من غزة إلى كاراكاس: كيف تابع الفلسطينيون ما جرى في فنزويلا؟

من غزة إلى كاراكاس: كيف تابع الفلسطينيون ما جرى في فنزويلا؟

من غزة إلى كاراكاس: كيف تابع الفلسطينيون ما جرى في فنزويلا؟


12/01/2026

في مساء آخر من أمسيات انقطاع الكهرباء يجلس محمود حرب قرب نافذة شقته الضيقة في حي الرمال وسط مدينة غزة، يحدق في شاشة هاتفه التي تنير العتمة أكثر ممّا تفعل الشموع، لم يكن يتابع أخبار غزة هذه المرة، ولا عدد الضحايا أو ساعات القصف، بل كان يتنقل بين مقاطع مصورة قادمة من مكان بعيد جداً، من شوارع كاراكاس في فنزويلا.

منذ وصول هوغو تشافيز إلى الحكم عام 1998 تبنت فنزويلا موقفاً واضحاً وحاداً داعماً للقضية الفلسطينية، تُرجم بقطع العلاقات مع إسرائيل والاعتراف بدولة فلسطين وتقديم دعم مباشر لها، واستمر هذا النهج في عهد نيكولاس مادورو ضمن سياستها الخارجية المناهضة لأمريكا وإسرائيل.

وفي 27 نيسان) أبريل) 2009 اعترفت فنزويلا رسميّاً بدولة فلسطين، ومنذ ذلك الحين وهي تدعم القضية الفلسطينية في الأمم المتحدة، لتكون بذلك أول دولة في الأمريكتين تفعل ذلك، وفي 29 تشرين الثاني) نوفمبر) 2012 صوتت فنزويلا لصالح منح فلسطين صفة مراقب في الأمم المتحدة.

وعززت فنزويلا علاقاتها مع فلسطين في عهد تشافيز عبر تسهيل دخول الفلسطينيين دون تأشيرة وإطلاق "برنامج ياسر عرفات" للمنح الدراسية، واستمرّ الدعم في عهد مادورو بمبادرات اقتصادية ودبلوماسية، أبرزها إنشاء شركة "بترو- فلسطين" عام 2014 لتزويد فلسطين بالنفط المدعوم.

وخلال الحرب على غزة عام 2023 جدّد مادورو دعمه للشعب الفلسطيني، مؤكّداً مركزية القضية والدعوة إلى مؤتمر سلام دولي، وطالب الأمم المتحدة باتخاذ إجراءات عاجلة لوقف ما وصفه بالإبادة الجماعية والجرائم الإسرائيلية في غزة.

أخبار بعيدة لكنّها مألوفة

يقول حرب (40 عاماً)، وهو مدرس تاريخ في مدرسة حكومية: "ربما يبدو الأمر غريباً، لكنني شعرت أنّ ما أراه ليس بعيداً عني، الوجوه المتعبة، والغضب، والخوف من الغد، كلها أشياء نعرفها جيداً هنا." 

لم تكن فنزويلا يوماً حاضرة بقوة في اهتمامات حرب، لكنّ تتابع الأحداث السياسية والاقتصادية هناك، وما رافقها من احتجاجات وعقوبات وأزمات معيشية، دفعه للمتابعة اليومية عبر هاتفه المحمول، مستفيداً من ساعات توفر الإنترنت القليلة، متنقلاً بين قنوات إخبارية عربية، وصفحات صحفيين مستقلين.

بالنسبة إلى حرب، لم يكن متابعة ما جرى في فنزويلا مجرد اهتمام سياسي، بل محاولة لفهم كيف تتعامل الشعوب مع الضغوط المركّبة، ويوضح: "نحن في غزة نعيش حصاراً واحتلالاً مباشراً، وهذا فرق جوهري، لكنّ فكرة أن تحاصر حياة الناس بالسياسة، وأن يدفع المواطن ثمن صراعات لا يملك قرارها، فهذا أمر مشترك." 

ويستعيد حرب مشهداً أثر فيه بشدة، قائلاً: "رأيت شاباً فنزويلياً يقول إنّ مستقبله معلق بقرارات تتخذ في أماكن بعيدة عنه، وهذا بالضبط ما نشعر به هنا." 

فنزويلا بعيون فلسطينية

لم يحتفظ حرب بمتابعته لنفسه، فسرعان ما تحولت فنزويلا إلى موضوع نقاش بينه وبين أصدقائه، وفي جلسات العائلة، وحتى في المدرسة، ويوضح: "أحد الزملاء قال إنّ ما يحدث هناك سببه الفساد الداخلي، وآخر يرى أنّ العقوبات هي الأساس، وهذا الجدل نفسه هو الذي نعيشه عند الحديث عن غزة." 

ويرى حرب أنّ هذه النقاشات تعكس وعياً متزايداً لدى الفلسطينيين بترابط القضايا العالمية: "نحن لم نعد نرى العالم كجزر منفصلة، فما يحدث هناك قد يحدث هنا، والعكس صحيح، وإن اختلفت التفاصيل." 

ويؤكّد حرب: "الأمر الذي ترسخ لديّ أنّه مع مرور الوقت تحولت متابعة فنزويلا إلى مساحة للتأمل؛ فقد تعلمت أنّ الأزمات الطويلة تنهك المجتمعات، وأنّ غياب الحلول العادلة يجعل الناس عالقة بين الأمل واليأس، وتعلمت أيضاً أنّ الشعوب لا تنهزم بسهولة، حتى عندما تُدفع إلى الحافة." 

همّان متشابهان

في الطابق الرابع من بناية متعبة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، كان سامر أبو عودة يضبط هوائي التلفاز بيد، ويمسك بهاتفه المحمول باليد الأخرى، محاولاً التقاط صورة أوضح لما يحدث في عالم يبدو بعيداً جداً عن غزة، لكنّه في الحقيقة أقرب ممّا يظن؛ فنزويلا.

أبو عودة (29 عاماً) خرّيج إعلام، عاطل عن عمل، لم يكن يتوقع أن تصبح أخبار كراكاس جزءاً من روتينه اليومي، يقول وهو يبتسم ابتسامة خفيفة تخفي قلقاً دائماً: "في غزة أنت تبحث عن أيّ قصة تشبهك، وفنزويلا، بشكل غريب، بدت مألوفة.

ومع الوقت أصبحت فنزويلا نافذة جديدة يطلّ منها على العالم، مستخدماً الإنترنت لمتابعة ما يجري في فنزويلا بعد اختطاف الرئيس مادورو.

يقول أبو عودة: إنّ "الفلسطيني يتابع الأزمات العالمية من زاوية مختلفة، فنحن لا نشاهد الأخبار كمتفرجين، وكل أزمة نراها توقظ فينا تجربة قديمة أو جرحاً مفتوحاً." 

ويتابع: "ربما لهذا السبب يتعاطف أهل غزة بسرعة مع الشعوب الأخرى، لأننا نعرف كيف يشعر الإنسان عندما تطول أزمته ولا يرى أفقاً للحل." 

ويوضح: "ربما لا نملك التأثير، لكنّ المتابعة بوعي تجعلنا أقلّ عزلة وأكثر إنسانية." 

صدمة فلسطينية

يرى الكاتب والمحلل السياسي نهاد أبو غوش أنّ "الفلسطينيين استقبلوا العدوان الأمريكي على فنزويلا بصدمة وغضب، لما عُرفت به فنزويلا من دعم ثابت للقضية الفلسطينية ورفضها لسياسات الاحتلال رغم الحصار والعقوبات، فقد منحت الفلسطينيين تسهيلات دخول ومنحاً جامعية، وساندت حقوقهم في المحافل الدولية، وقطعت علاقاتها مع إسرائيل، وهو ما يجعل هذا العدوان استهدافاً لدولة وقفت دائماً إلى جانب الشعب الفلسطيني." 

ويضيف أبو غوش: "يكمن الخطر الأكبر في العدوان الأمريكي في تكريس "قانون القوة" بدل القوانين الدولية، وهو ما يشكّل غطاء لإسرائيل لتصفية القضية الفلسطينية وفرض حلول قسرية قد تصل إلى التهجير والتوسع الإقليمي، ورغم أنّ هذا المسار ليس حتمياً، فإنّ مواجهته تتطلب ابتكار أدوات نضال جديدة والابتعاد عن سياسات المناشدة والشكوى غير المجدية." 

ويتابع: "من منظور سياسي لا يوجد تشابه بين ما جرى في غزة وفنزويلا، فالأخيرة دولة ذات سيادة اختارت سياسات لا ترضي الولايات المتحدة التي تخشى انتشار نماذجها الثورية في القارة، بينما تختلف الحالة الفلسطينية بسبب شراسة المشروع الصهيوني وطول الصراع، والدور الوظيفي لإسرائيل في حماية المصالح الاستعمارية الغربية في المنطقة".

ويؤكد أبو غوش: "للحدث تأثيران محتملان؛ سلبي يتمثل في خسارة حليف وإنذار لكل داعمي فلسطين، وإيجابي إذا أحسنت قوى التحرر قراءته، عبر توحيد جهود القوى الديمقراطية والتحررية عالميّاً وتنسيق نضالاتها لمواجهة العولمة المتوحشة." 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية