هجرة أطباء غزة تضعف عمل المنظومة الصحية

هجرة أطباء غزة تضعف عمل المنظومة الصحية

هجرة أطباء غزة تضعف عمل المنظومة الصحية


كاتب ومترجم فلسطيني‎
17/08/2026

لم تبدأ أزمة هجرة الأطباء من قطاع غزة مع الحرب الأخيرة، لكنّها دخلت منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023 مرحلة أكثر خطورة، بعدما اجتمعت عوامل النزوح والدمار وانهيار البنية الصحية والخطر الأمني مع ضعف القدرة على استبقاء الكفاءات الطبية. 

وفي وقت تحتاج فيه غزة إلى كل طبيب وممرض واختصاصي لإعادة تشغيل مستشفياتها، بات فقدان الكوادر البشرية واحداً من أبرز التحديات التي تهدد قدرة المنظومة الصحية على التعافي، حيث تشير معطيات صحية حديثة إلى أنّ الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بعدد المستشفيات التي خرجت من الخدمة، وإنّما أيضاً بقدرة المؤسسات المتبقية على توفير الطواقم اللازمة لتشغيلها. 

ويشتكي مواطنون في غزة من تدهور المنظومة الطبية، ووصولها إلى مراحل هي الأخطر منذ بدء الصراع، حيث لم تعد الكفاءات الطبية موجودة في مستشفيات في غزة، ويبحث آلاف المرضى عن فرصة للعلاج خارج القطاع، في ظل نقص الخبرات والأدوية حتى أجهزة الكشف والفحص، حيث إنّ آلاف المرضى، خصوصاً أصحاب الأمراض المزمنة والسرطان وأمراض القلب، يواجهون صعوبات متزايدة في الحصول على العلاج اللازم، سواء داخل القطاع أو عبر التحويل للعلاج في الخارج. 

وتحدثت تقارير سابقة عن مغادرة عشرات الأطباء سنوياً، من بينهم أصحاب اختصاصات دقيقة، وأشارت تقارير أخرى إلى أنّ أكثر من 100 طبيب غادروا القطاع خلال عام 2019 وحده، وفي عام 2022، وصفت هجرة الأطباء بأنّها أحد الأسباب الرئيسية لنقص الاختصاصات الطبية في مستشفيات غزة، التي كانت تعاني أصلاً من محدودية الإمكانات، لكنّ الفارق اليوم أنّ الطبيب الذي يغادر لم يعد يترك منظومة صحية تعمل في ظروف صعبة فحسب، بل يغادر قطاعاً صحياً تعرضت بنيته التحتية إلى دمار واسع، وتقلصت فيه القدرة على التدريب والتشغيل وتوفير المستلزمات والأدوية.

وتواجه المستشفيات في غزة تحديات متراكمة، تشمل نقص الأدوية والمستهلكات الطبية، وتعطل العديد من الأقسام، وصعوبة إدخال المعدات الطبية، إلى جانب تضرر عدد كبير من المنشآت الصحية، وفي ظل هذه الظروف يصبح غياب الكوادر الطبية المؤهلة عاملاً إضافياً، يهدد قدرة النظام الصحي على الاستمرار، وتصف الأمم المتحدة الوضع الصحي في غزة بأنّه يقترب من الانهيار، مع استمرار نقص الأدوية والمستلزمات وصعوبة توفير العلاج لمرضى الأمراض المزمنة والسرطان، ويؤكد أطباء وعاملون صحيون أنّ الطواقم المحلية تعمل في ظروف بالغة القسوة بعد سنوات من الاستنزاف، وهنا لا تبدو الهجرة قراراً مهنياً فقط، بل تصبح قراراً مرتبطاً بالأمان والمستقبل الشخصي والعائلي أيضاً.

يتحدث طبيب جراحة القلب الدكتور علاء مصطفى عن "وجود عدة أسباب وراء لجوئه إلى الهجرة خارج غزة، ويعود ذلك إلى عدم وجود أمان واستقرار وظيفي، وملاحقة الاحتلال للأطباء وقتلهم لتدمير المنظومة الصحية، وتكريس معاناة المرضى والسكان بشكل عام، في ظل محدودية فرص الخروج والعلاج في الخارج".  

ولفت في حديثه لـ "حفريات" إلى أنّ "غياب فرص التخصص والتدريب غير موجودة في غزة، كما أنّ محدودية برامج الإقامة والتخصص داخل غزة، وعدم توفر بعض التخصصات الدقيقة، يدفعهم إلى البحث عن فرص تدريب خارجية، تتيح لهم تطوير مهاراتهم واكتساب خبرات لا تتوفر محليّاً".

ويوضح أنّ "الهجرة لا تعني بالضرورة التخلي عن غزة، بل تمثل بالنسبة إلى البعض فرصة لاكتساب خبرات وشهادات تخصصية، والعمل في بيئة توفر إمكانات بحثية وتقنية أفضل، مع أمل العودة مستقبلاً إذا توفرت الظروف المناسبة".

بدوره يقول مدير مجمع الشفاء الطبي في غزة محمد أبو سلمية: "يعاني الأطباء في غزة منذ بدء حرب الإبادة من ظروف قاسية، تمثلت في قيام الجيش الإسرائيلي بتنفيذ عمليات اعتقال وقتل وتعذيب للأطباء، في حين ما زال هناك عدد من الأطباء داخل سجون الاحتلال، عدا عن عدم معرفة مصير عدد منهم، وهذه الإجراءات كانت مبرراً لعدد كبير من الأطباء لمغادرة غزة والبحث عن حياة آمنة".

ويؤكد في حديثه لـ "حفريات" أنّ "هجرة الأطباء من غزة تشكل تحدياً استراتيجياً يضاف إلى الأزمات التي يعيشها القطاع الصحي، إذ يؤدي استمرار نزيف الكفاءات إلى تقليص فرص حصول المرضى على الرعاية الطبية المناسبة، ويهدد مستقبل الخدمات الصحية على المدى الطويل". 

وأوضح أنّ "الطبيب المتخصص هو الخسارة الكبرى، ولا تكمن المشكلة في فقدان عدد من الأطباء بصورة مجردة، وإنّما في طبيعة الاختصاصات التي قد يصعب تعويضها، فالطبيب حديث التخرج يمكن، نظرياً، أن يخضع لبرنامج تدريب ويكتسب الخبرة بمرور الوقت، أمّا الاستشاري الذي أمضى سنوات في تخصص دقيق، فاستبداله يحتاج إلى سنوات طويلة من التعليم والتدريب والممارسة".

ويعتبر "هجرة الكفاءات الطبية من غزة أكثر من مجرد انتقال مهني، فهي خسارة مباشرة لرأس المال البشري الذي يعتمد عليه القطاع الصحي في تقديم الرعاية وإنقاذ الأرواح، وبينما يسعى كثير من الأطباء إلى البحث عن الأمان أو فرص التدريب والعمل، يترك رحيلهم فجوة يصعب تعويضها، في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها القطاع".

ووفق تقارير سابقة فإنّ هناك العديد من العوامل التي دفعت الكثير من الأطباء إلى الهجرة، وتتعلق بتدني الأجور، وتأخر المستحقات، ومحدودية فرص التطور المهني، وصعوبة الحصول على تدريب متخصص، إضافة إلى عدم الاستقرار السياسي والأمني، أمّا بعد الحرب، فقد أصبح العامل الأمني والمخاطر المباشرة التي تواجه العاملين الصحيين في مقدمة أسباب الاستنزاف، حيث  يعمل الأطباء في بيئة يتداخل فيها القصف والنزوح ونقص الوقود والمياه والأدوية والمعدات، مع الضغط الهائل الناجم عن أعداد المصابين والمرضى.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية