مدير الجامعة العربية بالصومال لـ "حفريات": ابتعدنا عن محيطنا القومي فتراجعت لغتنا

مدير الجامعة العربية بالصومال لـ "حفريات": ابتعدنا عن محيطنا القومي فتراجعت لغتنا


23/12/2021

أجرى الحوار: حامد فتحي

بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية، الذي يوافق 18 كانون الأول (ديسمبر) من كل عام، نظّمت الجامعة العربية، وهي إحدى الجامعات الصومالية، مؤتمراً بعنوان "واقع اللغة العربية: التحدّيات والفرص"، وذلك يوم الخميس الماضي، في 16 من الشهر الجاري.

وتشهد اللغة العربية تراجعاً كبيراً في الصومال، فبعد أن كانت، إلى جوار اللغة الصومالية، لغةً رسميةً للدولة في دستور عام 1969، باتت لغةً ثانيةً في الدستور الانتقالي لعام 2012، وهي نقلة تعكس ما وصل إليه الحال من تردٍّ، خصوصاً بين النخب السياسية التي كتبت مشروع الدستور، وتولت مسؤولية التعليم والثقافة وغير ذلك، من المجالات التي تُسهم في نمو اللغة أو اضمحلالها.

تشهد العربية تراجعاً كبيراً في الصومال، فبعد أن كانت، إلى جوار الصومالية، لغةً رسميةً للدولة في دستور عام 1969، باتت لغةً ثانيةً في الدستور الانتقالي لعام 2012

واختارت الجامعة العربية بالصومال، والتي تقدم برامج تعليمية في اللغة العربية والدراسات الإسلامية والتاريخ والآداب، هذه المناسبة لعقد مؤتمرها، لتسليط الضوء على أزمة اللغة العربية في الصومال، والتحديات التي تواجهها، ولتستنهض العلماء والأكاديميين ورجال الدين وسائر فئات المجتمع، للنهوض بالعربية، كلغة للكتابة والحديث، والتصدي لتغول اللغة الإنجليزية على التعليم محل العربية.

الجامعة العربية في الصومال

وشهد المؤتمر تقديم 16 بحثاً، حول مواضيع: علاقة المجتمع الصومالي باللغة العربية، وتطوير اللغة العربية في المجتمع الصومالي، ودور البعثات الأزهرية في إحياء وتنمية العربية، وسير أهم العلماء الصوماليين في اللغة العربية والعلوم الدينية، والتحديات التي تواجه العربية اليوم.

إقرأ أيضاً: هذه استراتيجية الإمارات للعناية باللغة العربية

 ومن بين المتحدثين كان مدير الجامعة، محمد منصور، والوزير السابق والمرشح الرئاسي، الشيخ عبد القادر شيخ علي إبراهيم، ومدير قطاع المناهج في وزارة التربية والثقافة والتعليم العالي، محمد حسن مختار، ورئيس هيئة علماء الصومال، الشيخ بشير أحمد صلاد، وآخرين من الأكاديميين والعلماء.

وكان لـ "حفريات" حديث مع مدير الجامعة العربية الصومالية، الدكتور محمد إبراهيم علي منصور، للوقوف على التحديات التي تواجه اللغة العربية، والتحوّلات التي مرّت بها.

هنا نص الحوار

للمرة الأولى يعقد مؤتمر بهذا الحجم عن اللغة العربية في الصومال؛ فما هي أهدافه؟

إقرأ أيضاً: ما الإشكاليّات التي تواجه اللغة العربية في ظل العولمة؟

صحيح أنّ هذا المؤتمر الأول الذي يُعقد في هذا الموضوع، بهذا الحجم على مستوى دولة الصومال، ويجمع نخبة من العلماء والباحثين والأكاديميين والمسؤولين. ودوافع تنظيمه هي ما لمسناه، كمحبين ودارسين ومُدرسين للغة العربية، من انحسارها وضعف وجودها في مجتمعنا الصومالي، وهذا الضعف بدأ منذ عشرة أعوام، وما يزال مستمراً؛ لهذا عزمت الجامعة على أن تدقّ ناقوس الخطر، وتنبه المجتمع إلى أنّ اللغة العربية ما تزال قوية، وتشهد صحوة، لكنّها تحتاج إلى التنمية والتطوير في جميع ميادين المجتمع الصومالي، خصوصاً التعليمية والثقافية والاقتصادية والسياسية.

متى حدث التراجع للعربية في المجتمع الصومالي؟

منذ سقوط الحكومة المركزية عام 1991 وحتى عام 2010، شهدت العربية نهضةً كبيرة في المجتمع الصومالي، وكانت لغة التعليم والكتابة والحديث إلى جانب اللغة الصومالية التي كانت أكثر كلغة للحديث، لكن خلال العقد الماضي تراجعت العربية لصالح الإنجليزية، في جميع الساحات الصومالية، ولهذا نظمت الجامعة المؤتمر ليكون بداية لمهمة تنبيه المجتمع لما يحدث للغتهم العربية، والتي هي لغة المجتمع مثل الصومالية، وليست وافدة أو غريبة عنه.

في الماضي حينما كانت علاقات الصومال قوية بالمحيطين العربي والإسلامي كانت اللغة العربية حاضرة وقوية، ومدعومة بهذه العلاقات التي كانت البرامج التعاونية الثقافية والتعليمية أحد أشكالها

واليوم يقولون اللغة العربية لغةً ثانية للمجتمع، وهي التي كانت أساسيةً، ومجتمعنا عربي أصلاً، والعربية ليست لغة خاصة بقومية، بل هي لغة أمة ولغة الدين وجزء من هويتنا.

ما هي أسباب تراجع العربية لصالح الإنجليزية؟

من أهم هذه الأسباب؛ تغيير لغة المناهج التعليمية في جميع المراحل الدراسية، الأساسية والإعدادية والثانوية، ومرحلة التعليم الجامعي. فقد كانت العربية هي لغة التعليم، لكن مع قيام الحكومة الفيدرالية تمّ إبدالها باللغة الإنجليزية، وذلك لأنّ من تقلّد الحكم غير حريصين على العربية؛ لهذا استبدلوا الإنجليزية بالعربية في التعليم والسياسة وجميع المجالات.

هل كان لتراجع العلاقات العربية الصومالية وغياب معظم البعثات التعليمية والثقافية دور في هذا التراجع؟

بالطبع، لهذا دور أساسي، لأنّ الدول العربية كانت تدعم البرامج الدراسية العربية، وترسل بعثات تعليمية. وأثرت العلاقات غير الجيدة بين الصومال الفيدرالي والبلاد العربية سلباً على هذا التعاون والدعم، والذي كان له دور كبير في نهضة العربية في الصومال.

من زاوية أخرى، الدولة الصومالية الجديدة مرتبطة أكثر بمحيطها الأفريقي غير العربي، وللمجتمع الدولي حضور كبير؛ أليس هذا الجانب السياسي يدفع من يريد التواصل مع الفاعلين الأجانب إلى تعلم الإنجليزية وإهمال العربية؟

إقرأ أيضاً: علاء خالد: اللغة تتشكل في لحظة انهيارها

نعم، بالطبع، هذا سبب مهمّ لتراجع العربية، ودول عربية كثيرة أصابها الوهن في العقد الماضي؛ لهذا ابتعدت عن الصومال، ومن ناحية أخرى حكوماتنا مسؤولة عن ضعف العلاقات مع محيطنا العربي والإسلامي. في الماضي حينما كانت علاقات الصومال قوية بالمحيطين العربي والإسلامي كانت اللغة العربية حاضرة وقوية، ومدعومة بهذه العلاقات التي كانت البرامج التعاونية الثقافية والتعليمية أحد أشكالها.

هل كان لتراجع العربية تأثير في حياة المجتمع؟ كيف؟

بالطبع، التراجع ترك تأثيراً في مختلف مجالات المجتمع، حتى إنّ العديد من أئمة المساجد يلقون خطب الجمعة باللغة الصومالية أو لغات أخرى. ورغم ذلك ما يزال محبّو اللغة العربية موجودين، إلا أنّ مشكلة اللغة العامة والمجتمع جعلتهم يكونون مع الآخرين.

إذا كانت اللغة الصومالية هي لغة الشعب؛ فكيف تكون العربية لغة رسمية والناس تتحدث الصومالية؟

العربية والصومالية لغتان سائدتان، وليس هناك خلل في وجودهما؛ فلا تلغي واحدة منهما الأخرى؛ فالعربية كانت لغة التعليم والحديث، وكانت الصومالية لغة الشارع، لكنّ المشكلة في هيمنة الإنجليزية، كلغة للتعليم والسياسة والاقتصاد، وهو ما أدى إلى تهميش العربية وتراجعها.

استخدام الخط العربي في الكتابة

وعلى خلاف الإنجليزية؛ اللغة العربية تنتسب إلى المجتمع كما تنتسب اللغة الصومالية، ولهذا من الواجب رسمياً وشعبياً الحفاظ عليها، وليس تهميشها بيد الحكومة.

ما هي أبرز التوصيات التي أقرها المؤتمر؟

خلص المؤتمر إلى عدة توصيات لإحياء ونهضة اللغة العربية في الصومال، منها؛ زيادة المؤتمرات الأكاديمية التي تتعلق باللغة العربية، وإقامة ندوات علمية ومناقشات ميدانية لتشجيع ودعم المهتمين بالعربية.

إقرأ أيضاً: الرواية يمكنها أن تصلح ما أفسدته السياسة

وأوصى المؤتمر بتوطيد الصلة بين الجهات التي كانت تدعم تدريس اللغة العربية سابقاً والمهتمين بنهضة العربية في الصومال، وكذلك رفع توصيات وإرشادات إلى الحكومة الصومالية لتعميم تدريس اللغة العربية في المراحل الدراسية كافة.

وما دور الجامعة العربية الصومالية في إحياء اللغة العربية؟

هذه الجامعة أسست للنهوض باللغة العربية، ولتحقيق ذلك اعتمدت اللغة العربية لغةً رسميةً في جميع معاملاتها الإدارية، ومناهجها الدراسية في جميع التخصصات، التي تشمل اللغة والآداب والعلوم الدينية والتاريخ والحضارة والجغرافيا، وتعمل على خلق بيئة من التفاعل والتواصل بين مختلف الفئات الإدارية والأكاديمية والطلابية باللغة العربية، لتحقيق نهضة لغوية عربية في المجتمع.

وتعمل الجامعة على إنشاء وتأسيس مؤسسات تعليمية تغطي سائر المراحل الدراسية، وتهتم بتعليم اللغة العربية وتقديم مناهج بها، لإحياء اللغة بين النشء، وترسيخها بين الأجيال القادمة.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا
الصفحة الرئيسية