هل يمكن الحديث عن الإسلام السنغافوري؟

هل يمكن الحديث عن الإسلام السنغافوري؟

مشاهدة

26/01/2021

ترجمة وإعداد: محمد الدخاخني

عام 1959؛ تمكّنت سنغافورة من الحصول على الحكم الذّاتي، وبُعيد ذلك أصبحت جزءاً من اتّحادٍ ضمّ مالايا وبورنيو الشّماليّة وساراواك، لكن سُرعان ما أُخرِجَت من الاتّحاد وعادت دولةً مستقلّة، وعلى مدار العقود الماضية، خاضت مشاريع تنميةٍ ضخمةٍ وأبقت على معدّلات نموٍّ عالية لتحتلّ مكانةً بارزةً ضمن "النّمور الآسيويّة الأربعة"، إلى جانب كوريا الجنوبيّة وتايوان وهونغ كونغ.

يفخر السّنغافوريون، الذين تحكمهم دولة علمانيّة، بتعدّديتهم، لا سيما مقارنةً بالجارتين، إندونيسيا وماليزيا؛ حيث تلعب الإسلامويّة فيهما دوراً رئيساً في الحياة السياسيّة والاجتماعيّة

وحتى العام الماضي؛ كانت سنغافورة تعدّ أغلى مدينة في العالم، وهي مقصد نخبته الأكثر ثراءً وصاحبة أكبر فجوةٍ بين الأغنياء والفقراء على الأرض، وبالرّغم من الرّكود الاقتصاديّ الذي أصابها جرّاء جائحة "كوفيد-19"، يتوقّع خبراء انتعاشةً هذا العام.

غير المعتنقين لدينٍ مُحدّد

يأتي مسلمو سنغافورة بعد البوذيّين والمسيحيّين، وغير المعتنقين لدينٍ مُحدّد، من حيث العدد، ويُرسِلُ عددٌ مُعتبرٌ منهم بناتهم وأولادهم للتّعلّم في المؤسّسات التّابعة للأزهر الشّريف في مصر، وفي أيار (مايو) 2018؛ زار شيخ الأزهر، الإمام الأكبر الدّكتور أحمد الطّيّب، سنغافورة؛ حيث التقى مسؤولين رسميّين وممثّلين عن المجتمع الإسلاميّ، وذلك ضمن جولةٍ آسيويّةٍ ضمّت أيضاً إندونيسيا وبروناي. وقد أشاد الطّيّب، وهو أيضاً رئيس مجلس حكماء المسلمين، بتنوّع وتعايش المجتمع السّنغافوري.

حتى العام الماضي؛ كانت سنغافورة تعدّ أغلى مدينة في العالم

 ويفخر السّنغافوريون، الذين تحكمهم دولة علمانيّة، بتعدّديتهم، لا سيما مقارنةً بالجارتين، إندونيسيا وماليزيا؛ حيث تلعب الإسلامويّة فيهما دوراً رئيساً في الحياة السياسيّة والاجتماعيّة، ومع ذلك؛ تشير جماعات حقوقيّة إلى أنّ سنغافورة ما تزال تعتمد قوانين موروثة عن فترة الاستعمار البريطانيّ، تقف عقبةً أمام الحرّيات الشخصيّة.

اقرأ أيضاً: سنغافورة.. من قرية صيادين فقيرة إلى مركز اقتصادي عالمي

وتحظى الجارة إندونيسيا بطيفٍ واسعٍ من الجماعات الإسلامويّة، والذي يبدأ من السّلفيّين "غير المسّيّسين"، ويمرّ بحركة التّربية المتأثّرة بنهج جماعة الإخوان المسلمين، ويصل إلى حزب التّحرير، الذي حظرته الحكومة عام 2017.

المدّ الدّينيّ المحافظ

 ويؤثّر المدّ الدّينيّ المحافظ الذي يعتقد خبراء أنّه يتزايد في إندونيسيا في الآونة الأخيرة على موقف الدّولة من الحرّيات الشخصيّة والأقلّيات غير المسلمة. ومن جانبها؛ تحتضن الجارة الأخرى، ماليزيا، عدداً من الأحزاب الإسلامويّة التي تخوض غمار السّياسة على أعلى المستويات، مثل الحزب الإسلاميّ الماليزيّ، والجماعات التي تلعب دوراً اجتماعيّاً مقلقاً، مثل جبهة المدافعين عن الإسلام. ورغم أنّ الجماعات، التي توصف عادةً بأنّها متطرّفة، لم تصل إلى السّلطة بعد في ماليزيا، فإنّ بعضها يحظى بحضورٍ قويّ في المجتمع، ويقع على رأس أجندة هذه الجماعات: زيادة قوّة المحاكم الشّرعية التي تتواجد إلى جانب نظيرتها المدنيّة، وتوسيع صلاحياتها لتشمل سلطة البتّ في قضايا أخرى، غير تلك المتعلّقة بالأسرة، وتقليص مساحة الحرّيات التي تحظى بها الأقلّيات غير المسلمة.

يأتي مسلمو سنغافورة بعد البوذيّين والمسيحيّين

ولا يتوقّف الإسلامويّون عن بناء مدارسهم ومؤسّسات التّربية الموازية الخاصّة بهم، ومن الجدير بالذّكر؛ أنّ الحكومة الماليزيّة تعتقد أنّ 100 من مواطنيها قد انضمّوا إلى تنظيم داعش في سوريا والعراق.

مسلمو سنغافورة أكثر سعادة

في 14 حزيران (يونيو) 2019، صرّح ماساجوس ذو الكفل، الوزير المسؤول عن شؤون المسلمين في سنغافورة، إلى جانب تولّيه حقيبة البيئة والموارد المائيّة، قائلاً: إنّ "المجتمعات المسلمة على مستوى العالم تمرّ بأوقاتٍ عصيبة، لكنّ مسلمي سنغافورة في وضعٍ أكثر سعادة، ويمكن أن يكونوا نموذجاً لأقرانهم في البلدان الأخرى"، لقد استطاع هذا البلد الصّغير بالفعل تجنّب مصير جارتيه، وذلك لعددٍ من الأسباب:

 أوّلاً: فرض التنوّع الدينيّ والثقافيّ نفسه على العلاقات السياسيّة والاجتماعيّة، ممّا منع وجود مجموعةٍ دينيةٍ تمتلك أغلبيّةً عدديّةً مطلقةً، وتسعى إلى مصادرة المجال العامّ لصالحها.

فرض التنوّع الدينيّ والثقافيّ نفسه في سنغافورة، ممّا منع وجود مجموعةٍ دينيةٍ تمتلك أغلبيّةً عدديّةً مطلقةً، وتسعى إلى مصادرة المجال العامّ لصالحها

ثانياً: يحتفي القانون بنهج التعدديّة الثقافيّة، ويُلزم الحكومات برعاية مصالح الأقليات العرقيّة والدّينيّة.

ثالثاً: يتمتّع المجتمع المسلم، الذي تدير شؤونه بشكلٍ أساسيٍّ عدة مؤسّسات حكوميّة، على رأسها المجلس الدّيني الإسلاميّ في ماليزيا، بتعدّديةٍ داخليةٍ كبيرةٍ طائفيةٍ ومذهبية.

أخيراً: تمتلك المصلحة الاقتصاديّة نفوذها؛ فسنغافورة كي تكون ملاذاً ضريبيّاً لأثرياء العالم، عليها أن تروّج لنفسها كجنّةٍ للتعدّدية.

الصفحة الرئيسية