موت بلا قذائف... كيف تفتك آثار الحرب بأطفال غزة؟

موت بلا قذائف... كيف تفتك آثار الحرب بأطفال غزة؟

موت بلا قذائف... كيف تفتك آثار الحرب بأطفال غزة؟


29/12/2025

تخفت أصوات القذائف أحياناً، ولكن لا يخفت أثر الحرب في أجساد أطفال غزة ولا في نفوسهم، فالموت هنا لا يأتي دائماً محمولاً على صاروخ، بل يتسلل بصمت عبر سوء التغذية، والأمراض، والخوف المزمن، وانهيار المنظومة الصحية والتعليمية.

وقد كشفت دراسة أجراها مركز متخصص في الصحة النفسية في قطاع غزة أنّ 96% من الأطفال في قطاع غزة يشعرون بأنّ الموت وشيك، وأنّ 87% من الأطفال يُظهرون خوفاً شديداً، ويعاني 79% منهم من الكوابيس.

وأظهرت الدراسة، التي أعدها مركز التدريب المجتمعي وإدارة الأزمات الفلسطيني، بدعم من "تحالف أطفال الحرب"، أنّ أكثر من عام من النزوح والقصف المتواصل ترك أطفال قطاع غزة الأكثر ضعفاً يعانون من أزمات نفسية حادة، حيث أصبحت عائلاتهم على حافة الانهيار.

وشملت الدراسة مقابلات مع (504) أسر، تضم أطفالاً ذوي إعاقة أو مصابين أو منفصلين عن عائلاتهم، وخلصت إلى نتائج مروّعة بشأن الصحة النفسية للأطفال في القطاع.

وأفادت الدراسة بأنّ 92% من أطفال غزة لا يتقبلون الواقع، و77% يتجنبون الحديث عن الأحداث الصادمة، ويظهر 73% منهم سلوكاً عدوانياً، وقال 49% من أطفال عينة الدراسة إنّهم يتمنون الموت بسبب الحرب.

وكانت آخر الإحصائيات الرسمية حول خسائر وضحايا العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة قد أظهرت أنّ عدد الشهداء من الأطفال وصل إلى (17) ألفاً و(818) شهيداً، من بينهم (238) طفلاً رضيعاً وُلدوا واستشهدوا في حرب الإبادة الجماعية، و853)) طفلاً استشهدوا خلال الحرب، وأعمارهم أقلّ من عام، و(44) استشهدوا نتيجة سوء التغذية ونقص الغذاء والمجاعة، حيث يشكل الأطفال والنساء 70% من إجمالي الضحايا.

وأظهرت الإحصائية أيضاً أنّ (35 ألفاً و60 طفلاً) يعيشون بدون والديهم أو بدون أحدهما، وأنّ (3500) طفل معرّضون للموت بسبب سوء التغذية ونقص الغذاء.

الجوع القذيفة التي لا ترى

سمية البواب (39 عاماً) تعيش في حي النصر في مدينة غزة، نزحت مع أسرتها أكثر من مرة خلال الحرب، وعادت لتجد منزلها متضرراً، بلا نوافذ، وبلا ماء منتظم، وتقول في بداية حديثها: "عندما كان القصف مستمراً، كنا نعدّ الدقائق حتى يهدأ، الآن الهدوء نفسه صار مخيفاً، وأطفالي يرتجفون عند سماع أيّ صوت، وأحياناً من دون صوت، وهذا هو الموت البطيء".

البواب أم لأربعة أطفال، أكبرهم في الثانية عشرة وأصغرهم لم يتجاوز الرابعة، وتضيف: "آثار الحرب لم تتوقف مع توقف الاشتباكات، بل بدأت مرحلة أشد قسوة وهي مرحلة البقاء".

وتتابع البواب بحسرة: "ابني الأوسط عمره سبع سنوات، ولم يعد يتكلم كثيراً، ويفزع من أيّ صوت، حتى لو سقط باب، ويتبول ليلاً، ويصرخ وهو نائم، كان ابني نشيطاً، الآن يتعب من أقلّ حركة، والطبيب قال لي: هذا ليس مرضاً واحداً، هذا أثر الحرب".

وتوضح: "نشرب ماءً نعرف أنّه غير صالح، لكن لا خيار لنا، وابنتي أصيبت بالتهاب حاد بالصدر لأسابيع، وخفت أن أفقدها من شدة ما أصابها".

وتؤكّد البواب أنّ "سوء التغذية انعكس مباشرة على صحة أطفالها، وباتوا يعانون من فقدان وزن ملحوظ، وشحوب بالوجه، وتساقط الشعر وتحديداً عند ابنتها الصغرى، وكذلك ضعفاً بالتركيز والنسيان".

أطفال يدفعون ثمناً لم يختاروه

في خيمة مهترئة على أطراف مدينة خان يونس، يعيش الفلسطيني سفيان حرز (38 عاماً) مع أطفاله الثلاثة، بعد أن فقد زوجته قبل أشهر قليلة، ويجلس واضعاً يديه على ركبتيه، وبجانبه ابنته الصغرى التي لا تفارقه.

زوجته، شيرين كانت تعاني من مرض مزمن في القلب، وكان علاجها متوفراً قبل الحرب، وبعد تدمير المستشفيات ونفاد الأدوية تحول المرض إلى حكم بالإعدام المؤجل.

رحلت الأم، وبقي الأب وحيداً أمام مسؤولية مضاعفة: الحزن، والأبوة، والخوف الدائم على أطفاله.

ويتابع: "بعد وفاة زوجتي ازدادت معاناة الأسرة، فكانت أمهم تعرف كيف تدبر الطعام القليل، الآن ننام أحياناً بلا عشاء".

ويوضح: "أكبر أطفالي، أحمد (11 عاما)، تغير كليّاً بعد وفاة والدته، فصار صامتاً، لا يلعب، ولا يسأل، كأنّه كبر فجأة، أمّا ابنتي مريم (8 سنوات)، فتعاني من نوبات بكاء ليلية، وتنادي أمها وهي نائمة، أصحو على بكائها، ولا أعرف ماذا أقول".

ويؤكد حرز: "أطفالي أصيبوا بأمراض متكررة، التهابات، وإسهال، وضعف عام، ولو كانت أمهم على قيد الحياة، ربما كانوا أقوى، فالأم كانت حائط الأمان".

ورغم الانكسار، يحاول حرز التماسك ويقول: "لا أملك ترف الانهيار، لو سقطت أنا، فمن سيبقى لهم؟ لكنني أخاف أن أفقد أحد أطفالي بسبب الجوع أو المرض، مثلما فقدت أمهم، بلا قذيفة، وبلا صوت".

أطفالي أحياء لكنّهم يذوبون ببطء

وفي شقة شبه مدمرة بحي الشجاعية شرق مدينة غزة، تعيش فلسطين ظاهر (35 عاماً) مع أطفالها الأربعة، وتجلس قرب نافذة بلا زجاج، تحاول إدخال بعض الضوء والهواء، بينما تراقب أبناءها الملتحفين ببطانية واحدة.

تقول ظاهر في بداية حديثها: "أصغر أطفالي، ليان (3 سنوات)، تعاني من نقص حاد في الوزن، فلا تأكل إلا القليل، والحليب غير متوفر، والفاكهة أسعارها مرتفعة، والطبيب قال لي إنّها تحتاج لغذاء متوازن، فضحكت وبكيت في اللحظة نفسها".

وبحسب ظاهر، بات الطعام يعتمد على ما يصل من مساعدات متقطعة، غالباً لا تكفي ولا تلبي احتياجات الأطفال الغذائية.

وتتابع: "ابني ياسر (10 سنوات) يضع يديه على أذنيه عند سماع أيّ صوت، لا ينام إلا وهو ممسك بيدي، فالأطفال هنا لا يعرفون معنى الأمان، حتى الصمت يخيفهم".

وتشير الأم إلى أنّ أبناءها يعانون من كوابيس، ومن تبوّل لا إرادي، ونوبات هلع مفاجئة، دون أيّ دعم نفسي متوفر.

طفولة تموت بصمت

وتوضح: "أصيب اثنان من أطفالي بإسهال حاد قبل شهرين تقريباً، مشينا ساعات لنصل إلى المستشفى، وعندما وصلنا قالوا لنا لا محاليل ولا علاج لدينا".

وتضيف بحسرة: "أمراض بسيطة قد تصبح قاتلة هنا، كانت المدرسة ملاذاً لأطفالي، لكنّها اليوم مجرد ذكرى، فقد نسوا القراءة والكتابة، والتعليم توقف، والطفولة توقفت معه". وتخشى أن يكبر أطفالها وهم محرومون من أبسط حقوقهم، التعليم، واللعب، والشعور بالأمان، فالأطفال هنا يموتون بسبب البرد، والجوع، والمرض".

وتعترف ظاهر في نهاية حديثها: "أخاف أن يأتي يوم أُسأل فيه، لماذا ماتوا؟ ولا أجد جواباً سوى لأنّهم ولدوا في غزة".

أوضاع نفسية مقلقة

يرى الإخصائي النفسي بمؤسسة "جذور" للرعاية الصحية والمجتمعية أحمد شحادة أنّ "الحالة النفسية للأطفال بغزة مقلقة للغاية، ونحن لا نتحدث عن صدمة مؤقتة، بل عن صدمة مزمنة جماعية، فمعظم الأطفال يعيشون في حالة خوف دائم، فقدان أمان، واضطراب في المشاعر والسلوك، حتى في غياب القصف المباشر".

ويضيف شحادة: "الصدمة الناتجة عن القصف تكون حادة ومحددة بزمن، أمّا آثار الحرب المستمرة، فهي أكثر خطورة لأنّها طويلة الأمد، فالطفل هنا لا يتعافى، بل يعيش داخل الصدمة يومياً عبر الجوع، والخوف، وفقدان المنزل، وغياب الاستقرار". 

ويتابع: "آثار الحرب النفسية مدمرة مثل القصف، لأنّها تقتل ببطء، فالقصف ينتهي بلحظة، لكنّ الخوف المزمن والجوع والفقد تدمّر الجهاز العصبي للطفل، وتؤثر على نموه العقلي والعاطفي، وقد يرافقه مدى الحياة".

ويوضح: "الأطفال بغزة في حالة خوف حتى في الهدوء، فأجسادهم في حالة استنفار دائم، والجهاز العصبي لا يشعر بالأمان، لذلك نرى توتراً مستمراً، وصعوبة في النوم، وتسارع نبضات القلب دون سبب ظاهر".

ويتابع: "فقدان الأم أو الأب يهدد أساس الأمان النفسي، فالطفل قد يشعر بالذنب، أو الخوف من فقدان من تبقى، وقد يدخل في حزن معقد غير معالج".

ويؤكّد شحادة أنّ "ما يحتاجه الأطفال نفسياً الآن هو حصولهم على الأمان أوّلاً، وعلى الغذاء والدواء، والدعم النفسي العاجل، وكذلك عودة التعليم، بالإضافة إلى توفير بيئة مستقرة تحترم طفولتهم".




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية