كيف نحارب الإرهاب والتطرف بالتعليم؟

880
عدد القراءات

2018-04-03

من يمعن النظر في الحديث الدائر حول تعديل مناهج التعليم من أجل محاربة المتطرفين والإرهابيين، الذين يتوسلون بالدّين، أو يتّخذون منه مبرراً وغطاءً لعملياتهم الإجرامية، يجده ينطوي، في الغالب الأعم، على مناداة بتجهيز مناهج لتدريس مادة التربية الدينية، تختلف عن تلك المقررة الآن؛ حيث يتم التركيز فيها على قيم التعايش والتسامح، وفهم الآخر، والإقرار بالتنوع الإنساني، لكنّ هذا المسعى لا يزيد عن استبدال نصوص بأخرى، واستشهادات بغيرها، ولا يعني تغيير طريقة التفكير في التدين باعتباره تجربة فردية.

ويتطلب التفكير في مناهج تعليمية دينية مختلفة، يكون بوسعها محاربة أو مواجهة التطرف والإرهاب، مراعاة عدة مسائل هي:

1 ـ من الضروري أن تتضمن المناهج التعليمية ما يساعد على كشف؛ بل فضح، منهج التفكير عند أتباع الجماعات والتنظيمات، التي توظف الإسلام في تحصيل السلطة السياسية والثروة والمكانة، كنموذج للمغالطات المنطقية الفادحة؛ حيث نجد أنّ النتائج تسبق المقدمات في كتابات هذا التيار، فهم يحدّدون الموقف الذي يحقق مصلحتهم أو منفعتهم، ثم يبحثون في النص القرآني والأحاديث المنسوبة للرسول، عليه الصلاة والسلام، والمقولات الفقهية، والأسانيد التراثية، والوقائع التاريخية، عما يبررون به الموقف، أو يجدون له تخريجات شكلية، خاصة إن كان مجروحاً من الناحية الأخلاقية أو العقلية، ومثل هذا المسلك يحتاج إلى الردّ عليه، وتفكيكه، وكشفه أمام الأجيال الجديدة، حتى لا تنطلي عليها مقولات هذا التيار، بدعوى أنّها تمثل صحيح الدين، أو طريقه المستقيم.

لا يمكن أن يكون هناك حديث جاد عن تعديل المناهج التعليمية لمحاربة الإرهاب، طالما استمرت مناهج التعليم تخاطب الذاكرة فقط

2 ـ لا يمكن أن يكون هناك حديث جاد عن تعديل المناهج التعليمية لمحاربة الإرهاب، طالما استمرت مناهج التعليم تخاطب الذاكرة فقط، وتعتمد على الحفظ والترديد، فيبدو المدرس والطالب، كأنّهما أعمى يقود أعمى، فمثل هذه الطريقة جعلت التعليم يتحول إلى "بيئة حاضنة للتطرف"، تقوم على سيادة التلقين، وتعطيل الفكر النقدي الذي يعصم صاحبه من أن يكون صيداً سهلاً للمتطرفين.

3 - لا بدّ من الالتفات إلى "المنهج الخفي"، وهو ما يزرعه المعلمون في رؤوس طلابهم من آراء وثقافات خاصة بهؤلاء المعلمين، ولا يكون لها علاقة بالمنهج الدراسي المقرر، وتزيد هذه العملية في ظلّ غياب رقابة الأجهزة التعليمية الرسمية، سيما مع استهداف المتطرفين للمدارس منذ عقود، كأسهل باب لبثّ الأفكار، وتجنيد الأتباع.

4 ـ من الضروري التوقف عند إطلاق اصطلاح علم على الرؤية الدينية، فهي معرفة إنسانية على أقصى تقدير، بعضها قد يتوسل بالتفكير العلمي، سيما في مجال الفقه، لكنّ هذا التوسل، في درجته الأقصى، يظلّ أقل بكثير مما يقتضيه العلم أو التفكير العلمي، فالعلم يروم الحقيقة بلا قيود ولا حدود، بينما الفقه، إن وجد نصاً اتخذ منه مقام الحقيقة، وكان هو غاية ما يصل إليه. ومن هنا يتحول العلم الديني إلى طريقة شكلية، يبدو أنّ ظاهرها علم، بينما باطنها ليس كذلك، وهي في نهاية الأمر، ترمي إلى التعمية على الهدف الحقيقي، واعتبار النصّ هو الغاية أو الإطار النهائي، مع الإفراط في تحديد هذا النصّ، وهذا لا يمكن أن يكون علماً بالمعنى المحض، إنّما تصبح أقصى ما يتم الوصول إليه في هذه الحالة؛ هو تطويع العلم ليوافق تأويل النص.

5- من المهم التنبّه إلى ما يقوم به التيار الديني المتطرف من خلط المعرفة بالدعاية والأيديولوجيا، والذي يتجلى في أكثر صوره تكثيفاً، فيما يسمى بـ "إسلامية المعرفة"، التي تؤدي في تطبيقها إلى تطويع العلوم لتصورات أيديولوجية، الأمر الذي يفقدها علميّتها إلى حدّ بعيد.

يجب تحويل المؤسسات القائمة على التعليم إلى بيئات تعليمية جاذبة ومحببة للمتعلمين

6 ـــ من الواجب تضمين مناهج التعليم مساقاً في التربية الأخلاقية؛ لأنّ غيابها حوَّل العبادات إلى مجموعة من الطقوس الجوفاء، وجعل المعاملات تقوم على النفعية سواء بتحصيل مكاسب دنيوية عاجلة، أو السعي إلى الفوز بمكاسب أخروية آجلة، عبر جمع الحسنات في عملية حسابية جافة، يظنّ صاحبها أنّ بوسعه أن يربح إن تعامل مع عدل الله، وليس رحمته وفضله، تطبيقاً لفقه وتفاسير تتحدث له في هذا الاتجاه الذي يميل إلى ظاهر النصوص.

7 - من الضروري أن تتضمن المناهج التعليمية مساقاً معتبراً للتربية المدنية، يقوم على المواطنة الفعالة، والعمل للصالح العام أو الخير المشترك، وخدمة المجتمع، والإيمان بضرورة التعددية والتنوع، وتعزيز قيم الأصالة دون الانغلاق على الذات والانقطاع عن العالم، والتصادم مع التقدم، والوقوف ضدّ المعرفة والعلم، وتعزيز الثقافة السياسية.

8 - من الضروري تحديد العقدي وتضييقه، بعد أن أفرط أتباع الجماعات الدينية المتطرفة في توصيف، أو تعيين، ما هو من العقيدة، الأمر الذي وسّع باب التكفير، وزاد من التأثير الجارح لمسألة "الولاء والبراء".

من المهم التنبّه إلى ما يقوم به التيار الديني المتطرف من خلط المعرفة بالدعاية والأيديولوجيا

9 ـــ يجب تحويل المؤسسات القائمة على التعليم إلى بيئات تعليمية جاذبة ومحببة للمتعلمين، وتقوم على مبدأ التربية وفق قيم التسامح، والمواطنة، والعقل، والتفكير الحرّ، وعدم تقديس نصوص القدامى، أو رفعها من مرتبة الرأي إلى مرتبة النص الديني الملزم، ونبذ التعصب والعنف المادي واللفظي والرمزي، واحترام الآخر، ومواجهته بالحوار والحجة، والاعتراف بالحق في التنوع والاختلاف، وإعلاء روح الجماعة والمصلحة العامة، بدلاً من الأنانية والتطرف والأثرة والانغلاق، وتنمية مفاهيم ومهارات النقد المعرفي والعلمي والتعلم الذاتي، ولا بدّ من أن تجد هذه المنظومة من القيم مكانها في البرامج الدراسية المقررة في المدارس والجامعات، من أجل أن تتشبع بها الأجيال الجديدة والقادمة، وتتحلّى بها في التفكير والتعبير والتدبير.

10 - يجب أن تلتفت المناهج التعليمية إلى تدريس عدد من المساقات مثل؛ المواطنة، التي تتضمن معالجة مسائل الحقوق والحريات العامة، والمسؤوليات في مجتمعات متنوعة، والعدالة، والهوية، ومفهوم "الانتماء"، وكذلك دراسة تاريخ الإبادة والفظائع الجماعية، بغية إشراك الطلاب في تأمل الآثار المدمرة للكراهية والعنصرية والعنف، ودراسة مناهج تعلم احترام التنوع الديني والمذهبي وتجنب الانزلاق إلى السجال العقائدي، وتطوير مهارات النقاش الشفاهي مع الآخرين، ودراسة الفنون التي تعمق المشاعر، وترقق الإحساس؛ إذ "من النادر أن يتطرف من في نفسه حظّ من فنّ".

11 - يستلزم تطوير التعليم ليس فقط الدراسة والبحث واستخراج النتائج؛ بل اقتناع المسؤولين والعاملين في قطاع التعليم بأهمية التطوير وضرورته، وإشراك وسائل الإعلام في توعية المواطنين بأهداف وأهمية هذا التطوير؛ فالتعليم كان في المجتمعات القديمة يقوم على أساس خدمة الأشخاص الذين يتعلمون، في حين اتّسع مفهومه ليصبح المتعلم شخصاً قادراً على التمكن من تحقيق مزايا لنفسه، ونفع المجتمع المحيط به.

إلى جانب هذا، تبدو هناك ضرورة لتربية أجيال من المتعلمين المستنيرين ورعاية المبدعين وزيادة جرعات المعرفة والعلم، من خلال عدة عناصر، أهمها: القدرة على اتخاذ القرار الرشيد، وإجراء توازن بين العقل والعاطفة، والتحكم في الذات ونفع الآخرين، والتفرقة بين الضرورات والحاجيات والتحسينات، مع العمل على وجود التوازن بين الدين والتعليم لخدمة الناس.

اقرأ المزيد...

الوسوم: