم أجزاء من الأراضي السورية إلى تركيا، لكن هذا ليس طموح أردوغان الحقيقي، فمن جهة، هو يحكم تركيا منذ ما يقارب الـ 15 عاماً وإنّ كان يريد ضم أجزاء صغيرة من سوريا لكان قد فعل، إلّا أنّ تطلّعات أردوغان هي "عثمانية جديدة"، لكن ليس عن طريق توسيع رقعة تركيا، بل عبر ارتقائه هو شخصياً لمرتبة القائد غير الرسمي للعالم الإسلامي مثل أسلافه من سلاطين القسطنطينية.

اقرأ أيضاً: أردوغان يوجه بوصلته نحو اليمن
وبدون حظوة إسلامية تفوق مثيلاتها لدى الآخرين "مثلما تتفوّق الولايات المتحدة بالضبط على باقي الدول الغربية"، تظلّ الساحة مفتوحة لتنافس الزعماء إذا كانوا يتطلّعون لذلك، فبوسع الجزائر ومصر المنافسة رغم ميلهما نحو الطابع العلماني للدولة، ما يعني أن ليس لديهما وقت للشاعرية الإسلامية الخاطئة، رغم أنّ مصر في عهد الرئيس السابق جمال عبد الناصر كانت لها تجربة قيادة أكثر واقعية للعالم العربي على أساس القومية العربية، كما تردّد اسم باكستان، التي وصل الإسلاميون لحكمها في عدة مناسبات، كي تقود المسلمين، إلّا أنّ انشغالها في الحرب مع الهند، فضلاً عن افتقارها للاستقرار الداخلي وعوامل القوة والموارد، حال دون ذلك.

لماذا سارت الرياح بما لا تشتهي سفن أردوغان؟
كان أوّل ما فعله أردوغان هو منح الأكراد حقوقهم فيما يخصّ لغتهم، وتحقيق الأمن في الداخل التركي، لكن زعيم العالم الإسلامي يتعيّن عليه الدفاع عن القضية الإسلامية، لذا أخذ أردوغان، على الأقل عبر الخُطب فقط، على عاتقه قضايا المسلمين الآخرين من غزة وحتى الشيشان وكشمير وميانمار، ونجح الرجل في ارتداء ثوب الضحية على نحو متقن للغاية، لم يتمكّن أسامة بن لادن حتى من مجاراته، ثم بدأ الرئيس التركي في محاولة إسقاط أنظمة أخرى، لذا أيّد ثورات الربيع العربي وساند جماعة الإخوان المسلمين في البلدان التي تنشط بها في محاولة لإيجاد أنظمة تدور في فلكه.

انتهت مرحلة الودّ بين أردوغان وبوتين بعد تبادلهما الاتهامات في السرّ وعلى الملأ، في سابقة هي الأولى من نوعها

وكان الجزء الأخير تحديداً هو بداية تعقيد الأمور على أردوغان، فبدلًا من وصول الإسلامويين للسلطة في ليبيا ومصر وسوريا تمهيداً لمنحه الزعامة وطلب المساعدة منه، انتهى به الأمر بعداء محموم مع القاهرة حيث أُبعدت الجماعة عن الحكم، أما سوريا وليبيا فلم تسر الأمور في اتجاه حشود إسلامية كما كان يأمل، بل مجموعات من المرتزقة والمتشدّدين الذين لا طائل منهم، والأكثر من ذلك أنّهم لجأوا إلى أيمن الظواهري زعيم تنظيم القاعدة.
وكأنّ الأمور تأبى أن تسوء أكثر من ذلك، وعوضاً عن استفادته من النأي بنفسه عن الحرب الباردة السعودية الإيرانية، والتعاون مع الإيرانيين وفي نفس الوقت الحصول على الدعم من السعوديين، بات أردوغان مكروهاً من الجانبين؛ حرب سياسية وأيدولوجية مع السعودية وخلاف أيديولوجي ومشاعر عداء مع إيران.

اقرأ أيضاً: لماذا يسعى حزب الإصلاح الإخواني لشق اليمن لصالح أردوغان؟
لم يكن تدخّل أردوغان في سوريا بهدف وقف تدفّق موجة اللاجئين، بل كان من أجل إنقاذ آخر ما تبقى من الثورة الإسلامية التي علّق عليها آمالاً عريضة يوماً ما، وبغرض عرقلة حصول الروس والإيرانيين في اللحظة الأخيرة عن الحصول على مكاسبهم، لكنه بدا بمظهر الأخرق عندما دخل ميدان المعركة ومني بالهزيمة، ولم يكتف بذلك بل ألحق أضراراً بنفسه ومقامه.

لم يسفر قصف مواقع حزب الله اللبناني والحرس الثوري الإيراني والمتطوعين الشيعة الباكستانيين عن تحقيق أي نتائج، على العكس تماماً، اكتساب العداء الأبدي والانتقام المحتمل من قبل التكتّل الذي تقوده إيران، وبالنسبة للكثير من المؤمنين بالوحدة الإسلامية أصبح الرئيس التركي ضمن زمرة الطائفيين الذين يعمّقون حالة الشقاق داخل الصفّ الإسلامي، وربما يعاني الشرق الأوسط بما فيه الكفاية من الاستقطاب الطائفي، لكن هناك مناطق أخرى يستعصي على أبنائها فهم هذا الصراع، مثل البوسنة وشمال أفريقيا وجنوب شرق آسيا، حيث لا وجود للشيعة، ومع توجيه أردوغان لقواته المسلمة لمهاجمة الجيش السوري المسلم وحزب الله المسلم أيضاً، لا يستوعب دعاة الوحدة الإسلامية الاقتتال بين المسلمين.

اقرأ أيضاً: هل تآمر أردوغان على شعبه لصالح "مشروع الإخوان"؟
ربما لو كان أردوغان نجح في تحقيق أي انتصار، كان ليفتح الطريق أمام مصالحة تكتيكية مع السعوديين وتأكيد موقفه على خط القتال مع إيران، لكن لا وجود للمنهزمين، ورغم أنّه لا يحظى بأي احترام في الغرب، لكن الرئيس التركي يحظى بـ"متابعة" عالمية قوية، وبوسعه زيارة أماكن بعيدة عن بلاده مثل البوسنة وباكستان، والحصول على استقبال حافل من أقلية تقدّسه من شعوب هذه البلدان، وتحبّه ربما أكثر من زعماء دولهم، إذ يرى هؤلاء أنّ أردوغان هو صلاح الدين هذا العصر الذي ينتظرونه، بيد أنّ هذا كله محض أوهام، ققد يكون قادراً على الاحتفاظ بحظوته لدى مُريديه لكنّه لم يعد قادراً على خداع المزيد من الأشخاص، إذ إنّ قراره بمهاجمة حزب الله والإيرانيين في نفس اليوم الذي فعلت فيه إسرائيل ذلك، ثم الذهاب إلى موسكو ليعترف بهزيمته في الميدان يظلّ أمراً لا يُغتفر.

التقارب مع روسيا.. الخطأ القاتل الذي لا يُغتفر
لم يكن التقارب التركي الروسي منذ البداية مطلقاً بل كانت تحكمه خطوط مقيّدة، وبدأ ذلك برسائل دافئة من موسكو إلى أنقرة لم يتلقّاها أردوغان من واشنطن بعد محاولة الانقلاب العسكري الفاشل في تموز (يوليو) 2016.
وكثمرة لعلاقة الودّ الجديدة، دشّن خط غاز لضخّ الغاز الطبيعي من روسيا إلى جنوب أوروبا دون المرور بأوكرانيا، كما ابتاعت تركيا من روسيا صواريخ الدفاع الجوي "إس400"، على حساب خروجها من مشروع تطوير مقاتلات متطورة مع الولايات المتحدة، طالما أنّ هذه التحرّكات تمكّن أنقرة من الوقوف في وجه واشنطن والتحرّك بأريحية أكبر في سوريا مقارنة بقدرتها على المناورة حينما كانت تحت مظلّة الغرب.

بات المواطنون الأتراك على دراية أكبر بحجم الخسائر التي يتكبّدها الجيش في عملية سوريا بشكل يضر مستقبل أردوغان السياسي

وتضمّنت العلاقة المزدهرة بين تركيا وروسيا عائدات غير مجزية رغم تقديم كل طرف لتنازلات، حيث تخلّى كل جانب عن أحد حلفائه، فقد تركت روسيا الأكراد بمفردهم، بينما هجرت تركيا السوريين في شرق حلب.
لكن هذه العلاقة كان محكوماً عليها منذ البداية بالانقضاء لسبب بسيط جداً، فمع كل نصر يحقّقه النظام السوري، كان عدد اللاجئين السوريين في إدلب يتصاعد، ويوجد أربعة مللايين شخص، على الأقل، اليوم عالقين في منطقة محدودة للغاية لا تتجاوز أربعة آلاف و171 كلم مربع، فرّ 900 ألف منهم نحو الحدود التركية، في أكبر موجة من اللاجئين مرة واحدة منذ بدء النزاع في سوريا.

أردوغان تحت الحصار
وبوجود 3.6 مليون لاجئ سوري في تركيا، ومعارضة كمالية ضاغطة بقوة وانتزعت بالفعل الحكم في مدن كبرى على رأسها إسطنبول وأنقرة في الانتخابات الأخيرة، وتعلن بلا مواراة عن عدائها للاجئين، إضافة إلى الانقسام الحاد الذي تشهده القاعدة المحافظة من حزب العدالة والتنمية، يشعر أردوغان بأنّ الخناق يضيق على عنقه.
ولم يكن بوسع أردوغان السماح للأسد وبوتين بالتسبّب في موجة كاسحة أخرى من اللاجئين السوريين نحو الحدود التركية، إذ كان يتعيّن عليه التحرّك، والحقيقة أنّ ما كان الأسد يفعله باللاجئين كان يتحوّل سريعاً إلى تهديد سياسي وجودي بالنسبة لأردوغان كرئيس.

اقرأ أيضاً: ما دلالات اغتيال مسؤول مرتزقة أردوغان في طرابلس؟
من ناحية أخرى، يجب التطرّق إلى عقلية أردوغان، فالرجل يفكّر كثيراً في دوره في تاريخ تركيا، وبنفس الطريقة يفكّر بوتين في دوره في التاريخ المسيحي الأرثوذكسي الروسي، وكذلك رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ودوره في التاريخ اليهودي.
ولا يعتقد أي من هؤلاء الرجال أنّ قيادته مؤقّتة وأنّه باق في منصبه بالإرادة الشعبية عبر الانتخابات، ويرى كل منهم نفسه كرجل اختاره القدر، ووضعه الله ليس فقط لتحقيق أهدافهم الشخصية، لكن تطلّعات دولهم.
نهاية المرحلة الوردية؟
كانت النتيجة هي نهاية مرحلة الودّ بين أردوغان وبوتين بعد تبادلهما الاتهامات على الملأ وفي السرّ، في سابقة هي الأولى من نوعها خاصة فيما يتعلّق بالحدّة في الحديث فيما بينهما، حيث كان هذا الأمر قاصراً بشكل عام على استعمال تلك اللهجة أثناء الحديث مع زعماء الدول الغربية.

اقرأ أيضاً: "مجموعة البجع": كيف خلق أردوغان دولة داخل الدولة؟
من المستحيل التكهّن بما إذا كان بوتين وأردوغان سينجحان في تحقيقه، ورسمياً، فإنّ سياسة موسكو بتجنّب نشوب النزاعات، تؤدّي إلى العكس تماماً في إدلب لا سيما وأن جبهات القتال في سوريا لا تزال مشتعلة ويبدو النزاع غير قابل للانتهاء قريباً حتى لو كان بوتين قد صرّح بأنّ "المهمة أنجزت"، كما أنّ روسيا وتركيا بوسعهما إلحاق الأذى ببعضهما البعض، وليس بالضرورة عبر توجيه الضربات بصورة مباشرة.

ورغم اصطدامه بعدد من الجيوش الأجنبية ضمن حملته في سوريا، لكنّ العملية تمثل كذلك فرصة سانحة لأردوغان خاصة إذا فاز في هذه الجولة حيث سيؤدّي ذلك لاكتساب تركيا ثقلاً كبيراً ليس فقط في مائدة التفاوض مع روسيا بل وفي المنطقة أيضاً. كما أنّ تصاعد النفوذ التركي سيغيّر من توازن القوى في العالم العربي السنّي الذي يواجه تزايد المدّ الإيراني في الأراضي العربية.

اقرأ أيضاً: أردوغان يتخبط وسط تناقضات سياسته الخارجية
إنّ أردوغان بصدد مقامرة خطرة مرتفعة الرهان، يحسب بوتين أيضاً بدقّة تكلفة "انتصاره" في سوريا، والتي ترتفع عاماً بعد عام في أراض ما زال إعادة إعمارها يحتاج لعقود طوال، مع الأخذ في الاعتبار أنّ القوة العسكرية الروسية في سوريا نجحت فقط عندما لم تكن ثمة قوة عسكرية أخرى حقيقية معارضة قادرة على إسقاط طائراتها، لكنّها موجودة الآن.
الداخل يثور ضد أردوغان
يشهد الداخل التركي حركات ومؤشرّات ذات أهمية بالغة، فالاشتباكات بين المعارضين والموالين للحكومة داخل البرلمان التركي تعبّر عن حالة التوتّر التي تسود المشهد السياسي، لا سيما بسبب التدخّل في سوريا عسكرياً.
ويدفع كل شيء، رغم الحظر المفروض على وسائل الإعلام وحبس الصحفيين ورؤساء الجرائد والإذاعات، للجزم بأن الإخفاق العسكري سيزيد من حالة الاستياء الشعبي، كما أنّ تراجع قطاع السياحة الذي لم يتعافَ بعد من الأزمة الأخيرة مع روسيا، والذي تجدّدت أزمته بسبب وباء كورونا، ستكون له آثار وخيمة على الأزمة الاقتصادية.

اقرأ أيضاً: هل يعاقب الغرب أردوغان؟
لا تستطيع الدعاية العسكرية التغطية على حقيقة الوضع في ميدان المعركة، وبات المواطنون الأتراك على دراية أكبر بحجم الخسائر التي يتكبّدها الجيش بسبب العملية في سوريا، بشكل يضع مستقبل أردوغان السياسي في مهبّ الريح رغم استناده إلى شركات كبرى تستفيد من الحرب في البلد العربي، لذا فإنّ سقوط أردوغان المحتمل قد يسهم في الكشف عن شبكة الفساد الضخمة التي تعمل منذ تسعة أعوام.

حلم السلطان يتهاوى
يقف أردوغان وحده الآن، فلا الولايات المتحدة ولا حلف الناتو سيتورّطان في حرب مباشرة مع روسيا، وبدلًا من سعي تركيا نحو حل سياسي للوضع مثل ذلك الذي قدّمه بوتين خلال مفاوضات أستانة، فضّلت تصعيد حدّة التوتر، ولم تتوان عن استغلال الأزمة الإنسانية لتحقيق أغراضها هي والحصول على مبالغ مالية هائلة من الاتحاد الأوروبي مقابل عدم السماح للاجئين بمحاولة الوصول لأراضيه.

اقرأ أيضاً: كيف نسج أردوغان "زواج المصلحة" بهدف استنزاف السعودية في اليمن؟
ربما كان أردوغان يطمح لقيادة العالم الإسلامي، لكنّه اختار الطريق الخاطئ وهو المواجهة، عوضاً عن الحوار، وتسبّبت سياسته الخارجية في وضعه بمواجهة كبرى الدول العربية، ومن منطلق رؤيته لنفسه كقائد "للإخوة الإسلامية"، عمل على تمويل ودعم جماعة الإخوان المسلمين خلال مرحلة الربيع العربي، وبالفعل نجحت الجماعة في الوصول لسدة الحكم في مصر.

لم ينجح أردوغان في إنشاء علاقة صداقة لا مع روسيا ولا مع إيران، ومن الجليّ تماماً أنّه يقود تركيا نحو العزلة الدولية

وتوجّه تركيا أنظارها الآن إلى ليبيا، على أنّ التدخل التركي في ليبيا لم يكن يستهدف تهدئة الأوضاع، بل أدّى لتدفّق اللاجئين من السواحل الليبية على أوروبا، ما جلب على رأسه وبال عداوة الغرب الذي هدّده أردوغان بإغراقه بمزيد من اللاجئين، الآلاف منهم.
أما الولايات المتحدة، فقد ضاقت ذرعاً بتركيا بعد شراء أردوغان لمنظومة "إس400" من روسيا، والاتفاق بين أنقرة وموسكو على بناء محطة نووية، والسماح بمد خطّ الغاز "جلف ستريم"، وجاءت ردة الفعل المتمثّلة في فرض عقوبات اقتصادية أدّت لتراجع قيمة الليرة التركية وازدياد الطين بلّة.

لم ينجح أردوغان في إنشاء علاقة صداقة لا مع روسيا ولا مع إيران، ومن الجليّ تماماً أنّه يقود تركيا نحو العزلة الدولية، وطالما أنّه لا يزال مفيداً بالنسبة لترامب، فسيحصل على الدعم العسكري من واشنطن، لكن حين تنتهي الأزمة الراهنة، فسيكون عديم الجدوى، وعلى الأرجح، لا يعي أردوغان أنّ سياسته تقود البلاد وتؤدّي به هو شخصياً إلى قمّة المنحدر نحو الهاوية.


مصادر الترجمة عن الإسبانية:
https://bit.ly/2w9syBb
https://bit.ly/2wZmLOY

للمشاركة:

ما الذي تفعله تركيا بالضبط في ليبيا؟

2020-03-26

ترجمة: علي نوار


في تشرين الثاني (نوفمبر) من العام ٢٠١٩، وقّعت كل من الحكومة التركية وحكومة الوفاق الوطني بقيادة فايز السراج، اتفاقيتين للتعاون أحدثتا حالة من الدهشة والاستياء في دول الجوار القريب، خاصة في كل من جمهورية قبرص واليونان وإسرائيل ومصر، التي تتنازع معهم أنقرة السيادة على الشطر الشرقي من البحر المتوسط. ويتعلّق الاتفاق الأول بهذه النقطة، بينما ينظّم الثاني، رغم انفصاله عن الأول لكن هناك بالقطع صلة بينهما، التعاون العسكري والدعم الذي ستقدمه تركيا، والذي لا يتضمّن حتى الآن نشر قوات مقاتلة.

اقرأ أيضاً: من يسعى إلى إشعال الحرب مجدداً في ليبيا؟

ويتجاوز الأثر الاستراتيجي لهذه الاتفاقات الحدود الجغرافية لليبيا وظهرت تبعاته في نطاق أوسع. وكما كان متوقعاً، لم يقف أحد موقف المتفرج، ورأت دول أخرى لها مصالح في ليبيا، مثل فرنسا وإيطاليا، نفسها مضطرة لاتخاذ موقف رافض للاتفاقيتين، وهو نفس الموقف الذي أظهره الاتحاد الأوروبي، بينما وصفت الولايات المتحدة ما حدث بأنّه "استفزازي". على الجانب الآخر بدت كل من روسيا والصين متحفّظتان في هذا الصدد، لتمنحا نفسيهما قدراً أكبر من حرية الحركة حيال هذا الملف وفقَا لما ستؤول إليه الأمور.

تُعتبر تركيا ضمن الدول التي تخطّط سياستها الخارجية بأكبر قدر من التروّي. لا يمكن الجزم بأنّ هذه الطريقة ناجحة على الدوام، لكنّها بالتأكيد ترتكز إلى أسس راسخة ولا تأتي تصرّفاتها من منطلق الارتجال. بالتالي ينبغي تحليل الحراك الخارجي التركي من هذا المنظور، بحيث يمكن استشفاف دوافع هذا التحرّك وتوقّع نتائجه الاستراتيجية على توازن القوى في المنطقة.

المصالح التركية في ليبيا: الأسباب

إنّ اهتمام تركيا بليبيا ليس بحديث. فقد كانت جزءاً من الإمبراطورية العثمانية، كما أنّها كانت أول تجربة قتالية يخوضها الشاب مصطفى كمال أثناء الحرب التي اندلعت على خلفية احتلال إيطاليا لليبيا عام ٢٠١١، وأسهم أداؤه البارز خلال معركة جاليبولي أثناء الحرب العالمية الأولى والتي حوّلته إلى بطل قومي.

من العوامل التي تتوافر في ليبيا وتمثّل بالنسبة لتركيا فرصاً سانحة لا ينبغي إهدارها تغلغل التأثير التركي في أفريقيا

ورغم أنّ العوامل العاطفية بالطبع لها أهميتها، إلّا أنّ السياسة الخارجية التركية الحالية ركّزت انتباهها على بلد أصبح اليوم ضمن تصنيف الدول الفاشلة بسبب التدخّلات الخارجية بنسبة كبيرة. لكن ما سرّ هذا الاهتمام الواضح؟ يمكن بكل يسر رصد أربعة عوامل على الأقل تتوافر في ليبيا وتمثّل بالنسبة لتركيا فرصاً سانحة لا ينبغي إهدارها: ١) تغلغل التأثير التركي في أفريقيا، ٢) وضع اليد على موارد الطاقة الليبية، ٣) تقويض دور مصر الإقليمي، ٤) ترسيم حدود السيادة في شرق البحر المتوسط. ويرتبط أول عنصرين مباشرة بسياسة التوسع في أفريقيا التي بدأت الحكومة التركية في اتباعها منذ منتصف العقد المنصرم. أمّا العاملان الآخران فلهما أهداف أبعد وربما يكونان الدافع وراء توقيع تلك الاتفاقيات المذكورة، نتيجة لأنّ هذين العاملين من شأنهما دفع تركيا لبذل كل ما بوسعها من أجل تحقيقهما.

النفوذ في القارة الأفريقية

سمحت الطفرة الاقتصادية التي عرفتها تركيا بعد وصول حزب العدالة والتنمية للسلطة للحكومة التركية بأن تتطلّع لتوسيع نطاق علاقاتها التجارية على المستوى العالمي، مصحوبة بسياسة خارجية تركّز على استعادة دور القوة الإقليمية ذات الرؤى العالمية والذي لطالما اعتبرت على مدار التاريخ أنّ بلاد الأناضول جديرة به. ونظراً لاعتبار الكثيرين أفريقيا قارة المستقبل، فقد وضعت القارة السمراء ضمن الأهداف التي تسعى أنقرة لتحقيقها على النحو الأمثل.

اقرأ أيضاً: في ظل تفشي كورونا.. تركيا تُغرق ليبيا بالسلاح بدلاً من المعدات الطبية!

بيد أنّ حدثين جللين شهدتها دول ذات تاريخ عثماني عام ٢٠١١، فتّحا أعين القيادة التركية على فرصة ثمينة لإضفاء لمسة "تجديد" على السياسة الخارجية تجاه أفريقيا وتصدير صورة إلى بلدانها بأنّ تركيا دولة تحترم التزاماتها وتمتلك القدرة على تقديم حلول حقيقية لأزمات وهما المجاعة التي ضربت الصومال والثورة في ليبيا التي انتقلت رياحها إليها من دول الجوار التي مرّت هي الأخرى بما يسمّى "الربيع العربي". وفي الحالة الأولى أسهمت تركيا بصورة كبيرة في المساعدات الإنسانية والتي أرست أسس تعاون أوسع بكثير كانت نتيجته مكانة مرموقة لأنقرة في جميع أرجاء القارة الأفريقية مع مرور الوقت. لذا تُعدّ الصومال بالنسبة لتركيا قصة نجاح ودليل على أنّ النموذج التركي في التعاون هو بديل لنماذج أخرى سواء الصيني أو الروسي أو الغربي.

اقرأ أيضاً: المتحدث باسم الجيش الليبي يكشف عدد المرتزقة السوريين والأتراك في ليبيا

فيما لم تكن التبعات في الحالة الثانية إيجابية بالدرجة المنشودة. فمنذ اللحظة الأولى تعاملت تركيا مع المجلس الوطني الانتقالي بوصفه "الممثّل الوحيد للشعب الليبي" وكانت أول دولة توفد سفيراً إلى طرابلس بعد سيطرة المجلس على المدينة، إضافة إلى دعمها المستمر والقوي لحكومة الوفاق الوطني التي تمخّض عنها الاتفاق السياسي من أجل ليبيا المُبرم في كانون الأول (ديسمبر) من العام ٢٠١٥. ولكي تعزّز وضعها كدولة تتصرّف من منطلق الإيثار وتخلّصت من أحمال ماضيها الاستعماري، تنفّذ تركيا منذ ٢٠٢٥ عدّة مشروعات لتوفير المساعدات الإنسانية عن طريق وكالتها الحكومية للتعاون "تيكا" وكذلك منظمة الهلال الأحمر.

اقرأ أيضاً: المرصد يكشف عدد القتلى من مرتزقة تركيا في ليبيا

لكن ولأسباب لا يتّسع المجال لذكرها، لا يظهر الاستقرار السياسي ضمن خصائص ليبيا ما بعد القذافي، وتسبّبت الحملة التي يشنّها المشير خليفة حفتر في وضع حكومة الوفاق الوطني في مأزق. وتبرز تركيا هنا كأحد أهم داعمي حكومة الوفاق الوطني، بحيث تروّج لنفسها بين الدول الأفريقية على أنّها تحترم النظام العالمي، وعلى أمل أن يسهم كل نجاح تحقّقه في ليبيا في تعظيم رأسمالها السياسي بحيث تستطيع استثماره في باقي القارة.

الطاقة

إنّ الحديث عن السيطرة على موارد الطاقة باعتبارها أحد الدوافع، إذا لم يكن أهمّها، وثورات عام ٢٠١١، وتدخّل حلف شمال الأطلسي "ناتو" الذي أدّى لإسقاط نظام القذافي هو من باب ذكر البديهيات. ولا تعدّ تركيا استثناء من ذلك. ويتشكّك الكثيرون اليوم في فكرة أنّ الإيثار هو المحرّك الوحيد الذي يدفع تركيا للاهتمام بليبيا. بالتأكيد تحاول تركيا الحصول على الموارد التي تفتقر وتحتاج لها من أجل المحافظة على سلامة اقتصادها وهو ما يعني بالتالي تحقيق أهداف سياستها تجاه أفريقيا.

من أهداف تركيا أيضاً وضع اليد على موارد الطاقة الليبية وتقويض دور مصر الإقليمي وترسيم حدود السيادة في شرق المتوسط

وتمتلك ليبيا احتياطات هائلة تُقدّر بحوالي ٤٨ مليار و٤٠٠ مليون برميل من النفط (ما يعادل ٢.٨٪ من الاحتياطي العالمي)، علاوة على ١.٥ مليون متر مكعّب من الغاز الطبيعي، لكن استخراج هذه الموارد خلال الفترة السابقة لعام ٢٠١١ ينحصر بين شركات بعينها مثل؛ بريتيش بتروليم البريطانية وتشيڤرون الأمريكية وإيني الإيطالية وربسول الإسبانية وشيل الهولندية وتوتال الفرنسية وشركات أخرى صينية ونمساوية ونرويجية وألمانية.

وحتى اليوم، لا تزال صناعة النفط التركية غائبة عن الساحة الليبية. وربما يكون هذا الوضع قاب قوسين أو أدنى من التغيّر. فمن شأن وجود حكومة موالية في طرابلس تسهيل دخول شركة النفط التركية الرسمية إلى آبار النفط الليبية، ليس فقط في الأراضي القارّية، بل وأيضاً تلك الواقعة في مناطق سيادتها بالبحر المتوسط. وبالفعل، كشفت تركيا عن نواياها بتنفيذ مشروعات تنقيب في المياه التي تصنّفها الحكومة الليبية بأنّها منطقة اقتصادية خالصة.

منافسة إقليمية

لم تكن العلاقات الثنائية بين مصر وتركيا تاريخياً سهلة قط. ومنذ حقبة الإمبراطورية العثمانية التي كانت مصر جزءاً منها حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، تتنافس الدولتان على زعامة وقيادة العالم الإسلامي السُنّي، بل أنّ عهد الرئيس المصري السابق أنور السادات، والذي كان يتزامن مع الحرب الباردة التي اتّسمت بالتقاء مصالح مصر مع الكتلة الغربية، لم يشهد كذلك محادثات حقيقية بين الطرفين. رغم أنّ العلاقات مرّت بنوع من الدفء خلال الفترة الوجيزة التي تواجدت فيها حكومة من الإخوان المسلمين. لكن سقوط حكم الإخوان في ٢٠١٣، علاوة على الدعم الذي توفّره تركيا للإخوان المسلمين، الجماعة المحظورة في مصر، أوصل العلاقات بين البلدين إلى نقطة أقرب للانقطاع.

اقرأ أيضاً: أردوغان يخفي قتلاه في ليبيا!

وتدعم مصر، المشير خليفة حفتر وجماعة الجيش الوطني الليبي. بالتالي، أضحت ليبيا مسرحاً لحرب بالوكالة بين بعض الدول. وكل ذلك في ظلّ موقف مبهم من ناحية روسيا التي رغم إعلانها الحياد، إلّا أنّ دعم شركة "ڤاجنر" العسكرية الروسية الخاصة للجيش الوطني الليبي معروف للجميع.

وهنا يظهر في الصورة اتفاق التعاون العسكري والأمني. ويقتصر هذا الاتفاق على ملفّات الدعم التقني والمشورة وتبادل المعلومات والاستخبارات والتدريب والتأهيل والتجهيز، وكذا الصناعات الدفاعية، وقائمة من ٢٣ بنداً آخرين، بيد أنّه لا يشمل نشر قوات مقاتلة.

اقرأ أيضاً: المجلس العالمي للتسامح والسلام يحذر من تدخل "قوات التدمير التركي" في ليبيا

بموجب هذا الاتفاق، أرسلت تركيا مستشارين ومدرّبين عسكريين إلى ليبيا؛ حيث حدثت أولى الخسائر بالفعل. وقد اعترف الرئيس أردوغان بالفعل بسقوط عدد من أفراد الجيش الوطني السوري، وهو فصيل سوري معارض تدعمه تركيا. إضافة إلى هذا الفصيل، تنشط بالفعل في ليبيا شركة الأمن التركية الخاصة "سادات" منذ عام ٢٠١٣ على أقل تقدير. لذا فإنّ تركيا ستبذل كل ما بوسعها على الأرجح للحيلولة دون سقوط حكومة الوفاق الوطني، وبالتالي تسهيل تغلغل مصر في المشهد الليبي. ولا ينحصر هذا في إمداد حكومة الوفاق الوطني بالمعدّات العسكرية فحسب، بل يمتدّ ليصل إلى الدفع بقوات مقاتلة، حسبما تقتضي الأوضاع على الأرض، وقد طلبت حكومة الوفاق الوطني بالفعل المزيد من القوات المسلحة التركية.

لقد أصبح من الضروري بشدّة بالنسبة لتركيا احتواء النفوذ المصري في القارة الأفريقية، وربّما انتظار تغيير النظام في مصر والذي تعتقد أنقرة أنه قد يفضي إلى إزالة العقبات في طريق تطبيع العلاقات الثنائية. ومن أجل إكمال "الحصار"، أقامت تركيا علاقات وثيقة مع السودان، حيث يتمتّع أردوغان بتأثير متزايد. وخلال زيارته للبلاد في ٢٠١٧، تعهّد الرئيس بتشييد بنية تحتية والارتقاء بحجم التبادل التجاري بين البلدين ليبلغ ١٠ مليار دولار، ليضمن حقّ إعادة بناء جزيرة سواكن، وهو ميناء عثماني مهم يعود للفترة بين القرنين؛ الخامس عشر والتاسع عشر، على سواحل البحر الأحمر. إلّا أنّ سقوط نظام الرئيس السوداني السابق عمر البشير جاء ليوجّه ضربة موجعة للتطلّعات التركية، التي أصبحت مسألة استمراريتها في مهبّ الريح. وبعد فترة مقتضبة من الترقّب، بدأت الحكومة التركية في الوقت الحالي سلسلة من التحرّكات لمحاولة تجاوز ما حدث، بما يشمل تعزيز التعاون في مجال الدفاع.

ترسيم مناطق السيادة في شرق البحر المتوسط

يُعدّ هذا هو الملفّ الأهم من المنظور التركي في الوقت الراهن والذي جاءت نتيجته في صورة توقيع مذكّرة التفاهم حول ترسيم مناطق السيادة في البحر المتوسط. ولفهم ذلك الأمر يجب العودة بشكل خاطف إلى القانون الدولي للبحار الذي ينصّ على أحقّية كل دولة في ٢٠٠ ميل بحري من آخر نقطة في أراضيها المحاذية للبحر، ومنطقة اقتصادية خالصة يمكن للدولة فيها ممارسة حقها في السيادة، وفي حالات بعينها يمكن مدّ نطاق هذه المنطقة بحيث يصل إلى ٣٥٠ ميلاً بحرياً.

سقوط نظام الرئيس السوداني عمر البشير جاء ليوجّه ضربة موجعة للتطلّعات التركية التي أصبحت مسألة استمراريتها في مهبّ الريح

لكن المشكلة في حالة شرق البحر المتوسط تكمن في محدودية المساحة وبالتالي صعوبة تطبيق القانون الدولي، لذا لا بديل أمام دول المنطقة سوى ترسيم الحدود البحرية عن طريق التفاوض فيما بينها مع الالتزام "بعدم القيام بأي شيء قد يهدّد أو يعوق إتمام الاتفاق النهائي".

وحتى الآن وإزاء غياب الاتفاق، امتنعت تركيا واليونان عن الإدلاء بأي إعلان رسمي يمكن تأويله على أنّه عدائي. بيد أنّ الاتفاق التركي-الليبي يعدّ خرقاً لهذه الحالة لا سيما وأنّه يتضمّن وضع خطّ فاصل بطول ١٨.٦ ميلاً بحرياً متساوي البعد بين السواحل التركية والليبية. وتكمن المشكلة هنا في وجود جزر مثل كريت بالقرب من هذا الخط الفاصل، إضافة إلى جزر أخرى أصغر من حيث المساحة مثل كارباتوس ورودس اللتين ونظراً لكونهما مأهولتين بالسكان، تضفيان المشروعية على مطالبات اليونان التي يتجاهلها الاتفاق التركي الليبي.

اقرأ أيضاً: ليبيا و"صوفيا الجديدة"

من جانبها، تدّعي تركيا أنّ الاتفاق أُبرم مع حكومة شرعية بموجب الدستور وتحظى باعتراف المجتمع الدولي، ما يعني أنّه يسير في إطار القانون الدولي. واستناداً إلى معاهدة فيينا للحق في إبرام الاتفاقات.

والحقيقة أنّ الخلاف حول ترسيم مناطق السيادة في الشطر الشرقي من البحر المتوسط والاستفادة من موارد الطاقة المكتشفة أسفل مياهه هو الذي أدّى لتوقيع الاتفاق. ورغم أنّ العملية لا تزال في بداياتها، إلّا أنّ استغلال الحقول المكتشفة على مدار العقد الأخير أسفر عن تشكّل تحالفات استراتيجية إقليمية: وتضمّ المجموعة الأولى كل من اليونان وقبرص وإسرائيل ومصر التي تتعاون فيما بينها لإيجاد صيغة حول الاستفادة من مواردها المحتملة، بينما تشمل المجموعة الثانية كل من تركيا وجمهورية شمال قبرص التركية، والأخيرة لا تحظى باعتراف المجتمع الدولي. بالمثل تمتلك كل من فرنسا وإيطاليا، ممثّلتين في شركتي النفط "توتال" و"إيني"، على الترتيب، مصالح تجارية في هذه المياه، ما دفعهما لاتخاذ صفّ المعسكر الأول الذي يتمتّع بتأييد الاتحاد الأوروبي. كذلك لدى الولايات المتحدة مصالحها التجارية الخاصة بالموارد المحتملة في المياه التي تطالب قبرص بالسيادة عليها.

اقرأ أيضاً: مع التدخل التركي في ليبيا.. معركة تونس ضد الإرهاب تزداد صعوبة

تركت كل هذه التحالفات تركيا في حالة من العزلة. وقد دفع عقد منتدى غاز شرق البحر المتوسط، وهو ملتقى سياسي للتعاون في مجال الطاقة تشارك فيه كل من مصر وإسرائيل والأردن والسلطة الفلسطينية وقبرص واليونان وإيطاليا كما أبدت فرنسا اهتمامًا بالانضمام له، تركيا إلى التحرّك بالتأكيد.

ويرسم الاتفاق بشكل واضح الحدود ويمنح تركيا منطقة من البحر تجبر أي خط غاز قد يمكن مدّه لتصدير غاز شرق البحر المتوسط إلى أوروبا على المرور عبرها، وبالتالي تصبح لدى تركيا الكلمة العليا وصلاحية رفض أو حتى عرقلة مدّ أي خط.

اقرأ أيضاً: كيف استغل أردوغان تزييف التاريخ العثماني في ليبيا؟‎

وبغضّ النظر عن الآثار القانونية التي قد يجلبها هذا الإعلان، فإنّ ترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة في رقعة متنازع عليها عند الأراضي اليونانية وتحديدًا جزيرة كريت، يمثّل تحوّلًا استراتيجيًا. ويأتي هذا التغيّر الاستراتيجي مصحوبًا بنشر قوات تركية في ليبيا دعمًا لحكومة الوفاق الوطني- حتى لو كان هذا الانتشار على نطاق محدود في الوقت الحالي- ليضع الملف الليبي في وسط المشهد الجيوسياسي شديد الخصوصية في شرق البحر المتوسط وحيث تسعى تركيا لاستعادة مكانتها كقوة إقليمية لا بديل عن التفاوض معها ولا مجال لتجاهلها. وعلى حد تعبير نائب الرئيس التركي فؤاد أقطاي "فرص نجاح أي خطة في المنطقة لا تشمل تركيا ضئيلة للغاية". لذا يبدو واضحًا بشكل جليّ أنّ تركيا تنتهج سياسة الأمر الواقع.

النتائج على الجيوسياسية الإقليمية

مما سبق يتّضح أنّ الأسباب التي تدفع تركيا للتدخل في الساحة الليبية منذ 2011 ترتبط بصورة كبيرة بتطلّعاتها نحو تأكيد نفوذها في القارة الافريقية عن طريق مشروعات تعاون سياسي واقتصادي وعسكري. رغم أنّ تطور الأحداث في البلد العربي وعودة شبح الحرب الأهلية منذ نيسان (أبريل) من العام الماضي قوّض بشكل ملحوظ من بريق النجاح الذي وصلت له أنقرة حتى الآن. على الجانب الآخر، أسفرت العزلة التي تختبرها تركيا في شرق البحر المتوسط عن اتباعها لاستراتيجية تمرّ عبر الدمج بين المسألتين، بحيث يصعب للغاية التطرّق لإحداهما دون المساس بالأخرى. وسيعني استمرار حكومة فايز السراج وجود حليف ثمين ويؤدّي لتقوية الاتفاق حول ترسيم الحدود البحرية في مياه البحر المتوسط الشرقي.

اقرأ أيضاً: أردوغان في ليبيا قرأ الدرس الإيراني

وحتى الآن وباستثناء لبنان وسوريا، أعلنت جميع الدول المطلّة على البحر المتوسط؛ مصر وإسرائيل وقبرص واليونان وإيطاليا، وانضمّت إليهم فرنسا- التي تمتلك وجودًا بحريًا في هذه المياه وحيث زارت حاملة طائراتها "شارل ديجول" مؤخرًا ميناء ليماسول في قبرص، أنّ الاتفاق المذكور باطل، بينما وقّعت فرنسا مع اليونان اتفاقاً لتعزيز التعاون الدفاعي يعكس بالطبع نواياهما. كما لا يمكن إغفال مهمة الاتحاد الأوروبي البحرية التي حصلت على الضوء الأخضر من المجلس الأوروبي في 17 شباط (فبراير) الماضي بناء على مقترح فرنسا لمراقبة الحظر على الأسلحة المفروض على ليبيا من جانب مجلس الأمن الدولي، وتعني هذه المهمة حضورًا عسكريًا سيصعّب كثيرًا على تركيا تحقيق أهدافها بالتنقيب عن موارد الطاقة في المياه التي تدّعي سيادتها عليها.

اقرأ أيضاً: اعترافات قبطان وطاقم سفينة نقلت الأسلحة من تركيا إلى ليبيا..

على أنّ مناقشات عاصفة تدور في أروقة الاتحاد الأوروبي بغية إيجاد توازن بين الموقف الرسمي بدعم حكومة السراج المعترف بها دولياً، وهو موقف المعسكر الذي تقوده إيطاليا بوصفها المنادي الأكبر بهذا الموقف، ومصالح فرنسا التي تقف وراءها اليونان وقبرص، والأخيرتان قد تستفيدان من انتصار محتمل للمشير حفتر. ومن شأن تضارب المواقف داخل الاتحاد الأوروبي أن تفضي في نهاية المطاف إلى إضعاف افتراضي للوحدة الأوروبية وبالقطع لن تتوانى تركيا عن استغلال ذلك.

أما الولايات المتحدة، فتختلف نظرتها للأمور بعض الشيء رغم رفضها للاتفاق التركي-الليبي، على أنّ تطور الأحداث في سوريا قد يؤدي لتغيير موقفها بعض الشيء. والحقيقة أنّ الأولوية الاستراتيجية لواشنطن هي إيقاف انتشار نفوذ روسيا والصين على الصعيد العالمي، كما أنّ الحملة العسكرية التي بدأها نظام الرئيس السوري بشار الأسد بدعم روسي في محافظ إدلب أحدث شرخًا عميقًا في العلاقات بين روسيا وتركيا، ما يُترجم إلى فرص سانحة.

اقرأ أيضاً: مرتزقة أردوغان في ليبيا.. القصة الكاملة (فيديو)

وبالفعل، أظهرت الولايات المتحدة إشارات تقارب من أجل بث بعض الدفء في علاقاتها مع تركيا والتي قد تستثمرها واشنطن على النحو الأمثل لإيقاف تغلغل التأثير الروسي في البحر المتوسط.  والحقيقة أنّ سعي موسكو الحثيث للحصول على موطئ قدم لها على الشاطئ الجنوبي من البحر المتوسط شيء معروف للعامة، لذا فإنّها تبقي على قنوات الاتصال مفتوحة مع جميع الأطراف المتنازعة في ليبيا، وكذلك في مصر حيث تمتلك تأثيرًا متزايدًا. خلاصة القول هنا أنّ تعزيز وضعية تركيا في ليبيا قد يخدم، بشكل غير مباشر، المصالح الأمريكية في المنطقة.

اقرأ أيضاً: تحذيرات دولية من استمرار انتهاكات أردوغان لحظر الأسلحة على ليبيا

لكن الاستراتيجية التي تنتهجها تركيا في البحر المتوسط لا تخلو أيضًا من المخاطر. فمن شأن وجود قوات مسلحة لقوة إقليمية متوسطة التأثير فضلًا عن محدودية القدرة على العمل عن بعد والحفاظ على استدامة قدراتها العسكرية، أن يضع تركيا وبسهولة في موقف شديد الصعوبة ما يعني عجزها عن تطبيق استراتيجيتها.

اقرأ أيضاً: بالأسماء والصور.. المسماري يكشف عن أبرز إرهابيي تركيا في ليبيا

وفوق كل ذلك، فإنّ تطوّر الأمور من الناحية العسكرية على نحو مغاير لمصلحة تركيا، قد يتسبّب في جرجرة الأخيرة إلى الانزلاق رغمًا عن إرادتها بشكل أكبر في الأزمة الليبية، وهذا في الوقت الذي تحتاج فيه لتركيز مواردها العسكرية على الحدود، خاصة السورية. وفي ظل هذه الظروف، فإنّ أنقرة لا تقامر فقط باستراتيجيتها في البحر المتوسط، بل باستراتيجيتها الأمنية على الحدود.

وعلى أي حال، سيتكفّل الوقت بالكشف عن أي الاستراتيجيات المتصادمة ستخرج فائزة في نهاية المطاف في هذه المنطقة التي تشهد تصاعدًا في التحرّكات العسكرية.


مصدر الترجمة عن الإسبانية:

https://bit.ly/2It9gcx

للمشاركة:



فرار عدد من عناصر داعش من سجن في الحسكة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-03-30

أعلن المتحدث الإعلامي باسم قوات سوريا الديمقراطية مصطفى بالي، هروب عدد من السجناء التابعين لتنظيم داعش في الحسكة، اليوم.

وأكد بالي أنّ إرهابيي داعش سيطروا على الطابق الأرضي في سجن الحسكة، وبدأوا في هدم الجدران الداخلية والأبواب، وفرّ عدد عدد منهم، وفق ما أوردت "سي إن إن".

وأوضح المتحدث باسم قوات سوريا الديمقراطية، المدعومة من الولايات المتحدة، وتسيطر على مناطق عدة في شمال شرق سوريا، في تغريدة له على تويتر، اليوم؛ أنّ "قوات مكافحة الإرهاب تتعامل مع الوضع لإعادة السيطرة على الطابق الأرضي في السجن و إعادة الهدوء للسجن عموماً".

مصطفى بالي: إرهابيو داعش سيطروا على الطابق الأرضي بالسجن وبدأوا في هدم الجدران الداخلية والأبواب

وقال مأمور سجن غويران في شمال شرق سوريا؛ إنّ بعض سجناء داعش هربوا بـ "اختراق جدار"، مشيراً إلى أنّ "الوضع ما يزال مستمراً".

وأكد مصدر عسكري أمريكي مسؤول، أنّ قوات التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة تعمل على "مراقبة جوية" على المنطقة، التي يتواجد فيها هذا السجن، شمال شرق سوريا.

وشاركت قوات سوريا الديمقراطية الكردية، قسد، المدعومة من الولايات المتحدة، في محاربة تنظيم داعش، والذي كان يسيطر على مناطق واسعة في شمال سوريا والعراق، فيما تشرف قسد على احتجاز عناصر تنظيم داعش في شمال سوريا.

 

للمشاركة:

مرتزقة أردوغان في ليبيا نادمون.. تركيا تخلفت عن وعودها

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-03-30

قال المرصد السوري لحقوق الإنسان، أمس، إنّ استياءً كبيراً يخيم على أوساط المقاتلين السوريين الذين أرسلهم الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إلى ليبيا، بسبب تخلف تركيا عن الوفاء بوعودها، فيما يعيش المرتزقة حالة مزرية في معسكرات طرابلس.

ونقل المرصد تسجيلاً صوتياً لأحد المقاتلين تحدث فيه عن ندم جميع المقاتلين بشأن القدوم إلى ليبيا، مشيراً إلى تورطهم بذلك، وفق ما ورد عبر موقعه الإلكتروني.

ونقل المقاتل دعوة جميع العناصر السورية المقاتلة في طرابلس للراغبين بالذهاب إلى ليبيا بأن يتراجعوا عن قرارهم، لسوء الوضع، مؤكداً أنّ "الأتراك تخلفوا عن دفع مستحقات المقاتلين البالغة 2000 دولار أمريكي للشهر الواحد".

المرصد السوري: استياء كبير يخيّم على أوساط المرتزقة الذين أرسلهم الرئيس أردوغان إلى ليبيا 

وأضاف المقاتل: "تركيا دفعت راتب شهر واحد فقط، ثم لم تقدم لنا أيّ شيء، نحن نقيم في المنزل وحتى السجائر لا نحصل عليها في غالب الأوقات، ولا نستطيع الخروج من المنزل لأنّ المنطقة ممتئلة بخلايا تابعة لقوات الجيش الوطني".

وتابع: "الجميع يريدون العودة إلى سوريا وهناك دفعات تتحضر للعودة عبر فيلق الشام".

 وكان المرصد قد رصد في الأيام القليلة الماضية مقتل المزيد من مرتزقة أردوغان  الذي أرسلتهم أنقرة للقتال في ّصف الميليشيات الموالية لحكومة الوفاق الليبية، بقيادة فايز السراج.

ووصل قبل نحو عشرة أيام ما لا يقل عن 14 جثة جديدة من مرتزقة الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، في ليبيا إلى مناطق نفوذ الأتراك في ريف حلب شمال سوريا.

وبلغت حصيلة القتلى في صفوف الفصائل السورية 143 عنصراً تابعين إلى "لواء المعتصم وفرقة السلطان مراد ولواء صقور الشمال والحمزات وسليمان شاه"، وفق المرصد، الذي أكّد أنّ القتلى سقطوا خلال مواجهات دامية على محاور حي صلاح الدين جنوب طرابلس، ومحور الرملة قرب مطار طرابلس، ومحور مشروع الهضبة، وفي معارك مصراتة، ومناطق أخرى في ليبيا.

وينحدر القتلى الجدد، بحسب المرصد،  من مدن تدمر وسلقين والبوكمال والباب السورية، ما يعمق أزمة النظام التركي العالق في تدخله العسكري في الحرب الليبية.

أحد المقاتلين يعبّر عن ندم الجميع ويؤكد أنّ تركيا دفعت راتب شهر واحد فقط ثم لم تقدم لهم شيئاً

وذكر المرصد أنّ تركيا خفضت رواتب المقاتلين السوريين الذين جرى إرسالهم للقتال في ليبيا، مشيراً  إلى أنّ ذلك جرى "بعد أن فاق تعداد المجندين الحدّ الذي وضعته تركيا وهو ستة آلاف مقاتل".

وكشف المرصد مؤخراً؛ ارتفاع عدد الفصائل السورية المسلحة الذين وصلوا إلى العاصمة طرابلس إلى نحو 4750 مقاتلاً، فيما بلغت حصيلة المجندين بمعسكرات التدريب التركية 1900 مجند.

وتعكس هذه المستجدات مدى تورط أنقرة في تدخلها العسكري في ليبيا، لا سيما بعد الخسائر البشرية التي تكبدها الجيش التركي في معركة طرابلس، حيث أعلن الجيش الوطني الليبي، بقيادة المشير خليفة حفتر، مقتل 4 عسكريين أتراك واحتجاز قيادي في الميليشيات السورية المرتزقة، بعد استهداف مدرعة تركية حديثة من طراز "ACV- 15"، ليرتفع عدد القتلى من الجنود الأتراك في ليبيا إلى 16 جندياً.

للمشاركة:

انتحار وزير ألماني.. هل للكورونا علاقة بالحادثة؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-03-29

استيقظت ألمانيا، صباح اليوم، على نبأ وفاة وزير المالية بولاية هيسن، توماس شيفر.

 وأكّد الادعاء العام ورئاسة الشرطة؛ أنّ ملابسات الوفاة تشير إلى انتحار، وفق المحققين، بينما ذكرت وسائل إعلام ألمانية؛ أنّ جثة شيفر (54 عاماً)، وُجدت على سكة قطار سريع بمدينة فيسبادن عاصمة ولاية هيسن في جنوب غرب ألمانيا.

وأثارت الوفاة المفاجئة للوزير شيفر، المنتمي لحزب المستشارة أنجيلا ميركل "المسيحي الديمقراطي"، صدمة في الأوساط السياسية والشعبية بألمانيا، خاصة أنّ البلاد تجتاز أزمة انتشار فيروس كورونا.

ويعدّ شيفر أبرز خليفة لرئيس وزراء الولاية الحالي فولكر بوفييه، الذي قال إنّه كان يعتزم لقاءه ظهر اليوم الأحد لبحث سبل مواجهة أزمة انتشار فيروس كورونا في الولاية، وفق ما نقلت "دويتشه فيله".

 وأعرب بوفييه عن صدمته الشديدة وقال: "نحن جميعاً مصدومون ومن الصعب تصديق أنّ توماس شيفر فجأة وبشكل غير متوقع أخذه الموت"، وتوجه رئيس وزراء الولاية بعبارات المواساة والنعي لأسرة شيفر.

ومن جهتها؛ غرّدت وزيرة الدفاع، ورئيسة الحزب المسيحي الديمقراطي، أنغريت كرامب – كارنباور، على حسابها في تويتر: "لقد صدمنا كلنا في الحزب المسيحي الديمقراطي بخبر الوفاة المفاجئة لتوماس شيفر، يضربنا ويجعلنا حزينين ومذهولين، الآن كلّ أفكارنا وصلواتنا مع عائلته".

وأعرب ممثلون لأحزاب سياسية في ولاية هيسن عن صدمتهم بـ "فاجعة" وفاة وزير مالية الولاية، التي يرجح المحققون أنّها كانت انتحاراً، وسط غموض حول الأسباب.

وزير مالية ولاية هيسني توماس شيفر يقدم على الانتحار وسط غموض حول الأسباب

وبينما التزمت عائلته الصمت، كشفت صحيفة "فراكففورته ألغماينه" أنّه "ترك رسالة وداع لزوجته وابنته وابنه".

توماس شيفر ترك زوجته وطفلين، وأمضى أكثر من عقدين من عمره مساهماً في السياسة العامة لبلاده على المستوى المحلي والوطني، حيث يعدّ واحداً من ذوي الخبرة الكبيرة في الأمور المالية.

وذكرت تقارير محلية أنّ شيفر كان نشيطاً جداً في عمله خلال الفترة الأخيرة في مواجهة أزمة كورونا.

على صعيد آخر؛ أظهرت بيانات لمعهد "روبرت كوخ" للأمراض المعدية، اليوم؛ أنّ عدد حالات الإصابة المؤكدة بفيروس كورونا في ألمانيا ارتفع إلى 52547، وأنّ 389 شخصاً توفوا جراء الإصابة بالمرض.

وأوضحت البيانات أنّ حالات الإصابة ارتفعت بواقع 3965 حالة، مقارنة باليوم السابق، في حين قفز عدد الوفيات بواقع 64 حالة.

 

 

 

للمشاركة:



القضاء على الميليشيات الإيرانية حاجة عراقية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-03-30

ماجد السامرائي

لا يُتَوقع أن يتم القضاء على الميليشيات المسلحة الموالية لإيران في العراق بضربة أو ضربات عسكرية أميركية تجري حولها استعدادات، وفق التقرير الصحافي الذي نشرته صحيفة نيويورك تايمز الجمعة، لاستهداف مقراتها وبعض قادتها، رغم أن أغلبها حاليًّا في طهران والبعض الآخر قد انتقل إلى مواضع بديلة.

الصحيفة أنهت التقرير بعبارة ملفتة هي أن “الرئيس لم يقرر خلال اجتماع جرى في البيت الأبيض توجيه ضربة لكنه سمح باستمرار التخطيط”.

ويكشف ذلك حالة الانقسام داخل مؤسسات البنتاغون ووزارة الخارجية والبيت الأبيض بشأن ما تقدمه هذه الضربات من أهداف مثل إزاحة تلك الميليشيات أو انفتاح ظروف عسكرية ضد إيران لا يمكن السيطرة عليها.

لم تعد سرًّا المكانة التي تحتلها الميليشيات المسلحة في العراق لدى نظام خامنئي، باعتبارها النموذج الحيوي الذي لا يمكن تعويضه للمحافظة على نفوذه في العراق والمنطقة، قد يمكن التضحية بسياسيين أصبحوا قادة وزعماء في حكم العراق، وبعضهم سبب وجع رأس للنظام الإيراني بسبب فضائح سرقاتهم، لكن تلك المكانة تبقى مرتبطة بمدى تسهيل مهمتهم لتلك الميليشيات.

ولعل الخلاف على المكلف الحالي لرئاسة الوزارة عدنان الزرفي يقع داخل هذه التقديرات والاعتبارات في دائرة الملف العراقي في طهران التي خلفت مقتل قاسم سليماني.

مثلاً هادي العامري ومقتدى الصدر اللذان يتزعمان أكبر قوتين ميليشياويتين وبرلمانيتين ما زالا يحتلان مكان الصدارة في الرعاية لدى خامنئي لاعتبارات سياسية، رغم مزاحمتهما من قبل جيل جديد كأدوات أكثر حيوية في تنفيذ رغبات الحرس الثوري مثل العصائب وحزب الله والنجباء وأبوالفضل العباس.

مراكز الزعامة الميليشياوية تأثرت بظروف الاحتلال العسكري الأميركي لحد عام 2011 حيث كان مقتدى الصدر يعتبر نفسه رمزا شيعيا وحيدا لمقاومته، في حين انغمرت منظمة بدر وزعماؤها في إغراءات السلطة التي أصبحت زعامات جديدة تتنافس على مغانمها وقد تتقاتل إن لزم الأمر على تلك المغانم بعد انفتاح خزائن العراق وفق معتقد خرافي يقول إن هذه الأموال هي “مغانم شرعية” ومكاسب تنزلت عليهم وحدهم بسبب نضالاتهم ضد نظام صدام، وليست ثروات شعب يستحق الحياة في ظل دولة ونظام جديد، وواقعهم الحقيقي يقول إنهم مجموعة لصوص ذوي مهارات خاصة تابعين لمافيات النهب والفساد في إيران.

ظلت الأحزاب الشيعية واجهات سياسية لتلك الميليشيات المسلحة، تتفاوت درجة الثقة برئيس الوزراء كحاكم أول بمدى قربه وتسهيله لمهمات تلك الميليشيات رغم الفجوة الكبيرة التي أحدثها خلاف رئيس الوزراء الأسبق، نوري المالكي مع مقتدى الصدر، حيث حاول إشعار طهران بأن مؤهلاته السياسية تتفوق على رجل دين شاب لا يمتلك، في نظره، سوى تاريخ عائلته في المرجعية الشيعية، وعبّر عن دعمه للميليشيات لدرجة اعتبر نفسه أباها الروحي.

حين حاول رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي وضع مسافة بينه وبين تلك الميليشيات وتقنينها داخل مؤسسة رسمية عام 2016 عجز عن تحقيق مهمة حصر السلاح بيد الدولة بسبب انشغاله بالحرب على داعش، ثم التداخل المدبر الذي مرره قاسم سليماني لتعزيز مكانة تلك الميليشيات في الحكومة والبرلمان. ونزل الغضب الإيراني عليه وتم وصفه بالأميركي رغم أنه ليس كذلك، بل يوصف بأنه من تركيبة فكرية وسياسية شيعية تؤمن بوحدة المصير الشيعي، واحتدم الخلاف بينه وبين أبي مهدي المهندس الذي أصبح قبل مقتله ركنا أساسيا في الشبكة العراقية الواسعة من الميليشيات الإيرانية والجهات الوكيلة لإيران. والذي وضع موته تلك الشبكة في حالة صراع على الزعامة فيما بينها من جهة، وبين الزعامات السياسية القلقة على مصيرها السياسي بعد انتفاضة أكتوبر 2019 من جهة ثانية.

زعامات الميليشيات الموالية لإيران تحاول عبثا في هذه الأيام العصيبة التي تواجهها وتهدد بانهيارها الإيحاء للأوساط السياسية بأنها صمام الأمان لبقاء تلك الأحزاب في السلطة، فتقيم الاستعراضات العسكرية الشكلية في شوارع بغداد للتعبير عن ذلك، وإن عجزت تلك الأحزاب عن منع تمرير عدنان الزرفي فإن تلك الميليشيات ستحضّر لانقلاب سياسي وعسكري في القصر يستبدل رئيس الجمهورية ويزيح رئيس الوزراء. لكن هذه الميليشيات تعلم جيدا أن شباب العراق بانتفاضتهم قد أعلنوا رفض وجودهم والترحيب بأية محاولة لإنهاء هذا الوجود الخطير.

إيران عاجزة في الظروف العصيبة التي تمر بها على تغطية متطلبات شبكة ميليشياتها في العراق ولبنان وسوريا واليمن بعد انهيار نظامها العام بسبب كورونا والعقوبات الأميركية، يرافق ذلك عجز الميزانية العراقية التي سيتعذر عليها تقديم ذلك المستوى من الدعم، رغم أنه لن يوقف النهب بل ستكون أساليبهم في السرقة أكثر مكرا لتغطية متطلباتهم وتقديم العون للنظام الإيراني أيضا، ولا يتوقع لقادة الأحزاب الفاسدة في العراق تقديم جزء مما يمتلكونه من مليارات مسروقة كمعونات مالية لتلك الميليشيات، فلا وجود لمنطق العون في نظام المافيات حين يحاصرها الهلع والخوف على المصير.

الضربات العسكرية الأميركية قد تقوّي الميليشيات الإيرانية إن لم تكن ضمن برنامج متكامل لإخراجها من المعادلة العسكرية، مع أن تلك الضربات ستضع تلك الميليشيات في حالة من الخوف والإرباك، وقد تضطر إلى إخفاء مواقع صواريخها الإيرانية في أماكن أقل خطورة على القواعد العسكرية الأميركية التي تقلصت أخيرا، أو على مقربة من حدود جيران العراق العرب، أو قد يقودها ذلك إلى ردود فعل عسكرية هستيرية ضد الشباب الشيعي المنتفض. مشكلة واشنطن هي عدم قدرتها على نزع النفوذ السياسي للميليشيات بعد أن كرست وضعها في البرلمان في السنوات الأخيرة.

يمكن أن يحدث السيناريو الذي يتحدث عن دعم توجه رئيس الوزراء المنتظر عدنان الزرفي لتغيير جدي في بنية الحكم السياسية عن طريق الانتخابات المبكرة بعد نزع أسلحة الأحزاب وميليشياتها، وهذا هو الميدان الحقيقي لكسب المعركة ضد الميليشيات الإيرانية في العراق.

إيران بارعة في إخفاء سياساتها الماكرة، عبر وكلائها، ضد شعب العراق الذي بحاجة إلى عون أصدقائه وأشقائه لاستعادة استقلاله وسيادته، ولا يهم العراقيين أن تفتح واشنطن حربا مع إيران إن كان ذلك بابا لاستقلال بلدهم إن كانت صادقة في ذلك.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

سليمان القانوني.. قاتل ابنه وألعوبة زوجته

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-03-30

وليد فكري

يبالغ العثمانيون الجدد وأتباعهم في تعظيم "رموز" التاريخ العثماني إلى حد عصمهم من الخطا وتحصينهم من النقد، ولكأنما يغفل هؤلاء أن الشخص التاريخي ما هو إلا "إنسان" يخطيء ويصيب فله ما له وعليه ما عليه فلا هو بالشيطان المريد ولا هو بالمَلَك المعصوم..

يتجاهلون حقيقة أن لكل شخص تاريخي جوانب عدة، فيقرأون التاريخ بانتقائية بحيث يغفلون ما يدين هذا الشخص ويقتصرون في دعايتهم لتاريخهم على الترويج لما يعظم سلاطينهم ويصورهم كنماذج خارقة للطبيعة أو كأمثلة للكمال البشري.. فيتحول الشخص التاريخي إلى صنم كأصنام الأولين التي كان العابد لها يصفها بأنها "الآلهة الشُم العوالي"

من الشخصيات التاريخية التي أضفى عليها هؤلاء هالات القداسة وأردية الكمال السلطان العثماني سليمان الأول المشهور ب"القانوني"

الصورة النمطية لسليمان القانوني:
الشائع عن السلطان سليمان القانوني أنه من أعظم سلاطين العثمانيين، أمسك بالحكم بقبضة من حديد وكان نشيطًا في الغزو والدبلوماسية والتقنين، غزا المجر والنمسا وأدب المتمردين عليه في كل مكان، وطد حكم العثمانيين في العراق واليمن وردع الصفويين، مُد في عهده النفوذ العثماني إلى الجزائر وتونس، وناطح إمبراطورية الهابسبورج الشامخة سواء في شرق أوروبا أو في البحر المتوسط.. ووُصِفَ بأنه "ظل الله في الأرضين مجدد دين الأمة المحمدية"

من زاوية القراءة العثمانية للتاريخ فهذا الكلام صحيح وإن أضيفت له بعض المبالغات الخبيثة.. فالدور الأكبر في مواجهة الإسبان في غرب المتوسط كان للمتطوعين من الأجناس المتفرقة بين أروام وأتراك ومغاربة بقيادة الأخوان بارباروسا الذان وإن منحهما العثمانيون صفة عثمانية رسمية إلا أن ذلك كان بعد كفاح وجهاد وبلاء كلا منهما في سبيل حماية شماليّ أفريقيا ومناصر مسلمو الأندلس بينما كان التدخُل العثماني رمزي واستمالة الدولة العثمانية لهما مجرد محاولة للاستيلاء على مجدهما والاستفادة منه لتأكيد الدعاية العثمانية بأن السلطان العثماني هو حامي المسلمين

والحرب بين آل عثمان وآل هابسبورج وإن أخذت شكل "الحرب الدينية" في دعاية الطرفين إلا أنها كانت في حقيقة الأمر مجرد حرب مصالح بحكم توسع العثمانيون في شرق أوروبا التي دخلت في حيازة الهابسبورج بسبب سلسلة من زيجات ومصاهرات المصالح مع الأسر الحاكمة الأوروبية.. فكان اصطدام العملاقان العثماني والهابسبورجي حتميًا بغض النظر عن قضية الدين!

وإن كان هذان التحليلان محل نقاش وجدل وأخذ ورد-بطبيعة الحال-إلا أن ثمة واقعتان مثببتان في كتب التاريخ العثماني-من المدافعين عن الدولة العثمانية قبل أن يكون من أعداءها-تقدمان جانبًا سلبيًا من هذا السلطان بلغ من الخطورة أن قال بعض المؤرخون-ومنهم المتعاطف مع العثمانيين-بأنه أسهم في دخول الدولة العثمانية في طور الانحطاط..

روكسلان الخبيثة ومقتلة ولي العهد وأبناءه:
بطلة هذه الواقعة هي إمرأة اسمها "روكسلان".. إمرأة روسية اشتهرت بالجمال وأنها دائمًا تحمل ابتسامة فاتنة، ضمها السلطان سليمان لحريمه وسماها "خوروم" أي "الباسمة" وتعلق بها إلى حد أنه عاملها كأنها زوجته الوحيدة..

كان ولي عهد السلطنة هو شاه زاده مصطفى، ابن سليمان القانوني من زوجته ماه دوران خاصكي، وكانت روكسلان/خوروم تنظر لهذا الأمر بعين السخط طامعةً في أن يكون وريث العرش من أبناء السلطان منها-وقد كانت أمًا لكل أبناءه الذكور عدا مصطفى-ولما كانت إمرأة قاسية متوحشة لا ينم جمال وجهها عن قبح سريرتها فقد راحت تدبر بهدوء وخبث للإطاحة بشاه زاده مصطفى ليخلو وجس وراثة العرش لابنها الأكبر "محمد"
وما زاد من إصرارها على ذلك حقيقة وجود مادة "قتل الإخوة الذكور" في قانون نامه محمد الفاتح سيفًا معلقًا على عنق إخوة ولي العهد إذا ما تربع يومًا على العرش.

تلفتت روكسلان حولها تبحث عن حليف قوي تتخذه أداة لمؤامرتها فوجدت أمامها "رستم باشا".. فسعت لأن يصل إلى أعلى مرتبة تحت السلطان وهي "الصدارة العُظمى"(رئاسة الوزراء)، والتي كان يحتلها الوزير العتيد صعب المراس إبراهيم باشا والذي كان رجلًا قديرًا ذو نفوذ واسع.. فسعت الخبيثة لتدبير وقيعة بينه وبين السلطان أدت في النهاية إلى قيام هذا الأخير بإعدامه.

ثم توالى على المنصب رجال ضعاف لم يسد أحدهم الفراغ التي تركه غياب إبراهيم باشا، حتى وقعت الكرة في حجر رستم باشا صنيعة روكسلان، والذي استطاع أن يكسب ثقة ومحبة السلطان إلى حد أنه قد صاهره، فتزوج رستم من "مهرماه سلطان" ابنة سليمان المفضلة، وتولى منصب "الصدر الأعظم"..
خلال هذا التدبير كانت روكسلان قد فقدت ابنها محمد بوفاته أثناء توليه ولاية صاروخان، فلم يثنها هذا عن خطتها، ووضعت أملها في ابنها سليم,

كانت الضربة القاضية لتلك المرأة وحليفها رستم باشا هي الوقيعة بين السلطان وولي عهده.. كان شاه زاده مصطفى في سن الثامنة والثلاثين، وقد نُصِب وليًا للعهد منذ كان في السادسة من العمر، وكان عاقلًا منضبطًا مثقفًا ومحبوبًا من العامة والجيش بشكل يبشر بأنه سيكون يومًا ما سلطانًا عظيمًا.

استغل رستم تحرُك السلطان مع ولي العهد على رأس الجيش العثماني لمحاربة الشاه الصفوي "طهمسب"، وأبلغ مولاه أن ابنه مصطفى يراسل قادة الإنكشارية ويحرضهم على الانقلاب على والده، وقدم-رستم-أوراقًا مزورة رتبها مسبقًا مع روكسلان تفيد بوجود مراسلات بين شاه زاده مصطفى والشاه الصفوي، يعد فيها مصطفى الشاه بالمصاهرة والتحالف لو ساعده على التخلص من أبيه السلطان سليمان!

ولما كانت الحليفان روكسلان ورستم قد تمكنا من ثقة وعقل سليمان القانوني، فقد صدق الادعاء بسرعة ويسر، ودون تدبُر سارع باستدعاء ابنه وولي عهده إلى خيمته.. وفي الخيمة تم إعدام الابن خنقًا أمام أبيه ثم نُقِلَت جثته لتُدفَن في مدينة بورصه.. وإمعانًا في التنكيل بضحيتها، سارعت روكسلان بإرسال من يخنق الطفل الرضيع لولي العهد المقتول!

لم يمر مقتل مصطفى مر الكِرام، فقد ثار غضب الجند لما جرى له، فحاول السلطان تهدئتهم بعزل رستم باشا وتعيين أحمد باشا للصدارة العُظمى، فسعت المرأة الدموية للوقيعة بينه وبين السلطان الذي عزله وأعدمه واعاد رستم باشا لمنصبه، ثم فقد السلطان وركسلان ابنًا آخر هو الأصغر "جهانكير" الذي كان شديد التعلق بأخيه الأكبر فمات كمدًا.

فصار الآن للعرش وريثان هما على التوالي سليم وبايزيد.. وأخيرًا توفيت روكسلان/خوروم قبل أن تشهد حسم ذلك الصراع العائلي الدامي

مزيدًا من قتل الأبناء بموافقة السلطان:
لم ينقطع خيط الدم في بيت سليمان القانوني بموت زوجته الأثيرة المتوحشة.. فقد وقعت الوحشة بين ابنيها سليم وبايزيد.. وكان هذا الأخير أميرًا قديرًا مشهورًا بالفضائل والثقافة فضلًا عن خبرته العسكرية من خلال مشاركته في حملات أبيه، وطوافه بولايات السلطنة سواء في بلاد العرب أو غيرها.

ومال السلطان لابنه سليم على حساب بايزيد الذي حاول أن يحارب أخيه لكنه هُزِمَ في المعركة، فهرب بايزيد إلى بلاط الشاه الفارسي لاجئًا إليه..

فأرسل السلطان سفارة للشاه الفارسي-وكانت بينهما معاهدة سلام-يرشوه بمبلغ كبير من المال مقابل أن يتخلص من ابنه بايزيد.

وبالفعل قام الشاه الصفوي بالغدر بضيفه، وقُتِلَ بايزيد وأبناءه الأربعة وبُعِثَت جثامينهم إلى سليمان القانوني الذي بعث إلى مدينة بورصه من يقتل الابن الخامس لبايزيد! وهكذا استقرت ولاية العهد لسليم الثاني..

وأما الوزير الداهية رستم فكان قد وافاه أجله بعد حياة حافلة بالمؤامرات، وقد اشتهر بالارتشاء وبيع المناصب وجمع الثروة من مصادر غير شرعية إلى حد أن المؤرخ العثماني بجوي إبراهيم أفندي يعدد في تركته نحو 100 حِمل من النقود والسبائك الفضية و1000 مزرعة في الأناضول وولايات الرومللي و170 مملوكًا و2900 فرسًا و1160 جملًا و600 سرج فضي و500 سرج مرصع بالذهب و1100 عمامة موشاة بالذهب و860 سيفًا مرصعًا و1500 خوذة فضية، هذا بخلاف المجوهرات والأواني والتحف وما إلى ذلك!
وكل ذلك تحت أنف "ظل الله في الأرضين مجدد الملة المحمدية" السلطان سليمان القانوني!

بمقتل كلا من مصطفى ثم بايزيد خلا العرش لسليم الثاني الذي يذكر المؤرخون أنه كان بداية دخول الدولة العثمانية في مرحلة "الاضمحلال".. حيث لم يكن بكفاءة أخويه القتيلين بل كان خاليًا من مؤهلات الحكم والقيادة
أي أن سليمان القانوني كان قد قضى عمره يوطد أركان إمبراطورية واسعة قوية، ثم أنهى مسيرته بأن أسلم نفسه لألاعيب إمرأة دموية، وتدابير وزير فاسد مرتشي، وتهافت ولي عهد غير كفء.. وقضى بنفسه على من كان كلًا منهما أهلًا لخلافته، ولوث عهده بدماء ابنيه وأحفاده..

ورغم ذلك يجد من يحصنه من كل نقد ويقذف ناقده بالاتهامات في خلقه ودينه، ومن يرفعونه لمصاف العظماء من القادة والملوك والسلاطين المسلمين إلى حد وصفه بأنه "مجدد الأمة المحمدية"!
لا أنكر أن لفترة حكمه جوانب أخرى قد يكون بعضها إيجابيًا (من الزاوية العثمانية بالطبع لأنه من الزاوية العربية مجرد محتل) وبطبيعة الحال فإن من الإساءة للموضوعية التاريخية تناول جانب واحد من شخصية تاريخية..
ولكني أقدمه نموذجًا للتناول أحادث الجانب للتاريخ من قِبَل هؤلاء العثمانيون الجدد الذين ينتقون من سير "رموزهم" فقط ما يخدم دعايتهم للدولة العثمانية وللدعاوى المتهافتة لإحيائها.

عن "سكاي نيوز عربية"

للمشاركة:

الإمارات تكافح فيروس كورونا في سوريا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-03-30

بسام بلان

كصحفي مقيم في دولة الإمارات منذ سنين طويلة، ومواكب لتوجهاتها كافة، لم أتفاجأ أبداً بمبادرة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، بالاتصال بالرئيس السوري بشار الأسد وإعلان تضامنه مع سوريا المصابة، ككل دول العالم على اختلاف تصنيفاتها، بوباء فيروس كورونا وإبداء سموه كامل الاستعداد لتقديم الدعم والمساندة لإيقاف انتشار هذا الفيروس القاتل ومنع تفشيه بين السوريين، بعدما عجزت معظم الدول الموبوءة به عن احتوائه والقضاء عليه حتى الآن.

وأزيد على ذلك بالقول: كنت على ثقة تامة بأنني سأسمع مثل هذا الخبر وسأرى بأم العين قوافل المساعدات الطبية والإنسانية الإماراتية تحط رحالها في سوريا وهي محملة بكل ما من شأنه مؤازرة الشعب السوري، الذي دمرت الحرب المتواصلة عليه منذ أكثر من تسع سنوات معظم البنى التحتية لنظامه الصحي والاقتصادي، وبات في مهب رياح لعبة أمم قذرة تتقاذفه بحسب المصالح والأهواء والطموحات الشخصية.

فالإمارات التي غلّبت، على الدوام منذ نشأتها، الجانب الأخلاقي والإنساني على أي حسابات سياسية، لم تتأخر أبداً عن إرسال المساعدات الطبية والغذائية للشعب الإيراني لمواجهة محنة كورونا الصعبة رغم خلافها العميق والجوهري في أكثر من ملف مع النظام الإيراني، فكيف ستتأخر إذًا عن إغاثة سوريا الشقيقة في مثل هذه الظروف؟.

ومن هنا كان رهاني، ومثل كل مرة جعلتني دولة الإمارات وقيادتها الرشيدة أكسب الرهان.

أنا متيقن من أن هناك أصواتا ناشزة كثيرة ستخرج للتشويش والتشكيك ومحاولة تسييس هذه الخطوة المحض إنسانية، ولكن دولة الإمارات وقادتها لم يكترثوا يوماً لمثل هذه الأصوات، وبوصلتهم على الدوام تعميق وتجذير إرث الوالد المؤسس المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، الذي لم يتأخر يوما عن إغاثة ملهوف أو محتاج في طول كوكب الأرض وعرضه، وهو صاحب الكلمة الفصل المضيئة في وجدان كل عربي عندما قال يوما: "البترول العربي ليس أغلى من الدم العربي".

وها هو الشيخ محمد بن زايد يؤكد بمبادرته تجاه سوريا أن الشقيق سند الشقيق مهما حصل بينهما من تباعد، وأن السياسة عمل يومي يحتمل الخلاف والاختلاف والمخاصمة، فيما مبدأ الأخوة لا يخضع لمعطيات أو تقلبات العمل السياسي، لأنه من الأصول الثابتة للشعوب الحيّة التي تبني عليها وتورثها لأجيالها.

وليس بخافٍ على أحد أن دولة الإمارات حافظت خلال العام 2018، وللعام الخامس على التوالي على مكانتها ضمن أكبر المانحين الدوليين في مجال المساعدات التنموية الرسمية قياسا لدخلها القومي بنسبة 1.31%، وبما يقرب من ضعف النسبة التي حددتها الأمم المتحدة مقياسا عالميا لقياس جهود الدول المانحة والبالغ 0.7 في المئة.

كما احتلت دولة الإمارات المركز الأول عالميا بوصفها أكبر جهة مانحة للمساعدات الخارجية في العالم عام 2017، وفقا للبيانات التي أعلنتها لجنة المساعدات الإنمائية التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

وقد حددت قيادة الإمارات الرشيدة نهجا واضحا يقوم على قطع أي صلة بين المساعدات الإنسانية التي تقدمها وبين التوجهات السياسية للدول المستفيدة منها، وإنما تراعي في المقام الأول الجانب الإنساني الذي يتمثل في احتياجات الشعوب، ما جعلها تحظى باحترام وتقدير بالغيْن في كل المحافل الدولية. والمتابع لهذه الجهود العملاقة يتأكد له بالدليل القاطع أن الذراع الإنسانية لدولة الإمارات يقف خلفها جيش من الكفاءات البشرية المدربة على العمل والبناء وتنفيذ المشاريع وإغاثة الفئات الاجتماعية الأكثر ضعفا على اختلافها، دون تمييز بين دين أو مذهب أو قومية أو عرق.

كما يقف خلفها أيضا قناعة راسخة بأن الإمارات، بجوهرها، أكبر من دولة.. فهي رسالة إنسانية قبل كل شيء؛ مفرداتها العطاء والتسامح والتسامي فوق أي خلافات أو اختلافات أو مصالح ما دامت هذه المساعدات ستصل إلى مستحقيها.. قناعة قامت على فلسفة مستوحاة من فطرة إنسانية خالصة عبر عنها المرحوم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيّب الله ثراه بقوله: "الأرض أرض الله والخير خير الله"، وفي ذلك تلخيص مُحكم لجوهر كل ما قيل وكُتب في هذا الشأن، فضلاً عن كونها تختصر بحكمة بالغة وصايا الرسل والأنبياء.

لا أجد أي موجب للقول إن دولة الإمارات وقيادتها لم تكن يوما ولن تكون بحاجة لمن يتحدث عنها، وهي التي أفعالها تسبق على الدوام أقوالها، ولكن الواجب الأخلاقي أيضا يملي علينا الإضاءة على كل فعل أو مبادرة أو خطوة هدفها إنقاذ حياة ولو إنسان واحد أينما كان على سطح هذه المعمورة، أو ستسهم في تغيير حياة إنسان واحد نحو الأفضل. ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله.

أنا على ثقة تامة بأن الشعب السوري بكل فئاته وعلى اختلافه وتنوعه، لن ينسى لدولة الإمارات ورجالاتها الأوفياء لعهود الأخوة والإنسانية هذا الموقف الأخلاقي المؤثر، وسيتوارثه السوريون بكل حب وامتنان من جيل إلى جيل، لأن العطاء في وقته ومكانه لا يوازيه عطاء مهما كان حجمه ومهما جزلت الأيادي فيه.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية