من الدمار إلى الاعتياد... كيف أجبر سكان غزة على التعايش مع الألم؟

من الدمار إلى الاعتياد... كيف أجبر سكان غزة على التعايش مع الألم؟

من الدمار إلى الاعتياد... كيف أجبر سكان غزة على التعايش مع الألم؟


31/05/2026

في مدينة غزة لم يعد صوت القصف حدثاً استثنائياً يثير الذعر فقط، بل تحول مع الوقت إلى جزء من الإيقاع اليومي الذي يفرض نفسه على تفاصيل الحياة، هنا  حيث تتداخل رائحة الركام مع رائحة الخبز، وحيث يختلط البكاء بأصوات الباعة في الأسواق القليلة التي ما تزال تعمل، يعيش الناس حالة معقدة من التكيف القاسي مع الألم، حتى بدا كأنّ الحرب لم تعد حدثاً عابراً، بل بيئة كاملة يعاد تشكيل الإنسان داخلها.

ووفقاً لتقرير صادر عن الأمم المتحدة، فإنّ فكرة الحياة كما كانت تُعرف سابقاً باتت صعبة التخيل في قطاع دُمِّر فيه أكثر من150  ألف وحدة سكنية بالكامل، وتضررت 200 ألف وحدة أُخرى، إلى جانب تدمير كل مقومات الحياة وبناه التحتية.

وتتزامن هذه التحولات مع انهيار اقتصادي غير مسبوق وثقته منظمة مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "أونكتاد"، إذ أشار تقريرها إلى أنّ الناتج المحلي الإجمالي في غزة انخفض بنسبة 83% مع نهاية 2024 مقارنة بالعام السابق. 

وتراجع نصيب الفرد إلى 161 دولاراً سنوياً فقط، أي أقلّ من نصف دولار يومياً، وهو من أدنى المعدلات عالمياً، وبات اقتصاد غزة يشكل 13% فقط من حجمه عام 2022، مع فقدان الاقتصاد 87% من قيمته، ليعود نصيب الفرد إلى مستويات ما قبل 22 عاماً، مسجلاً بذلك واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية الموثقة في العالم خلال العقود الأخيرة، وفق تقرير "أونكتاد".

وبموجب اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في تشرين الأول/أكتوبر2025  فرضت إسرائيل ما يُعرف بـ "الخط الأصفر"، وهو نطاق عازل يمتد على طول قطاع غزة بعمق يتراوح بين كيلومترين و7 كيلومترات، ويحظر على الفلسطينيين دخول المناطق السكنية والزراعية الواقعة خلفه، التي تشكل نحو 60% من مساحة القطاع، وسط تهديد دائم بالاستهداف المباشر من الجيش الإسرائيلي لكل من يقترب من هذه المناطق.

الاعتياد على الرعب

في خيمة بالية داخل مخيم الصمود للنازحين غرب مدينة غزة، تختصر المسنة وصفية وشاح التي فقدت اثنين من أبنائها خلال الحرب المستمرة على غزة مأساتها وتقول: "الخوف نفسه بات مرهقاً، فبعد شهور من القصف والنزوح لم نعد نمتلك وعائلتي حتى طاقة الهلع، وبات سقوط الصواريخ قرب خيمتنا يستقبل بصمت منهك لا بشجاعة، بل بأجساد استنزفها الرعب والخسارة." 

وتتوقف وشاح (62 عاماً) قليلاً، ثم تنظر إلى حفيدتها الصغيرة التي تلعب أمامها، وتضيف: "أصعب ما في الأمر أنّ الإنسان يبدأ بالتأقلم مع أشياء لم يكن يظن يوماً أنّه قادر على احتمالها، فاعتدنا النوم على أصوات القصف، واعتدنا الجوع، والانتظار الطويل للماء، وحتى الموت صار خبراً يومياً." 

وتشرح تفاصيل يومها داخل مركز الإيواء، وتواصل: "نستيقظ قبل الفجر لنبحث عن ماء، وغالباً أقف ثلاث ساعات من أجل تعبئة جالون واحد، وبعدها أحاول تدبير أيّ طعام للأطفال، ولم أعد أفكر بالمستقبل، ولا حتى بالغد، وكل ما يشغلني أن يمر اليوم بسلام وأن ينام أحفادي دون بكاء." 

وتتابع وشاح بنبرة يغلب عليها الإنهاك: "حفيدي الصغير لم يعد يخاف من الطائرات كما كان، فتخيل أنّ طفلاً في السادسة صار يميز أنواع القصف من الصوت، أحياناً يقول لي، هذا بعيد، لا تقلقي، وحين سمعت ذلك شعرت أنّ الحرب سرقت طفولته بالكامل." 

حياة مؤجلة تحت وطأة الحرب

ووسط ركام المدينة المدمرة، تواصل الحياة محاولاتها الهشة للبقاء، باعة يفترشون الأرض، وأطفال يركضون بين الخيام، ونساء يصنعن تفاصيل يومية رغم الخراب، وتخفي هذه المشاهد وراءها أثقالاً نفسية عميقة تفوق الوصف، وتكمل: "نحن لا نعيش حياة طبيعية، نحن فقط نحاول البقاء، وهناك فرق كبير بين أن تعيش، وأن تؤجل انهيارك كل يوم كي تعتني بمن حولك." 

وتضيف وشاح بعد صمت طويل: "أخشى شيئاً واحداً فقط، أن ينتهي كل هذا ونكتشف أننا لم نعد كما كنا، فالحرب تغير الناس من الداخل، وتجعلهم أكثر صمتاً، وأكثر تعباً، وأكثر اعتياداً على الحزن." 

ورغم كل شيء، تتمسك وشاح بفكرة البقاء، ولو بالحد الأدنى الممكن، وتؤكد: "إذا تزعزعنا أو انكسرنا، فستنهار العائلة كلها، لذلك نكتم خوفنا أمام الأطفال، ونحاول أن نظهر متماسكين حتى ونحن نشعر من الداخل أننا متعبون إلى أقصى حد." 

بين الركام والخوف المستمر

ووسط حي الدرج المليء بالركام يعيش سالم صندوقة (44 عاماً)، فيما تبقى من منزله المدمر جزئياً، ويحمل بيده كوباً من الشاي أعده فوق نار الحطب، بينما يراقب أطفاله وهم يفتشون بين الحجارة عن بعض الأغراض التي نجت من القصف.

يقول صندوقة بصوت متعب: "في الأيام الأولى كنا نظن أنّ الأمر مؤقت، فحملنا بعض الملابس وخرجنا بسرعة على أمل العودة بعد أيام، لكنّ الأيام تحولت إلى شهور، والخيمة صارت بيتاً، والخوف صار جزءاً من الروتين".

ويتوقف قليلاً قبل أن يتابع: "أصعب ما حدث لنا ليس الدمار وحده، بل التعود عليه، الإنسان بطبيعته يرفض الألم، لكن عندما يستمر الألم طويلاً، يبدأ العقل بمحاولة التكيف معه كي لا ينهار صاحبه بالكامل." 

ويروي صندوقة تفاصيل النزوح الأول لعائلته: "خرجنا ليلاً تحت القصف، وكانت ابنتي الصغيرة تبكي بشكل هستيري، وابني يحمل أخاه الرضيع ويركض، ولم نكن نعرف إلى أين نذهب، والناس تسير في الشوارع بلا وجهة واضحة، فقط تهرب من الموت." 

ويوضح: "بعد فترة اكتشفنا أننا أصبحنا نتصرف بطريقة مختلفة، فحين نسمع انفجاراً قريباً لا نركض دائماً كما كنا نفعل، ننظر فقط، ونحاول تقدير المكان، ثم نكمل ما بأيدينا، ليس لأننا لا نخاف، بل لأنّ الخوف المستمر يستنزف الإنسان حتى يفقد قدرته على التعبير عنه." 

بين الخيمة والركام ذاكرة لا تنكسر

ويحاول صندوقة الحفاظ على مظهر من مظاهر الحياة الطبيعية، ويخصص زاوية صغيرة من منزله لأطفاله للدراسة، رغم غياب المدارس المنتظم وانعدام الهدوء، ويقول: "أرفض أن يشعر أطفالي أننا انتهينا، وأحاول كل يوم أن أخلق لهم شيئاً يشبه الحياة، وأجلس معهم وأروي لهم قصصاً قديمة عن غزة قبل الحرب، عن البحر والمطاعم والأسواق المزدحمة، فينظرون إلي كأنني أتحدث عن مدينة أخرى لا يعرفونها." 

ثم يواصل بنبرة ثقيلة: "ابني الأوسط تغير كثيراً وأصبح صامتاً طوال الوقت، ولم يعد يلعب كما كان، ويجلس ساعات يراقب السماء، وذات مرة سألته، ماذا تنتظر؟ فقال: أخشى أن تأتي الطائرة ونحن نائمون." 

ولا يتحدث الرجل عن الخسارة باعتبارها حدثاً منفصلاً، بل كحالة يومية متكررة، فقد خسر عمله ومنزله وعدداً من أقاربه، لكنّه يرى أنّ الخسارة الكبرى كانت نفسية، "فالحرب لا تهدم البيوت فقط"، يقول صندقة: "هي تهدم الإحساس بالأمان داخل الإنسان، حتى عندما نضحك الآن نشعر أنّ الضحكة ناقصة، وأنّ شيئاً ثقيلاً يجلس فوق صدورنا طوال الوقت." 

وعن مشهد الحياة اليومية وسط هذا الواقع يواصل: "تخيل أنّ الناس أصبحت تفرح بالحصول على الماء أكثر من أيّ شيء آخر، ونقف ساعات طويلة من أجل تعبئة عدة لترات، وأصبحنا نعتبر اليوم جيداً فقط لأننا نمنا دون قصف قريب." 

ويؤكد صندوقة: "الاعتياد على المأساة ليس قوة كما يظن البعض، بل مرحلة خطيرة يصل إليها الإنسان حين لا يجد خياراً آخر، فنحن لم نتعود لأننا أردنا ذلك، بل لأنّ الحياة دفعتنا دفعاً لهذا الشكل من الصبر القاسي." 

الصمود وسط الانهيار

يقول رئيس الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني الحقوقي صلاح عبد العاطي: إنّ "حرب الإبادة والدمار الواسع في غزة حولت القطاع إلى بيئة معيشية قسرية، حيث يعيش مئات الآلاف في مراكز إيواء وخيام تفتقر لأبسط مقومات الحياة، وسط انهيار الخدمات الصحية والبنية التحتية، وصعوبة حادة في الحصول على الماء والغذاء والدواء بسبب القيود واستهداف المرافق المدنية." 

ويضيف عبد العاطي: "أدى انهيار الخدمات الأساسية في غزة إلى تفاقم المعاناة اليومية، فالكهرباء والمياه والخدمات الصحية باتت شبه منهارة، بينما يعيش السكان تحت تهديد دائم بالقصف والنزوح وفقدان الأحبة، لتتحول الحياة إلى صراع مستمر من أجل البقاء." 

ويبيّن أنّ "ما يحدث في غزة يعكس حالة من التكيف القسري مع العنف المستمر، حيث يطور السكان آليات نفسية تساعدهم على الاستمرار رغم الخوف والصدمات المتكررة، فتحولت مشاهد القصف والدمار إلى جزء من الواقع اليومي، رغم محاولة الأهالي الحفاظ على توازنهم النفسي والأسري، وهذا التكيف يخلف آثاراً عميقة كالاكتئاب والقلق وفقدان الإحساس بالحياة الطبيعية".

ويوضح: "تُعدّ النساء والأطفال الأكثر تضرراً من الحرب في غزة، إذ يواجه الأطفال صدمات نفسية عميقة، بينما تتحمل النساء أعباء النزوح وتأمين الاحتياجات الأساسية وسط انعدام الأمان، وتخلف الحرب آثاراً مجتمعية طويلة الأمد، أبرزها تفكك الروابط الاجتماعية وتصاعد الإحباط وفقدان الثقة بالمستقبل." 

ويؤكد عبد العاطي أنّه "في غزة باتت الحياة اليومية شكلاً من أشكال الصمود المدني، ويتجلى ذلك في تمسك الأهالي بالتعليم والعمل ورعاية الأسرة رغم الحرب والنزوح والجوع، ويعكس ذلك إرادة جماعية للحفاظ على الكرامة الإنسانية، غير أنّ غياب الحماية الدولية والمحاسبة يحول هذا الصمود إلى معركة بقاء وسط كارثة إنسانية متفاقمة." 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية