هل سينضم لبنان إلى قائمة الدول "المفلسة"؟

هل سينضم لبنان إلى قائمة الدول "المفلسة"؟

مشاهدة

30/07/2020

ترجمة: مدني قصري

"الانهيار" الكلمة الأكثر شيوعاً لوصف الأزمة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في بلد الأرز؛ فماذا تعني بشكل ملموس؟

"لست زنديقاً ... لكنّ الجوع بدعة"

في غضون أشهر قليلة، أصبح لبنان أحد تلك البلدان التي يستحيل عليك فيها سحب أموالك من البنك؛ حيث يتمّ استبدال أطباق المطبخ بالأرز، والفستان بالحليب المجفف، وحيث اللحوم أصبحت ترفاً، وحيث يفضّل البعض وضع حدّ لحياتهم، تاركين وراءهم كلمات أغنية: "أنا مش كافر، بس الجوع كافر".

اقرأ أيضاً: "الوضع أسوأ من السيء" في لبنان.. كورونا يتسلل إلى بيوت السياسيين

ما الذي يحدث في "سويسرا الشرق الأوسط" القديمة؟ كيف نصف السيناريو المروّع الذي يحدث هذه الأيام في بيروت، أو طرابلس، أو القرى الجبلية؟ ليس من السهل العثور على الكلمات المناسبة لوصف تسلسل الأحداث، الذي يراه المتخصصون تسلسلاً استثنائياً.

تمّ استبدال أطباق المطبخ بالأرز، والفستان بالحليب المجفف، وحيث اللحوم أصبحت ترفاً

حالة متفجرة

"البلد يعيد الاتصال بشياطين المجاعة"؛ هكذا يقول المؤرخ ستيفان مالساني، الذي يشير إلى أنّ "ما حدث عام 1915"، وأودى بحياة 200 ألف شخص، وأدّى إلى موجة هجرة جماعية، "ما يزال عالقاً في الأذهان، لكن هذه المرة المأساة تذهب أبعد بكثير.

في لبنان يتمّ استبدال أطباق المطبخ بالأرز، والفستان بالحليب المجفف، وحيث اللحوم أصبحت ترفاً، وحيث يفضّل البعض وضع حدّ لحياتهم، تاركين وراءهم كلمات أغنية: "أنا مش كافر، بس الجوع كافر"

 "هناك أزمة نظام حقيقي مقترنة بأزمة سياسية، وأزمة اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة، إنّ اجتماع هذه الأزمات هو الذي يجعل الوضع متفجراً"؛ هكذا يعتقد هذا الاختصاصي في الحرب اللبنانية، الذي يفضّل، بدلاً من "الانهيار العام"، التحدّث عن "أزمة حادة متعددة الأوجه وغير مسبوقة".

انهيار أخلاقي وجماعي

في أماكن أخرى، يتم البحث عن مقارنات لتسليط الضوء على ما يحدث؛ مع اليونان، التي أركعتها الأزمة المالية، عام 2008، ومع الأرجنتين التي سبقتها، عام 2001، أو مع فنزويلا، البلد المنتج للنفط الذي أصبح أفقر من هايتي في فترة من الفترات.

اقرأ أيضاً: سياسة سلاح "حزب الله".. تدمير لحياد لبنان ورهينة في يد إيران

 "الوضع في لبنان أسوأ مما هو عليه في اليونان، لأنّ لبنان لا يمكنه الاعتماد على الاتحاد الأوروبي"؛ هكذا يلاحظ كريم إميل بيطار، الباحث المرتبط في معهد العلاقات الدولية والإستراتيجية (IRIS)، الذي يضيف إلى هذا التشخيص "انهياراً أخلاقياً، كنوع من الانهيار الجماعي".

السقوط أهون من الهبوط (الرسوّ أرضاً)

وحشية هذه الظاهرة تُكرر نفسها في حلقات مفرغة؛ فعندما يفكرون في الأمر يستذكر الجميع واحدة أو أكثر من الحلقات الأخيرة التي أعلنت الكارثة، لكنّ الانتفاضة الشعبية، في 17 تشرين الأول (أكتوبر) 2019، التي أعقبها إعلان العجز والتوقف عن الدفع، في آذار (مارس)، عجلت سرعة الصور.

في هذا الشأن، يلاحظ جوزيف بهوت؛ أنّ "ما يمرّ به اللبنانيون اليوم هو اللحظة التي لم يعد الوهم يعمل فيها؛ عندما تستيقظ ذات صباح بمحفظة فارغة، وتدرك أنّ كلّ الحيل لم تعد تعمل".

أزمة اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة

يستحضر السينمائي كريم إميل بيطار، من جانبه، تلك اللقطة من فيلم الكراهية "La Haine"، لـ "ماتيو كاسوفيتز"؛ التي تروي قصة رجل يسقط من الطابق الخمسين من مبنى، وهو يكرر "حتى الآن كلّ شيء على ما يرام"، فكما يقال بحق: "أصعب ما في الأمر ليس السقوط بل الهبوط (الرسوّ أرضاً)".

اللبنانيون، الذين اعتقدوا أنهم محميّون من قبل أصدقائهم، ومن شتاتهم، وبنوكهم، يسقطون الآن؛ إنّهم يعرفون أنّ لا شيء سيُخَمّد سقوطهم، لا سيما دولتهم، المطيعة الراضخة للمصالح الخاصة".

هل سينضمّ لبنان إلى قائمة الدول "المفلسة"

كيف نتخيل الباقي؟ قصراً وكرهاً، ومع كثير من الخوف، يخشى جوزيف بهوت من أن "ينهار البلد بسرعة عالية، وعادة ما يأتي الانهيار المؤسسي بعد الانهيار الاقتصادي"، ويتساءل: "ماذا سيحدث في غضون ثلاثة أو أربعة شهور، إذا لم يعد جنود الجيش اللبناني يتقاضون رواتبهم، وإذا لم يعد بإمكان البرلمان عقد جلساته؟".

يلاحظ جوزيف بهوت؛ أنّ "ما يمرّ به اللبنانيون اليوم هو اللحظة التي لم يعد الوهم يعمل فيها؛ عندما تستيقظ ذات صباح بمحفظة فارغة، وتدرك أنّ كلّ الحيل لم تعد تعمل"

هل سينضم لبنان إلى قائمة الدول "المفلسة" التي وصفها العالم السياسي، برتراند بادي، بـ "الدول التي لم تعد قادرة على ضمان الحدّ الأدنى من الأمن لسكانها؟".

من الصعب جداً وضع تشخيصٍ دقيق للوضع، خاصة، كما يقول برتراند بادي: "في لبنان، لم تكن الدولة أبداً في وضع احتكاري".

من الصعب جداً وضع تشخيصٍ دقيق للوضع

 إنّ التعايش بين العديد من الطوائف الدينية، برئاسة رئيس (زعيم) محترم وحامٍ، هو أساس الاستثناء اللبناني "وهذا ما يجعل لبنان آخر بقايا الإمبراطورية العثمانية"، هكذا يقول الجغرافي، مارك لافيرجن، المقتنع بأنّ الروابط المجتمعية في لبنان أقوى جداً وأكثر تجذراً من أن "ينهار".

هل اللبنانيون ما يزالون يؤمنون بأنفسهم

"البلد الذي يمكن لجميع الطوائف الالتقاء والتعايش فيه بلدٌ ثمين، المشكلة هي ما إذا كان اللبنانيون ما يزالون يؤمنون بأنفسهم"، "هل ستكون لديهم الشجاعة لأن يسألوا أنفسهم عما يريدون فعله مع هذا البلد الذي يحبّونه، وهل سيملكون القوة الكافية للبدء في الإنتاج مرّة أخرى، لإحياء الزراعة والصناعة الحرفية؟".

مصدر الترجمة عن الفرنسية: La-croix.com

الصفحة الرئيسية