منى السعودي: آخت بين الضوء والحجر وعادت إلى بيتها الأرض

منى السعودي: آخت بين الضوء والحجر وعادت إلى بيتها الأرض

مشاهدة

17/02/2022

برحيل النحاتة الأردنية الفنانة منى السعودي، في السادس عشر من الشهر الجاري، يفقد الفن العربي واحدة من أبرز رموزه، فهي تمثل جسراً بين الحضارات عبر اشتباكها الإبداعي مع الغرب والشرق، من سان جون بيرس إلى محمود درويش مرواً بأدونيس وطائفة من الأدباء والشعراء ممن اشتبكت معهم لدى إقامتها شبه الدائمة في بيروت.

اقرأ أيضاً: فهمي جدعان إذ يدعو إلى تحرير الإسلام من التطرف والغلوّ الديني

وفي بيروت التي أحبتْ، شهقت السعودي (1945 - 2022) آخر أنفاسها بعد معاناة مع مرض السرطان، وبعد حياة حافلة عاشت خلالها مع منحوتاتها، ولمست نبضها الحي، كما تقول في شهادة أدلت بها في العاصمة الأردنية عمّان، على هامش معرض لها نظمته دارة الفنون بعنوان "منى السعودي، أربعون عاماً في النحت" 2006.

تقول السعودي التي ولدت في عمّان: "حين اخترت أن أكون نحّاتة، اخترت طريقة في الحياة. ولكي تكون نحّاتاً ينبغي أن تكون عاشقاً للأرض وما عليها، وأن تلمس نبضها الحيّ.

أتأمّل منحوتاتي كمخلوقات أليفة

أعيش دائماً بين منحوتاتي، تتناثر حولي، أحيا بها وتحيا بي، أتأمّلها كمخلوقات أليفة، أعرف كل لحظة من تاريخ تكوينها، منذ كانت حجراً في مقلع أو معمل، على طرف جبل أو في مجرى نهر. فيشكّل تنوّعها وتسلسلها تاريخ حياتي.

شهقت السعودي (1945 - 2022) آخر أنفاسها بعد معاناة مع مرض السرطان

أعمل عادةً في ساعات النهار، لمعالجة تكوين النحت في سقوط الضوء الطبيعيّ، حيث يتآخى الضوء والحجر، ويتكوّن نشيدي الحجري بين مطرقة الروح ورنين الإزميل. عزفاً يولّد من الحجارة مخلوقات تسعى في الأرض".

 

تقول السعودي التي ولدت في عمّان: حين اخترت أن أكون نحّاتة، اخترت طريقة في الحياة. ولكي تكون نحّاتاً ينبغي أن تكون عاشقاً للأرض وما عليها، وأن تلمس نبضها الحيّ

 

وعن طفولتها في عمّان، تقول منى السعودي "عشت طفولتي في مكان أسطوري، كان بيتنا جزءاً من الموقع الأثري المسمى (سبيل الحوريات) في المدرج الروماني في عمّان، وكنت مسحورة بما أراه، ولما سافرت وبدأت رحلتي في المدرسة العليا للفنون الجميلة في العام 1964 في باريس حرصت على تعزيز بصيرتي بما يقع عليه بصري، الأرض غنية بالمحفزات، وقد اخترت منها النحت على الحجر؛ لأنه مادة الأرض الأولى التي سلّمت نفسي لها، ودفعني ذلك لأحفر أحلامي التي أنتجت تماثيل ولوحات وقصائد إلى ما أنا عليه اليوم".

"رؤيا أولى"  و"محيط الحلم"

والسعودي شاعرة كتبت قصائدها الأولى في السابعة عشرة، ولديها مجموعتان شعريتان "رؤيا أولى" 1970 و"محيط الحلم" 1993. تقول: "النحت لديّ تجسيد للشعر، قول ما لا يقال، لمس ما لا يلمس، هو الكلام الصامت، الحركة في السكون، الكشف والسر، الطيران بلا أجنحة، مزج الكوني بالأرضي، إدخال الزمن في المكان، نسج القداسة بإعادة التكوين والتواصل بالغيب".

من أعمال الراحلة

وتستدرك السعودي في تصريح لصحيفة "الخليج" الإماراتية: "لا أصنف نفسي كنحاتة أو رسامة وخطاطة، بل أرى نفسي فيها كلها. أعمالي هي أنا، تحمل بصمتي وأفكاري. منذ كنت صغيرة أرسم، ألوّن، أشكل، أنحت، وقد سبرت خلال نصف قرن من احتراف الفن أغواره وطرائقه المختلفة. عشقت في النحت صعوباته وتحدياته وكيفية تطويع المادة الصخرية الصعبة، وبخاصة الرخام الملوّن لصوغ فلسفتي وأفكاري عن الحياة والأمومة والأرض والوجود. تأثرت كثيراً بالأرض الحبلى بالأحجار، فاستلهمت منها حتى صار النحت بالنسبة لي فعل إيمان بما أقوم به. ربما يتطلع الآخر إلى الجهود البدنية التي يفرضها النحت وقسوة أدواته، المطرقة والإزميل والمعدات الكهربائية، لكن بالنسبة لي الأمر مختلف. المطرقة هي مطرقة الروح، والإزميل هو إزميل الإبداع والتجلي، وبواسطتهما أستمر وأُحلّق".

قصائد متناغمة تلبس جسد المنحوتة

وعن الرسم تقول "هو فكرة أو قصيدة أو شعر مرئي، فيه صور وألوان وتشكيلات. فيه قصائد متناغمة تلبس جسد المنحوتة. العلاقة بين ما أقدمه علاقة تكاملية، هي أشكال تعبيرية يكمل بعضها بعضاً، وتعانقني أو أعانقها لأتماهى مع إنسانيتي وأفكاري، وأتواصل من خلالها مع الوجود، ولا أعرف أي منها له عميق الأثر عندي، بل لكل منها خطوته الخاصة، وفق حالات معينة ومراحل محددة".

اقرأ أيضاً: سيد القمني.. جرأة التفكير حتى الرمق الأخير

ورداً على سؤال حول الصعوبات التي واجهتها السعودي، في مشوارها الذي يزيد عن نصف قرن، تقرّ بأنّ بعض المراحل كانت صعبة، لكن الشغف الحقيقي يجعل الإرادة صلبة كالفولاذ، سخّرت نفسي لمعالجة الكتل الحجرية، ورسمت ولوّنت وظللت، أشعر أني في مكاني الصحيح، حيث الفن وسيلتي للتواصل العميق مع نفسي وكينونتي.

من أعمال الراحلة

عن أعمالها التي عرفت طريقها إلى متاحف العالم، وكانت جزءاً من مقتنيات المعرض الوطني للفنون الجميلة في الأردن، والمتحف البريطاني، ومتحف غوغنهايم، ومعهدي الفنون في شيكاغو وديترويت، وساحة العالم العربي في باريس، وغيرها من المتاحف، تقول: "الأحلام تنمو وتتحقق، ومثلما نحفر في الحجر شكلاً جميلاً، نحفر في حياتنا النجاحات"

اقرأ أيضاً: عدنان أبو عودة أحد أبرز صنّاع السياسة ودهاتها في الأردن

ومن المحطات البارزة في مسيرة السعودي، المعرض الذي أقامته في غاليري "إكس في أي" في دبي، وقدمت فيه مجموعة من اللوحات التي تختزل علاقتها باللون والكلمة. وعن معرضها قالت لصحيفة "الإمارات اليوم" إنّ كل أعمالها "تأتي من ذاكرة شعرية"، وهذا ما يلتمسه المتلقي مع دخوله المعرض، فحين تدمج الكلمة مع الرسومات يمكن ملامسة المعاني من خلال اللون. وكأننا أمام عملية تكوين لوني للقصيدة، اذ تعيد بناء المعنى في قالب لوني، لتولد معها من جديد.

 

الشغف الحقيقي يجعل الإرادة صلبة كالفولاذ، سخّرت نفسي لمعالجة الكتل الحجرية، ورسمت ولوّنت وظللت، أشعر أني في مكاني الصحيح، حيث الفن وسيلتي للتواصل العميق مع نفسي وكينونتي

 

 تدمج السعودي، كما تتابع الصحيفة، في بعض اللوحات بين الكلمة والرسومات، وتعتمد على الألوان فقط في لوحات أخرى، تستعين بطرح الكلمة طوراً وتختزل المعنى بالتشخيص الرمزي في الطور الآخر، بينما هناك عناوين أعمالها منبثقة من القصائد، منها "امرأة وطائر"، الذي أنجزته الفنانة عام 1972، و"أمومة الأرض"، و"مدن لا مرئية"، و"إلهة القمر"، و"شجرة الحياة".

منحوتات مستوحاة من درويش وأدونيس

لم تمارس نقل الطبيعة في عملها الفني، بل حمّلت أعمالها انطباعات، وكأنها تكتب الشعر بالنحت، وأحياناً تكون أعمالها مستوحاة بشكل مباشر من قصيدة أو شاعر، ومنها المجموعة التي كانت مستوحاة من شعر محمود درويش وقصيدة لأدونيس تحمل اسم "رقيم البتراء"، وهي تحمل مقاطع لها علاقة بالحجر كون البتراء مدينة حجرية. تعلق السعودي: "استوقفتني جملة (كل حجر مسكون بالغيب)، وشعرت بوجوب العمل لأنني أشعر أنّ الحجر هو مكان لتأمل ما ورائي". إلى جانب هذه الأعمال قدمت قصيدة فلسفية للشاعر الفرنسي سان جون بيرس، التي قرأتها في فترة السبعينات، وذلك عندما كانت تقدم رسومات بالحبر الصيني ترفق مع قصائد أنسي الحاج حين كان ينشر قصائده، إلى جانب إيتالو كالفينو.

تحب السعودي علاقة محمود درويش بالأرض، وأمومة الأرض، وتصفها بأنها أمومة فلسطين والأرض بشكل عام، بينما وجدت في شعر أدونيس البُعد الفلسفي، خصوصاً في القصائد الطويلة والقديمة.

من أعمال الراحلة

أمومة الأرض تعني الكثير للسعودي، ولهذا قدمت أعمالاً مستوحاة بشكل مباشر من الشعر إلى جانب أعمال مستوحاة من أمومة الأرض، مشيرة إلى أنّ الأرض هي البيت الأول للبشر، ولهذا تستسخف الحروب القائمة بين الدول والتمسك بالسلطات والحدودية الوهمية.

وذكرت السعودي في إحدى قصائدها أنّ الحجر حين يفقد وزنه يتحول إلى قصيدة، وهذا ما دفعها للقول إنّ الشعر هو البداية، وهو الإحساس بالوجود والعالم، ولهذا تتقاطع تجربتها النحتية مع الشعرية.

اقرأ أيضاً: الأسير مروان البرغوثي: أبو عمار جديد

وكانت السعودي علّقت على جدار معرض لها في بيروت "لحجارة نرفع منها محيط الحلم، لحجارة تسكن فيها بدايات ونهايات، لحجارة حبلى بشوق التجلي، لحجارة أنسج منها ضوء الفرح، لحجارة علّمتني بهاء الفعل، أستند عليها كلما مسنّي التعب، أو طرق بابي اليأس".



الصفحة الرئيسية