هل غيّرت أنفاق حزب الله ميزان الردع في جنوب لبنان؟

هل غيّرت أنفاق حزب الله ميزان الردع في جنوب لبنان؟

هل غيّرت أنفاق حزب الله ميزان الردع في جنوب لبنان؟


22/06/2026

تعود مسألة الأنفاق في جنوب لبنان إلى واجهة المشهد العسكري مجددا، مع تصاعد التقارير الإسرائيلية التي تتحدث عن اكتشاف شبكة واسعة من الممرات والتجهيزات تحت الأرض يُعتقد أنها تابعة لحزب الله، وتضم مخازن أسلحة ومراكز قيادة وسيطرة، بل وتشكل -بحسب الرواية الإسرائيلية- بنية تحتية عسكرية متكاملة قادرة على إدارة العمليات القتالية بعيدا عن الرصد الجوي والاستخباراتي.

ويطرح هذا التطور سؤالا محوريا في المعادلة الإقليمية: هل غيّرت هذه الأنفاق ميزان الردع القائم بين إسرائيل وحزب الله في جنوب لبنان؟

ووفق ما نقلته وسائل إعلام إسرائيلية، أبلغت تل أبيب الولايات المتحدة بأنها رصدت عشرات الأنفاق المجهزة بمعدات عسكرية متطورة يُعتقد أن بعضها من إنتاج إيراني، ويحتوي على غرف قيادة وتحكم واتصالات، بما يمنح الحزب قدرة أكبر على إدارة المعركة من شبكة تحت أرضية محصنة.

وتصف مصادر عسكرية إسرائيلية هذه المنظومة بأنها “مدينة عسكرية تحت الأرض” أو “مركز أعصاب” لوحدات ميدانية تابعة للحزب، في إشارة إلى مستوى التعقيد والتشعب الذي تقول إنه بات يميز البنية التحتية العسكرية في الجنوب اللبناني.

وتكمن أهمية هذه الأنفاق، من وجهة النظر العسكرية، في أنها تقلص بشكل كبير فاعلية التفوق الجوي الإسرائيلي الذي اعتمدت عليه تل أبيب لعقود في إدارة الصراع. فوجود قوات ومخازن أسلحة وغرف قيادة تحت الأرض يعني أن الضربات الجوية، حتى الدقيقة منها، قد تفقد جزءا من قدرتها على تحقيق الحسم أو تعطيل منظومة القيادة والسيطرة.

كما أن القدرة على الحركة داخل شبكة محصنة تمنح المقاتلين هامش مناورة أوسع في بيئة قتال تخضع لمراقبة مكثفة.

وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن هذه الأنفاق لا تقتصر على كونها ممرات للاختباء أو التخزين، بل تُستخدم أيضا كجزء من بنية عملياتية متكاملة تشمل نقل المقاتلين وتنسيق العمليات الميدانية وتأمين استمرارية الاتصال بين الوحدات المختلفة.

وهذا ما يجعلها، في نظر المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، عنصرا قادرا على إطالة أمد المواجهة ورفع كلفة أي عملية عسكرية واسعة في جنوب لبنان.

لكن السؤال الأهم يتجاوز الجانب التقني إلى البعد الإستراتيجي: هل تمثل هذه البنية تحولاً في ميزان الردع؟

تقليديّا اعتمدت معادلة الردع بين إسرائيل وحزب الله على ما يُعرف بـ”التوازن القائم على القدرة على الإيذاء المتبادل”، حيث يمتلك كل طرف القدرة على إلحاق ضرر كبير بالآخر، بما يفرض قيودا على قرار الذهاب إلى حرب مفتوحة.

وفي هذا السياق تبدو الأنفاق كأنها تضيف طبقة جديدة إلى هذه المعادلة، من خلال تعزيز قدرة الحزب على الصمود والاستمرار حتى تحت ضغط ناري كثيف.

ومن منظور حزب الله، تمثل البنية التحتية تحت الأرض أداة دفاعية وهجومية في آن واحد. فهي تقلل من فاعلية الاستهداف الإسرائيلي، وتوفر في الوقت نفسه إمكانية تنفيذ عمليات مفاجئة عبر التحرك السريع نحو نقاط قريبة من الحدود أو إدارة أنشطة عسكرية بعيدا عن أعين المراقبة.

كما أن وجود مخازن صواريخ ومراكز دعم لوجستي قريبة من خطوط التماس يعزز القدرة على الحفاظ على وتيرة العمليات في حال اندلاع مواجهة واسعة.

في المقابل ترى إسرائيل أن هذا التطور يرفع مستوى التهديد بشكل غير مسبوق، لأنه يحد من قدرتها على تحقيق “حسم سريع” في أي حرب مستقبلية. فبدلاً من مواجهة خصم مكشوف أو بنية فوق أرضية قابلة للاستهداف المباشر، تجد نفسها أمام شبكة معقدة تتطلب عمليات برية دقيقة ومكلفة، إلى جانب أدوات استخباراتية وتقنيات كشف متطورة.

وهذا ما يفسر وصف هذه الأنفاق بأنها “مركز أعصاب” يصعب تعطيله بالكامل عبر الضربات الجوية وحدها.

ومع ذلك، فإن تأثير هذه البنية على ميزان الردع لا يمكن النظر إليه بصورة أحادية. فكما تمنح الأنفاق حزب الله عمقا عملياتيّا، فإنها في الوقت نفسه تخلق نقاط ضعف محتملة، أبرزها اعتمادها على مواقع ثابتة يمكن -نظريا- استهدافها إذا تم اكتشافها بدقة.

كما أن العمليات البرية الرامية إلى تطويق هذه الأنفاق أو تدميرها تشير إلى أن إسرائيل تسعى إلى تحويل هذا التفوق التحت أرضي إلى عبء عملياتي عبر الحصار والاستنزاف والتدمير التدريجي.

والتطور الأبرز في هذا السياق يتمثل في العمليات العسكرية الإسرائيلية الجارية في بعض المناطق الحدودية، حيث تحاول القوات الإسرائيلية تطويق شبكات أنفاق يُعتقد أن مقاتلي الحزب يتحصنون داخلها أو يستخدمونها لأغراض عسكرية.

وتشير تقديرات عسكرية إلى أن هذه العمليات قد تكون جزءا من محاولة أوسع لاستعادة زمام المبادرة ومنع استخدام هذه الشبكات كمنصات لإعادة بناء القدرات القتالية أو لتنفيذ عمليات مستقبلية.

وفي خلفية هذا التصعيد يبرز البعد الإقليمي للصراع، إذ تشير إسرائيل إلى وجود دور إيراني في دعم هذه البنية التحتية، سواء من خلال الخبرات الفنية أو المعدات والتجهيزات.

وهذا العامل يضيف إلى معادلة الردع بعدا آخر، لأنه يربط الجبهة اللبنانية بموازين قوى أوسع تتجاوز حدود لبنان لتشمل مجمل الصراع الإيراني – الإسرائيلي في المنطقة.

لكن رغم كل ذلك، يبقى السؤال مفتوحا: هل غيّرت الأنفاق فعلاً ميزان الردع؟

الإجابة ليست حاسمة. فهي من جهة تعزز قدرة حزب الله على الصمود وإطالة أمد أي مواجهة، وتحد من فاعلية الضربات الجوية الإسرائيلية، ما يعني عمليا رفع كلفة الحرب. لكنها من جهة أخرى لا تلغي التفوق العسكري الإسرائيلي، بل تدفعه إلى التكيف مع واقع ميداني جديد يفرض أدوات وأساليب مختلفة، خصوصا في مجالات الاستخبارات والحرب البرية الدقيقة.

وبذلك يمكن القول إن الأنفاق لم تقلب ميزان الردع بالكامل، لكنها أعادت ضبطه وتشكيل بعض عناصره. فهي لم تمنح أي طرف تفوقا مطلقا، لكنها زادت من تعقيد المعادلة، وحولت جنوب لبنان إلى ساحة مواجهة متعددة الطبقات تمتد من السماء إلى أعماق الأرض.

وفي مثل هذا النوع من الحروب لا يصبح الردع نتيجة امتلاك قوة واحدة، بل ثمرة توازن هش بين القدرة على الاختباء والقدرة على الكشف، وبين البقاء تحت الأرض والقدرة على الظهور في اللحظة المناسبة.

العرب



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية