3 كاتبات لبنانيات عن أحلام العام الجديد: الأمل في الثورة

بانوراما 2019

3 كاتبات لبنانيات عن أحلام العام الجديد: الأمل في الثورة

مشاهدة

02/01/2020

ختم لبنان عام 2019 من دون أن يغلق الباب وراءه؛ إذ ستعبر ثورة 17 تشرين الأول (أكتوبر) من الباب المفتوح إلى عام 2020، مؤكدة المطالب التي رفعها  اللبنانيون، والقلق الذي سببوه لرجال السلطة الحاكمة، الذين فشلوا في استيعاب مطالب الشارع منذ بداية الانتفاضة، التي أدّت إلى إسقاط حكومة سعد الحريري، وارتفاع سقف مطالب الشعب اللبناني، الذي يتحضر للوقوف ضدّ حكم المصارف وسياساته النيو-ليبرالية، إضافة إلى محاولة السلطة السياسية بأحزابها وإعلامها وبلطجيتها إشعال الفتنة، ومحاولة إحداث شروخ في صفوف المتظاهرين.


شكَّلت ثورة 17 صوراً جديدة للبنان، لعلّ أبرزها كان الشعارات والهتافات العابرة للطائفية، والتقاء الناس على الأرض من كافة الطوائف رافعين شعارت تطالب في تغيير الطبقة الحاكمة برمتها، بل تغيير النظام الطائفي كلّه، ومحاسبة المسؤولين الفاسدين ومقاضاتهم.

اقرأ أيضاً: "حزب الله" يتلاعب بديمقراطية لبنان
تضامن الثوار مع بعضهم في كلّ المناطق، منعاً لأيّة فتنة تدفع لإحداث انقسام في الخطاب الثوري والمطالب الموحدة لكلّ اللبنانين، ليوجّه ثوار طرابلس التحية والتضامن لثوار النبطية، على سبيل المثال، عندما حاولت حركة أمل وحزب الله فصل أهالي النبطية عن الثورة وقمعهم، لكنّها فشلت، كما كشفت الثورة عن حراك نسوي ثوري على الأرض فرض مطالبه ووجوده، رغم محاولة بعض المنصات الإعلامية، والسوشيال ميديا تنميطه وتسطيحيه.
"حفريات" التقت ثلاث كاتبات لبنانيات، شاركن في الثورة اللبنانية وتأمّلن أحداثها واستمراريتها ودخولها عام 2020. 
الكاتبة اللبنانية ميموزا العراوي

ميموزا العراوي: الصورة المُشتعلة
تقول الكاتبة اللبنانية ميموزا العراوي: "يصعب الاختصار في بضع كلمات ماذا عنت لي هذه الثورة منذ بدايتها كإنسانة وفنانة وكاتبة من جيل الحرب اللبنانية؛ لعلّني استطيع أن أقارب ذلك عبر دعوتكم بأن تتخايلوا معي أنكم تنظرون إلى صورة فوتوغرافية تُمثل مشهداً عادياً جداً من حياتكم اليومية، شرط أن تكون الصورة قد أُخذت بظروف ضوئية قصوى جعلت ألوانها مُتفجرة وشبه مُحترقة، ألوان تراوحت بين تدرجات الأحمر والأصفر الملسوع بأبيض خارق، ألوان تنضح بذكريات مُتدفقة انسكبت أمام أنظاركم لتعود كأنها في طور التشكّل، ذكريات عن أحباب قتلوا، وآخرين غادروا وأحلام اُجهضت وأمنيات بقيت أمنيات لم تفقد وهجها".

باسكال مراد: بعد الثورة، شعرت للمرة الأولى أنّني أحبّ بيروت، ولا أريد أن أغادرها "مضطرة" مع أولادي

تعيش ميموزا هذه "الصورة" المُشتعلة اليوم بكلّ حذافيرها، وكأنّها إعادة لـ "صلة رحم" مع ما قُطع قصراً حين أُعلن عن الانتهاء المزعوم للحرب اللبنانية، عام 1992، بحسب تعبيرها.
وترى أنّ الثورة اللبنانية كانت "مُحركاً لكلّ ما تمنيته لوطن لم يزل يرزح تحت سلطة أسياد الحرب الذين أماتوه مرتين: مرة خلال الحرب ومرة عند عودتهم إليه كرجال في السلطة مع من أحضروهم من أشخاص جديدة تشبههم".
تقول: "عندما تشكّل الثورة كلّ هذا وأكثر، لا يمكن عند اصطدامها المتزايد بإصرار السلطة الفاسدة على تحدّي قرار الشعب من ناحية، والارتهان بأطماع الخارج من جهة أخرى، أن تستسلم هي وقرارها الصعب "بسلمية" الانتفاضة للآفات التي التهمت البلد"، كما ترى أنّه "بات من الواضح أنّه على الثورة أن تتحصن بنفَس طويل، نظراً لإصرار الطبقة الحاكمة على إخضاع إرادة الشعب".

اقرأ أيضاً: الثورة اللبنانية والتنانين الأربعة
وتضيف: "أمام إصرار الثورة؛ لم تتوانَ هذه السلطة عن إثارة النعرات الطائفية البالية، معتقدة أنّ ما كان ممكناً في السابق لم يزل ممكناً اليوم، وساهمت طبيعة الشعب اللبناني التي تمرست لأعوام على ترويض المآسي التي وصلت أحياناً كثيرة إلى حدّ السوريالية أن تتيح له تحويل الكثير من الوقائع إلى هزلية قبيل تذليلها".


وعن الأزمة الاقصادية في لبنان، تُعلّق ميموزا: "الكارثة الاقتصادية تشدّ خناقها على الشعب، غير أنّها لم تستطع إلى اليوم أن تبهت الثورة، بل جعلتها تعتمد أساليب إضافية في العمل، إضافة إلى حشد المظاهرات في مختلف المناطق اللبنانية، وقد شهد لبنان، وما يزال، حملات دعم اجتماعية من كلّ الأعمار قامت بها مجموعات من الشعب اخترقت الحواجز الوهمية بين المناطق والأعمار، وقاربت بين ناس رضخوا طويلاً تحت نير كيد السلطات المُقنع بحسن النية".

اقرأ أيضاً: اللبنانيون يعرفون من أوصلهم للتسول
وأضافت: "إن كان الجيل الجديد هو شعلة الثورة فجيل الحرب هو وقودها، أما الجيل الأسبق فهو الحزن الذي ارتسمت على وجهه ابتسامة عكّر فرحها حنين إلى ماض مُشرق".
وتختم ميموزا كلامها: "ما أعيشه اليوم، إلى جانب "الصورة" المُشتعلة، هو ما تختصره كلمات المفكر غاستون باشلار التي وضعها في سياق لا دخل له بالثورات"، ويقول: "الصورة الشعرية ليست صدى لماض بعيد، على العكس؛ عبر أيّ مشهد مُشرق، يبرُق الماضي السحيق بأنواره، ليكون شعاراً للذاكرة وللهوية الشخصية والجماعية".
الكاتبة اللبنانية رولا الحسين

رولا الحسين: ثورة على منظومة الفساد
أما الكاتبة اللبنانية، رولا الحسين، فقالت: "التحديات كثيرة وكبيرة، ومنذ اليوم الأول؛ فالثورة ليست فقط مرتبطة بأشخاص، إنما على نظام كامل تمّ اعتماده منذ انتهاء الحرب الأهلية، وخلال تلك السنوات، ومنذ عام 1990 تقريباً، تغذّى هذا النظام على كلّ أشكال المحاصصة والطائفية والاستنسابية على حساب المواطنة، كما أنّه أعطى لقطاع المصارف دوراً عملاقاً نرى تداعيته الاقتصادية الخطيرة الآن".

رولا الحسين: الوضع في 2020 ليس سهلاً؛ لأنّ سلطة الأحزاب كبيرة، ولن تقبل بالأصوات التي تنادي بإسقاطها وإسقاط قياداتها

وترى رولا أنّ "ثورة 17 تشرين الأول (أكتوبر) هي ثورة على منظومة فساد متكاملة لا تستثني أيّ قطاع، أو أيّ حزب، أو أيّ سياسي؛ لأنّ الجميع كان مشاركاً بشكل من الأشكال إن لم يكن منفذاً فمسهِّلاً أو ساكتاً، وهذا النظام الذي لم يتمكن من إقامة مؤسسات (ببساطة لأنّ المؤسسات ضدّ مصالحه) استطاع أن يمدَّ جذوره عميقاً، كأسلوب حياة ونمط تفكير"، بحسب تعبيرها.
وترى رولا أنّ التحدي اليوم "هو أن تقنع من ليس معك بالشارع أن ينزل إلى الشارع، وأن يرى أنّ ما يحصل عليه لقاء ولاء طائفي أو حزبي لا يقارن بما سيحصل عليه عند قيام دولة ومؤسسات، وأنّ المواطنة هي ضمان المساواة والعدالة الاجتماعية، لا المحسوبية التي تأتي عليه بفوائد آنية وتسحب منه في أيّ وقت".


وتضيف: "ولن يكون المطلوب سهلاً؛ لأنّ سلطة الأحزاب كبيرة، ولن تقبل بالأصوات التي تنادي بإسقاطها وإسقاط قياداتها، وهذا كان واضحاً جداً، على الأقل في الأيام القليلة الفائتة، ستزيد من خلال جمهورها استخدام الأساليب التي تتقنها جيداً: تخويف، تخوين، تهديد، مواجهة، ستستخدم كلّ الأوراق قبل أن تسقط".

اقرأ أيضاً: أين وصلت الأزمة اللبنانية؟
وعلَّقت رولا، بدورها، على الأزمة الاقتصادية بقولها: "في حين أنّ الأزمة الاقتصادية التي بدأنا نشهد ملامحها، والتي تُنذر بانهيار قريب لن تميز بين أحد؛ فالمصارف التي حدَّدت سقف السحوبات على صغار المودعين، وتسريبات كثيرة تشير إلى أنّ بعض هذه المصارف على وشك الإفلاس، وعندما يحصل لن يكون المتضررون فقط من هم بالشارع وينادون بتأميم المصارف".
وتختم رولا كلامها: "أمام كلّ هذه التحديات، قرار الشارع واضح: هذه ثورتنا، والشارع شارعنا، نريد دولة ولن نقبل أن تكونوا أنتم على رأسها بعد الآن. وستحاسبون".
الكاتبة والمعالجة النفسية اللبنانية باسكال مراد

باسكال مراد: حين أطلق الجميع صرختهم
أما الكاتبة والمعالجة النفسية اللبنانية، باسكال مراد، فرأت أنّ الثورة منذ بدايتها كانت صادمة "وإذا كنا نذكر ما حدث قبل انطلاقة الثورة بأيام قليلة؛ حيث اشتعلت الحرائق بأكثر من منطقة في لبنان، وكأنّ هذه الحرائق كانت سبباً ضمن أسباب كثيرة تراكمت فوق بعضها، لتدفع الناس إلى النزول للشارع، فالوضع بات لا يحتمل أبداً".
كما قارنت باسكال بين بداية ثورة 17 وما حدث في 22 آب (أغسطس) 2015، عندما أكلت النفايات البلد، ما دفع الناس للتحرك، ورفع شعار "طلعت ريحكتم"؛ كإشارة لرائحة النفايات في الجوّ ورائحة فساد المسؤولين، وتقول: "كان الشعور العام في ذلك الوقت، هو أننا اختنقنا جميعاً، وبتنا غير قادرين على التنفس، شعرنا بأنّ النفايات على وشك أن تطمرنا جميعاً؛ لذلك أطلق الجميع صرخته في ذلك الوقت، وكان صراخنا وهتافاتنا في الشوارع والساحات من أجل أن نتنفس، وهذا ما حدث في 17 تشرين الأول (أكتوبر) من العام الجاري؛ أننا لم نعد قادرين على التنفس".

اقرأ أيضاً: لبنان واجتثاث الطائفية
وترى باسكال أنّ السلطة الحاكمة مازلت مستمرة في استنادها على خطاب الحرب تقول: "من في السلطة اليوم، هم ذاتهم من كانوا في الحرب الأهلية، أنا ولدت وعشت في زمن الحرب الأهلية، وأعرف هذا الخطاب جيداً؛ فهذا الخطاب على مستوى البيئة المسيحية مثلاً يوجد ميشيل عون وسمير جعجع، وفي البيئة الشيعية حزب الله وحركة أمل، وكذلك عند السنّة، ...إلخ".


وترى باسكال أنّ من في السلطة اليوم لم يتوقفوا عن استغلال الناس من خلال خطابهم الطائفي المعهود، في إشعال الفتنة والحرب الأهلية، لكن هذا الخطاب بات اليوم من دون أيّ صدى بعد ثورة 17، وللمرة الأولى تشعر السلطة الحاكمة وأحزابها بالعجز، ولم يعد هناك جدوى من إعادة وتكرار هذا الخطاب منذ ثلاثين عاماً إلى اليوم.
تقول باسكال: "جيل الشباب اليوم لم يعش الحرب الأهلية، وولد وعاش بعدها، هذا الجيل لا يعرف هذا الحقد الذي يبثّه رجال السلطة على مسامعهم، وهم على وعي وإدراك بحقوقهم المدنية والاجتماعية والسياسية، ولن يؤثر فيهم الخطاب الذي يقول له "انتبه هناك لحقوق المسيحيين أو انتبه لحقوق الشيعة أو السنّة!"؛ هذا الخطاب الذي يشيطن الآخر، لم يعد له مكان".

اقرأ أيضاً: لبنان.. هل تحمل الأيام المقبلة تطورات إيجابية؟
وترى باسكال أنّ هناك أملاً كبيراً بالثورة في إحداث تغيير جذري وعميق، لدفع هذا البلد إلى الأمام، يقود لبنان لإقامة دولة علمانية ومدنية، تضمن للبنانيين حقوقهم المدنية، ويكون فيها قانون أحوال شخصية مدنية، وأن يكون هناك الحقّ للمرأة المتزوجة في حال فكّرت بالطلاق، دون أن يجري تهديدها بحرمانها من حضانة أبنائها، أو تكون مهددة من قبل رجال الدين، سواء كان شيخاً أو خورياً، ليتحكموا بمصير حياتها، بحسب تعبيرها.
تقول باسكال في نهاية حديثها: "بعد الثورة، شعرت للمرة الأولى أنّني أحبّ بيروت، ولا أريد أن أغادرها "مضطرة" مع أولادي، لأعيش في مكان آخر، صحيح أنّ هذه المدينة خذلتني كثيراً في فترة الشباب، لكن اليوم أشعر أنّ لدي حرية الاختيار بأن أحبّ بلدي، وأكون مواطنة مدنية فاعلة سياسياً واجتماعياً على الأرض".

الصفحة الرئيسية