محمد الباز: لماذا يبدو الإعلام الإخواني محكوماً بالفشل؟

محمد الباز: لماذا يبدو الإعلام الإخواني محكوماً بالفشل؟
4888
عدد القراءات

2020-03-23

أجرى الحوار:  ماهر فرغلي


قال الإعلامي والكاتب المصري محمد الباز إنّ الإعلام الإخواني مظهر من مظاهر صراع بين فصيل ودولة وإنّ هذا الصراع سينتهي عاجلاً أم آجلاً، مؤكداً في حواره مع "حفريات" أنّ العاملين في قنوات الجماعة ومنصاتها يتقاضون أجوراً كبيرة، بناء على ظرف استثنائي حين ينتهي سينتهون معه.

تجاهُل إعلام الإخوان على مستوى العاملين والمنطق والمضمون صبّ في مصلحة الجماعة والموالين لها

وأضاف مقدم برنامج 90 دقيقة، على قناة المحور، وبرنامج باب الله على قناة الغد أنّه "يجب أن نعترف أنّ الإخوان "أشطر" منا في "الإعلام الجديد"، لأنّ إعلام الإخوان كل اهتماماته منصبّة على نقد النظام، لذا فهو يترصد الأخطاء ويضخّمها، بل ويصنع أكاذيب عن الشأن الداخلي"، مستدركاً أنّ "مشكلة الإعلاميين الرسميين غير موفّقين في تسويق أنفسهم على السوشيال ميديا ومواقع التواصل"، وقال إنّ "الإعلام المصري يحتاج إلى جراحة قاسية، ومنها هيكلة وإبعاد أناس من المشهد لا علاقة لهم بالعملية الإعلامية برمّتها".
وانتقد رئيس مجلس إدارة مؤسسة الدستور والأستاذ بكلية الإعلام بجامعة القاهرة بعض برامج التنوير التلفزيونية لأنّها تنتج خطاباً يتجاهل التكوين الثقافي والنفسي للناس، على حدّ وصفه، موضحاً "أرى أنّ التنويريين المعاصرين يتخذون نفس منهجية الوصاية التي ينتقدونها، ويريدون فرض وجهة نظرهم على المتلقي مثل التيار السلفي تماماً".

ورأى الباز أنّ "احتكار الحديث في التراث لمؤسسة واحدة مشكلة كبيرة، ومن هنا لن ينفع التجديد بمجموعة أفكار تطبع في كتب، بل حين نرى إمام مسجد في قرية نائية يقف على المنبر ويردد ما ندعو له من التجديد".
وهنا نص الحوار:
مواجهة إعلام الإخوان
كيف تصف الإعلام الإخواني ومستقبله؟

هو مظهر من مظاهر صراع بين فصيل ودولة، وسينتهي هذا الصراع عاجلاً أم آجلاً.. سواء بانتصار الدولة أو بالتفاهم أو تغيير استراتيجية الجماعة، وللعلم هو الطبعة الثالثة من إعلام مناهض بدأ عقب العام 1956 بإذاعة ابني أبو الفتح، محمود وأحمد، اللذين كانا صاحبي جريدة المصري، ولما اختلفا مع عبدالناصر، بدآ بقصف إعلامي مستمر للدولة، وتكرر الأمر مرة أخرى مع الممثل عبدالغني قمر، الذي أقام في قبرص وأنشأ إذاعة في عهد الرئيس المصري الأسبق محمد أنور السادات.

اقرأ أيضاً: منابر الإخوان وإعلامهم: فساد الخطابات قبل فساد القنوات
ومع الفارق في الإمكانات الضخمة للقنوات الإخوانية، فهو إعلام خرج بظرف ذاتي وبمجرد انتهائه سينتهي هو معه، ولذا فإننا سنلاحظ التفاعل الداخلي والتصادم والاشتباكات داخل تلك القنوات الممولة قطرياً وتركياً، خاصة أنّ بعضهم صدّق نفسه، وتصور أنّه صاحب قضية، وكلهم يتقاضون أجوراً كبيرة، وأجورهم مرتبطة بظرف استثنائي حين ينتهي سينتهون معه، لكن النهاية لا نستطيع تحديد ميعادها الآن.
هل تتفق مع مَن يدعون إلى أن نتغاضى عن هذا الإعلام؟
لا؛ يجب ألا نتغاضى عنه لأن التجربة أثبتت أنّ تجاهله وعدم كشفه على مستوى العاملين والمنطق والمضمون، جعلت عناصر الجماعة والموالين لها يحتلون به مساحة في الذهنية، ونحن على المستوى النظري سنجد أننا لو أعطيناه اهتماماً زائداً فسنساويه بإعلام الدولة الرسمي؛ هذا صحيح، لكنه عملياً فإنه أثّر بالفعل وكان على وشك إخراج الناس في 20 أيلول (سبتمبر) العام 2019، والنجاح في صناعة فتنة، ولأننا تجاهلناه كان هناك حالة قلق حقيقية على المستوى الرسمي والشعبي، وهذا كان مؤشراً لأن نبدأ ونهتم بتفنيد ما يطرحه.

التنويريون المعاصرون يتخذون نفس منهجية الوصاية التي ينتقدونها، ويريدون فرض وجهة نظرهم على المتلقي مثل التيار السلفي تماماً

أنا على سبيل المثال قبل عامين بدأت ذلك وأنا أعمل في قناة المحور الخاصة، وفوجئت أنّ التلفزيون الرسمي فيما بعد سار على نفس النهج؛ لقد أدركوا ذلك مؤخراً، وبرأيي هناك أكثر من مسار.. إعلام تقليدي، ونيو ميديا، ويجب أن نعترف أنّ الإخوان "أشطر" منا في هذا النوع الأخير، لماذا؟ لأنّ إعلام الدولة جزء من اهتماماته هو التطرف والإرهاب، وأما إعلام الإخوان فكل اهتماماته هو نقد النظام، لذا فهو يترصد الأخطاء ويضخّمها، بل ويصنع أكاذيب عن الشأن الداخلي.. وهناك مشكلة أنّ الإعلاميين الرسميين غير موفّقين في تسويق أنفسهم على السوشيال ميديا ومواقع التواصل، ولو قارنت صفحات كل العاملين العرب بصفحات مذيعين غير محترفين في قنوات الجماعة لوجدت عناصر التنظيم أكثر متابعة، وذلك لأنّهم يركزون جهدهم، ومن هنا كان علينا أن نهتم بنفس الدرجة بذلك.

هناك من يرى أن تفكيك الخطاب الرئيسي والأيديولوجيات والأفكار المؤسسة يمكن أن يقضي على هذا الإعلام ومشروعه، هل تتفق مع ذلك؟
لا بد أنّ نفكك الخطاب، لكن بنفس الدرجة المتن والسند، بمعنى ما قالوه، والأشخاص وتحولاتهم، وبالنسبة لمسألة الأيديولوجيات فهناك قطاع كبير جداً مقتنع بما يطرحون دينياً، لكن الأداء وحده يمثل خطراً عليهم، وجماعة الإخوان بمصر فشلت سياسياً، وخرج الناس ضدها وليس ضد الدين.

اقرأ أيضاً: أزمة الأذرع الإعلامية لتنظيم الإخوان.. خلافات داخلية هيكلية أم تفجير ذاتي لانتهاء مهمته
من هنا أنا أرى أننا يجب أن نبين خطرهم على الهوية الوطنية، وعلى الاستقلال الوطني، وهذا أول الطريق لنجاحنا ضد هؤلاء المتطرفين، أما الدخول معهم في الأفكار التي منبعها ديني فسنجدهم ينتصرون، وهذا خطر لكنه واقع، فأنت حين تفكك الخلافة دينياً تفشل، لكن حين تفككها سياسياً تنجح.. تفكيك الأفكار المؤسسة صعب جداً لأنّ ثمة قطاعاً تستهويه تلك الأفكار الدينية.
على ذكر تفكيك الأفكار أليس ذلك مهمة المؤسسات الدينية؟
بكل تأكيد، لكنها مؤسسات دينية متكلسة، بل ولا أبالغ إذا قلت إنّ خطابها رجعي، لأنّ مَن لا يقدّم ما يقنع الناس ويخدمهم سيخسر كثيراً.. ولاحظ كيف كان الإخوان يعملون اجتماعياً ويسوّقون أنفسهم، وكيف يعيشون في الشارع بين الناس، وكيف كانوا يتكلمون كثيراً في الرقائق، والترغيب والترهيب، حتى لو كانوا غير ملتزمين دينياً، لكنهم كسبوا الناس بهذا الشكل، ومن هنا أنا لا أنحاز لحرب الأفكار المؤسسة، فأنا دوري في الإعلام أن أقول إنّه يكذب.

مشكلة الإعلام الرسمي

البعض يقولون إنّ الإعلام الرسمي غالباً يتخذ موقفاً دفاعياً، وهذا دليل كبير على ضعفه، ما رأيك؟
هذا حق يراد به باطل، لأنّه من الطبيعي أصحاب الحق دائماً يدافعون، ولأنّ معي الحق فأنا في موطن دفاع والباطل يهاجمني.. هو يريد أن يثبت أنه مصيب بنوع من العصبية والصوت المرتفع، ونحن نتكلم بهدوء، على سبيل المثال الدولة حين تقوم بافتتاح مشروعات فإنّه يشكك بصخب.
ما مشكلة إعلام الدولة الرسمي بالضبط؟
المشكلة أنّ الإعلام المعادي ليس قليل الإمكانات، ومدعوم بشكل كبير جداً، أما نحن فمعظم الأموال المدفوعة هي أجور وليست لإنتاج المحتوى، وأنت تعلم أنه على سبيل المثال لدي أكثر من 400 عامل، أنا أستطيع أن أعمل بـ80 فقط، لكن الباقين مفروضون، وهذا ما يستنزف الجهد والميزانية، ومن هنا فالإعلام المصري يحتاج إلى جراحة قاسية، ومنها هيكلة وإبعاد أناس من المشهد لا علاقة لهم بالعملية الإعلامية برمتها.. وأرجو أن نلاحظ تمويلنا طبيعي، وأما تمويلهم فهو مال موجَّه، وهم يراجعون ما حققوه من أهدافهم كل فترة زمنية.
البعض يتهم الإعلام المصري أنّه تراجع في الأعوام الماضية بسبب عدم وجود حرية النقد؟
بكل تأكيد الإعلام يحتاج لمناخ من الحريات، لكن الإعلام الإخواني المدعوم تركياً وقطرياً ليس عنده حرية نقد أيضاً، هو لديه حرية نسبية في نقد الدولة المصرية وفقط، فهو لا يستطيع أن ينتقد أردوغان أو عزمي بشارة وأيمن نور، وأيضاً نحن لدينا حرية نسبية.

ألا تتفق أنّ تأثير الإعلام الإخواني أخذ بالتراجع مؤخراً؟
بالتأكيد، بل إنّ هذا التراجع كبير جداً، والدليل أنّهم دخلوا اختبارات كثيرة وفشلوا فيها، فهم يحشدون مع كل مناسبة دينية ووطنية ويذهب ما يدعون إليه أدراج الرياح، وتبقى الدولة شامخة.. ولاحظ كيف سحبوا (المقاول محمد علي) من المشهد مجبرين لأنّه فشل وأصبح ورقة محروقة، ورغم أنه ليس إخوانياً مثل أيمن نور، ومحمد ناصر، فكلهم ليسوا إخواناً لأنّ الجماعة وأفرادها أصلاً فاشلين في الإعلام، وهم مستمرون لأنهم يتصورون أنهم في معارك منفصلة، قد ينهزمون فيها، لكن هناك حروباً كثيرة لا بد وأن ينتصروا فيها، وأعتقد أنّ التراجع والهزيمة هي حليفهم والإعلام المصري وليس التركي حقق نتائج ملموسة على الأرض وذلك مربوط بالنتائج وليس بالأحلام، وأعتقد أننا كنا في لعبة، لا يحسب فيها النصر بالمراوغة لكن بإحراز أهداف.
بين التنوير وتجديد الخطاب الديني
هل ترى أنّ برامج التنوير الفكرية التلفزيونية قد أدت مهمتها بنجاح أم لا؟

لا أرى نجاحها، أغلبها عبء على التنوير في مصر، لأنها تنتج خطاباً يتجاهل التكوين الثقافي والنفسي، والتنوير في أصله هو التعريف وترك الآخر لكي يتخذ موقفه بنفسه، إنّني أرى أن التنويريين المعاصرين يتخذون نفس المنهجية "السلفية" التي ينتقدونها، ويريدون فرض وجهة نظرهم على المتلقي مثل التيار السلفي تماماً..

اقرأ أيضاً: خطاب الكراهية في الإعلام: اعتبارات الدين والقبيلة والجنس
التنوير أن أشرح لك سيد قطب مثالاً، وأنت هنا تختار وتصل إلى الحقيقة التي لن أفرضها عليك، وأما الخطاب الحالي ففيه نوع من الوصاية، ولا أقصد بالطبع خطاب الفلاسفة الكبار مثل أركون أو شحرور، فهذا في أصله خطاب نخبوي، وهناك بكل تأكيد مساحة فلسفية للنخبوية بخطاب التنوير، وهذا خلل أساسي في المنهجية كما قلت لك، ونحن لا بد أن نكسر القواعد، والتفكيك مطلوب لكن ليس بهذه الطريقة، فأنا لا يشغلني قطع خالد بن الوليد لرأس مالك بن نويرة، فهذا كان في سياق تاريخي، والآخرون يستطيعون الحصول على سردية تاريخية مقابلة وهنا لن تنتهي المشكلة، إلا بدولة مدنية وقوانين حاكمة.

هل نحن إذن امام معضلة بانت في نقاش شيخ الأزهر مع الدكتور الخشت؟
بكل تأكيد ووضوح نعم، نحن أمام معضلة، ومشهد 3 حزيران (يونيو) 2013 بمصر بعد الثورة الشعبية يوضح الصورة، حين خرجت قيادة الجيش وحولها شيخ الأزهر والسلفيون والأنبا تواضروس، في رسالة واضحة أنّ الدين مهم، وأن مصر ليست ضد الدين، لكنها ضد فصيل متطرف يدّعي احتكاره.

إذا كان التراث لا يستحق التجديد كما قال شيخ الأزهر على أي أساس سيكون التجديد؟!

وشيخ الأزهر مخلص فيما يعتقد أنه صحيح، لكنني انتقدته في تعامله مع الآخر، وهذا جعلني أتشاءم لأن طريقته كانت تحط من قدر الآخر، فما بالك بالآخرين، والمحيطون به أخذوا منه نفس هذه الحالة من القوة، لأنّ هناك خلافاً جوهرياً، وهو أنّهم يتصورون أنهم المحافظون وحدهم على الدين التقليدي، وهنا إذا كان التراث لا يستحق التجديد كما قال شيخ الأزهر، على أي أساس سيكون التجديد؟! رغم أنه كان له سياقه وظروف الواقع، والرسول عليه السلام نفسه قام بالتجديد عندما قال مثلاً: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها".
أنا لستُ يائساً وأمتلئ بالأمل، لكن لاحظ مثلاً (الطلاق الشفوي) وكيف واجهه الأزهر، رغم أنّ الظروف الواقعية والسياسية تدعو إليه كما أخذتها بالاعتبار بعض الدول الإسلامية؛ احتكار الحديث في التراث لمؤسسة واحدة مشكلة كبيرة، ومن هنا لن ينفع التجديد بمجموعة أفكار تطبع في كتب، بل حين نرى إمام مسجد في قرية نائية يقف على المنبر ويردد ما ندعو له من التجديد.
هل أصبحت الدولة المصرية في مشكلة حقيقية في تجديد الخطاب الديني لأنه ليس لها مشروع؟
بل لديها مشروع كبير جداً، لكنها لم تفرضه حتى الآن، تقوم عليه ثلاث جهات: الأزهر، والأوقاف، ومجموعة دار الإفتاء، ومجموعة الاتجاه الصوفي بقيادة الشيخ علي جمعة وعمرو خالد والحبيب الجفري.

عمرو خالد...؟!
نعم، في الثلاثة أعوام الأخيرة حدثت له تحولات كبيرة جداً ونقلة في تفكيره، وكل هذه المشاريع تتصارع، وبعضها يأتي على استحياء، والدولة تتدخل أيضاً باستحياء لأنها تنظير للدين؛ هناك نوعان من تجديد الخطاب، واحد مساند للنظام وآخر مناهض متمثلاً بالإسلام السياسي، وأزمة بعض المجددين، أنهم يخلطون الأمر ويقومون بمحاربة الطرف المؤيد، مثل إسلام بحيري الذي قام بمجابهة وتفكيك الخطاب المساند مثل الأزهر.
بالنظر إلى تلك المشاريع، وأيضاً إلى جماعة الإخوان كيف ترى ما وصلنا إليه في هذا الشأن؟
لا ينفع أن يكون هناك تنظيم موازٍ، ولا بد أن تنتهي هذه الحالة مهما كانت التكلفة، وبعد ذلك نقوم بإجراء مراجعات لمن يستحق، لكن لا بد من ملاحظة أنّ عمليات الدمج لها تكلفة كبيرة، ولا بد أن يكون المجتمع مستعداً لها، وهنا سنكسب ليس بنسبة كاملة بل جزئية، لأن بعضهم سيعود للتطرف مرة أخرى.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



عالم اجتماع مغربي لـ"حفريات": الجماعات المتشدّدة تنتعش من الأوبئة

2020-04-05

أجرت الحوار: إلهام الطالبي


يرى عبد الرحيم عنبي، الباحث في علم الاجتماع المغربي، أنّ هناك جماعات متشدّدة تنتعش من الأمراض والأوبئة، وتبحث عن كاريزما وسط المآسي والأحزان، مصورين المرض على أنّه عقاب إلهي.
وأكد أنّ الجوع والاعتقاد بالغيبيات عناصر تتحكم في سلوكيات الفرد المغربي، مشيراً إلى أنّ ما يعيشه المجتمع المغربي في زمن كورونا لا يختلف كثيراً عما حدث في القرنَين 16 و17.

اقرأ أيضاً: "التطرّف الصامت" ينخر المصالحة مع الجهاديين بالمغرب
ودعا عنبي الباحثين في علم الاجتماع إلى قراءة المجتمع المغربي، انطلاقاً من تاريخهم لفهم ما يقع من أحداث وتفكيك التناقض بين تمثلات الأفراد وسلوكياتهم.
وفي حواره مع "حفريات"، يُوضح الباحث في علم الاجتماع المغربي، مؤشرات انتقال المغرب في زمن كورونا إلى الدولة الاجتماعية التي تحمي المواطنين، ويشرح أسباب تعامل بعض المغاربة مع المرض والله بمازوشية، ودور علماء الاجتماع والنخب المثقفة بالمغرب في مواجهة المدّ الرجعي الذي يستفيد من أحزان المجتمع وأمراضه.
هنا تفاصيل الحوار:
لماذا يعزو بعض المغاربة الأوبئة إلى الغيب؟

مفهوم المرض عند المغاربة، طالما ارتبط بالقدر أو بالعين، ويرونَ أنّه مسلَّط عليهم من الخارج، ودائماً ما يفسرونه بالقوى الغيبية والشريرة وبالشياطين.

اقرأ أيضاً: ما حقيقة ظهور فيروس كورونا لأول مرة في إيطاليا قبل الصين؟
وكل هذه الأفكار لديها جذور عميقة في التاريخ المغربي، وبالضبط قبل الإسلام، وعندما كان صراع الفرد مع الطبيعة، وكان يعزو ضعفه ومرضه إلى الخارج؛ أي القوى الغيبية الشريرة.
واتخذ المغاربة قديماً من المغارات أو الأشجار إلهات تُبعد عنهم المرض، أو ما يُطلق عليه بالعامية المغربية "العكس".
وفي مرحلة الفتوحات واعتناق المغاربة للإسلام، هذه العادات والتقاليد لم تُحارب من الإسلام، بل أعطاها طابعاً إسلامياً.
مفهوم المرض عند المغاربة طالما ارتبط بالقدر أو بالعين

كيف ذلك؟
ينبغي أن نقسم تاريح المغرب إلى ثلاث مراحل؛ مرحلة ما قبل الإسلام، ومرحلة الفتوحات الإسلامية، ثم مرحلة الغرب الإسلامي، المعروفة بإعمال العقل، ومحاربة الخرافات التي عُرفت بازدهار مجال الفنون والآداب والفلك، لكن بعد انهيار الغرب الإسلامي، وقتل العقل المتجسد في حرق كتب ابن رشد، سيطر الجهلاء، وأعطوا أهمية كبيرة للجانب الغيبي، معتبرين أنّ ما يحدث للإنسان من مرض امتحان من الله.
ما رأيك في خروج بعض المغاربة للابتهال والتكبير لمواجهة وباء  كورونا؟
ما حدث أمر طبيعي، وخروج البعض إلى الشارع، كان يقع في القرنَين 16 و17، آنذاك كان المغاربة يتضرعون أيام الجوع والمجاعات، ويلجأون لسحرة من أجل كتابة الطلاسم وإبعاد الأمراض، ويقرؤون الابتهالات واللطيف، كما كانت تنشط الزاويا وزيارة الأضرحة والأولياء.

مغاربة يتعاملون مع كورونا كنوع من تعذيب الذات؛ لأنّهم يشخصون الله، ويرون أنّه جلاد سيعاقبهم، وينبغي أن يتضرعوا إليه

وفي هذا الصدد، أرغب في أن أوجه نقداً للباحثين في علم الاجتماع والأنثربولوجيا في دول المغرب العربي، لأنّ ما يحدث في المغرب يقع في تونس والجزائر.
وكان يمكننا أن نتنبأ بما يقع من أحداث حالياً، عندما نقرأ "تاريخ الأوبئة والمجاعات" بالمغرب لمحمد أمين البزاز، ونقرأ "الفقر والفقراءة لمحمد ستيتو، وأيضاً "الجوائح والأوبئة"، ونفهم تاريخ الفقر والذهنيات، وكيف تشكل الوعي بالمجتمع المغاربي، ونفهم أنّ الجوع والغيب يحكمان سلوكيات المغاربة.
لماذا أُوجه الانتقادات لعلماء الاجتماع في المغرب العربي؟ لأنّهم لا يقرأون المغرب العربي انطلاقاً من هذا الزخم التاريخي، بل يقرأونه انطلاقاً من النظريات الغربية، مثلاً؛ باحثون كثيرون عندما يقرأون هذه الممارسات يفسرونها بإعادة إنتاج نظرية بورديو، لكنّ إعادة الإنتاج تتطلب وضع قطيعة، أما في المغرب فلدينا استمرارية للثوابت نفسها.

 

في الوقت الذي يعزو مغاربة وباء كورونا إلى الغيب وأنّه قدر يجب الاستسلام له، يتهافتون على شراء كميات كبيرة من المواد الغذائية؛ بماذا تفسر هذا التناقض بين التمثلات والسلوكيات؟
ثقافة اللهفة ترجع إلى فترة "بوهيوف"؛ أي فترة الجوع والمجاعة بالمغرب، وهذه المجاعات هي التي كونت شخصية المغربي الذي يرى أنّ الأشياء ستنتهي، ويجب أن يجمع أكبر قدر ممكن من الأكل.
وهنا سأستشهد "بالمطمورة" التي كانت إلى حدود الأربعينيات والخمسينيات، خزاناً يعتمده المغاربة لتجميع المواد الغذائية وتخزينها، وفي هذا العصر استبدلوها بالثلاجة.

اقرأ أيضاً: هذه جهود السعودية والإمارات لمواجهة وباء كورونا في اليمن
لقد تغيرت الأشكال أما السلوكيات فظلت ثابتة، فالفرد المغربي لا يهمه أن يأخذ القليل من السلع الغذائية ويتركها للآخر لأنه يُفكر فقط في نفسه.
هناك من سيختلف معي، ويرى أنّ هناك تضامناً بالمجتمع المغربي، لكن ما نشهده حالياً من تضامن، يعد تضامناً بقوة الدولة، لأنّ الملك من أعطى تعليماته للتضامن مع الفئات الفقيرة، وحتى المواطنين يتضامنون مع المواطنين بسلطة الدولة عبر الصندوق الذي أُحدثه الملك، إذاً هو تضامن بقوة الدولة.
هذا التناقض الذي يحكم سلوك الفرد المغربي، يظهر عندما يخرج إلى الشارع يُفكر في نفسه فقط، وذلك راجع لعامل الجوع والمجاعات التي عاش المغاربة.
وعوضاً عن أن يُنصتوا للأطباء ويتجنبوا الإصابة بالوباء، فبعضهم يعزو المرض إلى القوى الغيبية، ويقرأ الابتهالات التي كانت تُقرأ في القرن 15.
لماذا يتعامل بعض المغاربة مع وباء كورونا بنوع من تعذيب الذات معتبرين أنّه عقاب إلهي؟
نعم هو نوع من تعذيب الذات؛ لأنّهم يشخصون الله، ويرون أنّه جلاد سيعاقبهم، وينبغي أن يتضرعوا إليه، مثل تضرعهم في السابق للقائد كلاوي مثلاً.

اليوم أصبح مطروحاً في المغرب الانتقال إلى الدولة الاجتماعية

أستاذ علم الاجتماع الألماني، هاينز بوند، يتوقع أنّ يشهد العالم، ما بعد كورونا، نهاية النيوليبرالية في المجتمعات الغربية، وشدد على أهمية التضامن الاجتماعي؛ ماذا عن المغرب؟ هل سيشهد تحولات في شكل الدولة؟

نعم، سؤال مهم جداً، اليوم أصبح مطروحاً في المغرب الانتقال إلى الدولة الاجتماعية، وبمجرد ما ظهرت أول حالة إصابة بمرض كورونا بالمغرب، أصدر الملك تعليماته بإنشاء صندوق لتبرع ودعم الفئات المتضررة من وباء كورونا.
الدولة بالمغرب لم تعد تفرض سلطتها؛ بل أصبحت تتخذ قرارات لحماية المواطن، مثل أن تطلب منه أن يدخل إلى بيته.

اقرأ أيضاً: كورونا يفتح نافذة على تاريخ الحجر الصحي في وجه الأوبئة
لكن على مستوى الأفراد، نُلاحظ أنّهم يقاومون بالخروج إلى الشارع والابتهالات، وذلك يرجع لحضور العقل الغيبي.
والدولة الاجتماعية في المغرب أغلقت المساجد لحماية الأفراد من الوباء، لكن تمثلات بعض الجماعات الذين تؤطرهم أيديولوجيات متشددة، جعلتهم يرون أنّ موتهم بسبب وباء كورونا استشهاد، ومصيرهم الجنة، لذلك يجب الاستسلام للمرض، على حدّ تعبيرهم.
هذه المجموعات تنتعش من الأمراض والأوبئة، وتبحث عن كاريزما وسط المآسي والأحزان، مصورين المرض على أنّه عقاب إلهي.
أمام تنامي هذا الخطاب الرجعي المتشدد، يحتاج المجتمع المغربي إلى خطاب عقلاني؛ ما رأيك في دور المثقفين المغاربة؟ وهل يواجهون الخطاب المتشدد الذي يستغل أحزان المجتمع؟

هناك غياب تام للمثقفين، كما أنّ عدداً كبيراً منهم في الجامعات متشبعين بالأفكار الرجعية نفسها، وبعضهم أيضاً يعزون الكوارث إلى عقاب إلهي.
وهذا يعيدنا إلى المغرب ما قبل الإسلام؛ لأنّهم يُفسّرون جميع الكوارث الطبيعية انطلاقاً من اعتبارها غضباً من الله.
ويجب إعمال العقل لحماية الناس، ولولا تدخل الدولة لعشنا كوارث في هذه الفترة؛ لأنّ هناك مقاومة من الأفراد مبنية، كما ذكرت سابقاً، تعتمد على العنصر الغيبي، وتمثل المغاربة أيضاً.

 

ما رأيك في تفاعل علماء الاجتماع المغاربة مع التحديات والتحولات التي يعيشها المغرب في زمن كورونا؟
لا توجد سوسيولوجيا حالياً بالمغرب، كان هناك علم اجتماع عندما كنا نتحدث عن الهراس ورحمة بورقية وبول باسكون، رموز كانوا ينتجون نصوصاً في السوسيولوجيا، اليوم لا توجد نصوص، أغلب ما يُنتج مجرد كلام غلبت عليه الفلسفة.

التوجه إلى الدولة الاجتماعية تُعيقه الأحزاب السياسية ويُعيقه المواطن؛ لأنّ هناك أحزاباً ما تزال تبحث عن مصالحها فقط

عدد من الباحثين ينتجون نصوصاً فلسفية وأدبية، بينما السوسيولوجيا علم حسي، يعتمد على وقائع مادية.
من أهم الموضوعات التي يجب أن تُطرح في علم اجتماع اليوم؛ الكورونا، ونهاية العولمة، وفتح الحدود أمام الأمراض العابرة للحدود، ويُطرح أيضاً سؤال العولمة والجريمة عابرة الحدود، والإرهاب، لكنّ الباحثين بالمغرب لا يتناولون هذه القضايا؛ بل يتحدثون عن موضوعات قديمة ومستهلكة، وينتجون نصوصاً أدبية أو فلسفية.
نحن في حاجة إلى مراصد لسوسيولوجيا، وباحثين يؤطرون الأفراد عن قرب.

 

ما هي توقعاتك  لفترة ما بعد كورونا بالمغرب؟
تدخّل الملك، محمد السادس، أعطى مؤشراً أننا سننتقل إلى الدولة الاجتماعية، ما يُؤكد أيضاً أنّ الأحزاب السياسية لا تمتلك أية برامج.
وهذا التوجه إلى الدولة الاجتماعية تُعيقه الأحزاب السياسية ويُعيقه المواطن؛ لأنّ هناك أحزاباً ما تزال تبحث عن مصالحها فقط، والمواطن ما يزال جاهلاً وأمياً، حتى المتعلم جاهل، رغم أنّه يكتب ويقرأ، لكنّه أمّي من حيث تدبير الأزمات.

اقرأ أيضاً: من يقمع أرقام كورونا؟
مبادرة الملك تؤكد أنّ هناك رغبة في الانتقال، لكن نحن أمام مجموعة من الأفراد لا يوجد لديهم وعي، وخروج الناس في طنجة وفاس وسلا يكشف أنّ التطرف ما يزال مستمراً، وأنّ المغاربة الذين خرجوا في القرنَين 16 و17 ما يزالون موجودين، لم يتغير فيهم شيء سوى الشكل، أما الثوابت فهي نفسها.
أقترح الاهتمام بالبحث العلمي، ليس فقط في شقّه الطبي والعلمي؛ بل الاهتمام بالعلوم الإنسانية الإمبريقية لتدبير الأزمات وتأطير الفرد عن قرب.

للمشاركة:

أماني الطويل لـ "حفريات": مصر دخلت حيز الفقر المائي

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
2020-03-15

أجرت الحوار:  منى يسري


أكدت مديرة البرنامج الأفريقي بمركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية، الدكتورة أماني الطويل، إنّ مصر دخلت حيز الفقر المائي، وأنّ حقّ مصر في مياه النيل محميٌّ بموجب الاتفاقيات الدولية، وإنّ إثيوبيا تستخدم عامل التلاعب بالوقت، وتظهر عدم الجدية والالتزام، حتى بعد حضور واشنطن كطرف في المفاوضات.

هناك دعم إسرائيلي لإثيوبيا في نهجها التفاوضي مع مصر والسودان، مثل فرض سياسة الأمر الواقع والتلاعب بعامل الوقت

وأوضحت الطويل أنّ الموقف المصري الأخير كان موفقاً؛ لأنّه يمنع إثيوبيا من المناورة السياسية التي تنتهجها منذ بداية المفاوضات، عام 2014، كما أنّ انسحابها الأخير، أظهر للجانب الأمريكي أنّ الجانبَين؛ المصري والسوداني، على قدر كبير من الجديّة والالتزام.
في هذا الحوار، الذي أجرته "حفريات" مع الدكتورة أماني الطويل، في مكتبها بمؤسسة الأهرام، تجيب عن تساؤلات بشأن مباحثات سدّ النهضة، ومآلات المفاوضات المستمرة منذ ستة أعوام، وتداعياتها على الشأن المصري.

المشكلة ليست فيما يجب أن تطلبه مصر؛ بل في أنّ إثيوبيا ترفض توقيع أيّ اتفاق، وترفض الالتزام بأيّ شيء

هنا نصّ الحوار:
دكتورة أماني: هل من الممكن إطلاعنا على آخر ما توصّلت إليه المباحثات الثلاثية التي تجري في واشنطن بخصوص سدّ النهضة؟

وقعت جلسة المباحثات الأخيرة في التاسع والعشرين من شباط (فبراير)، حول التوقيع على مسودة اتفاق تمّ التوافق عليها بالفعل، وحازت على رضا جميع الأطراف، حتى أنّ وزير الريّ السوداني، ياسر عبّاس، أعلن التوصل لاتفاق، لكن ما هي طبيعة الاتفاق؟ هذا ما يزال مبهماً؛ لأنّ تفاصيل الاتفاق لا تُعلن هنا، ثُمّ أرسل رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، مبعوثاً لكل من القاهرة والخرطوم، قبل 48 ساعة من عقد هذه المباحثات، وأيضاً لم يعلن عن فحوى ما جرى، لكن كان هناك تلميح في الخرطوم إلى تأجيل الجلسة، وليس عدم حضور إثيوبيا، والصحافة السودانية هي من صرحت بذلك، لكن دون الإشارة لمصدر المعلومات، بعد ذلك فوجئ الجميع بحضور مصر والسودان للجلسة، بينما أعلنت إثيوبيا عدم حضورها، موضحة أنّ البلاد رهن ظروف داخلية تحتم المزيد من التشاور، وفي نهاية المباحثات، وقّعت مصر، بالأحرف الأولى، على الاتفاقية، ولم يوقّع السودان بل دعا من خلال وزيرة خارجيته، أسماء عبد الله، إثيوبيا إلى التوقيع، وعليه أصدر وزير الخزانة الأمريكي بياناً قال فيه إنّ الانسحاب الإثيوبي مفاجئ وغير مقبول، موضحاً أنّه لن يتاح لإثيوبيا ملء البحيرة إلّا بعد تحقيق التوافق بين جميع الأطراف، وعليه اجتمع مجلس الوزراء الإثيوبي، معلنين أنّهم سيملؤون البحيرة، شاء من شاء وأبى من أبى، في تحدٍّ واضح للأطراف المتضررة من هذا الحدث، وأنّ الاتفاقية راعت مصالح دولتي المصب، ولم تراعِ مصالح دولة المنبع، وأنّهم سيلتزمون بمبادئ الاتفاق، الذي تمّ توقيعه في آذار (مارس) 2015، معلّقين بالتزامهم التفاوض مع طرفي النزاع.
إذاً، ما هي تداعيات توقيع مصر وحدها وانسحاب السودان؟ وهل يخدم هذا القرار مصالح مصر في تلك المباحثات؟
في رأيي الشخصي؛ الموقف المصري كان احترافياً، والتوقيع أفقد إثيوبيا أيّ هامش للمناورة السياسية، وأوضح الجدية والالتزام، للجانب الأمريكي من قبل مصر؛ لأنّه يعني أنّ مصر التزمت بما تمّ الاتفاق عليه بين جميع الأطراف، وأنّ هذا الاتفاق يرضيها بالفعل، وبالتالي لا مجال لمناورات إثيوبية، لكن مع الأسف هذا الاتفاق لا يلزم إثيوبيا بأيّ شيء، لأنّها لم توقع، لكن أفقدها اختيار المناورة، وأعتقد أنّ هذا كان سبب اللهجة العصبية التي عبّرت عنها إثيوبيا في البيان الذي أصدرته، واتضح تماماً أنّ إستراتيجيتها التلاعب بالوقت، والوصول إلى مرحلة الملء الأول للسدّ دون اتفاق، لكن على إثيوبيا أن تدرك أنّ موقفها قد عكس عدم الجدية للجانب الأمريكي، وهذا الأمر له ما له من العواقب السياسية، وكذلك تأكدت جدية الجانب السوداني باعتباره حليفاً لمصر، وهو ما يعدّ خسارة لإثيوبيا.

اقرأ أيضاً: محادثات سد النهضة: هل ثمّة ضوء في آخر النفق؟
 أصدر وزير الخزانة الأمريكي بياناً قال فيه إنّ الانسحاب الإثيوبي مفاجئ وغير مقبول

وهل ستصل إثيوبيا فعلاً لمرحلة ملء البحيرة؛ ما هي التنبؤات بذلك؟ وكيف نرى الدور الأمريكي كمحرك لموقف إثيوبيا؟
ليست مسألة تنبؤات، لكننا في لحظة يكتنفها عدد من المتغيّرات، هذه المتغيرات ستترتب عليها ردود فعل، ومن ثمّ علينا انتظار ردود الفعل، ونتساءل: هل يمكن أن تتفق الإرادة الأمريكية على موقف وزير الخزانة؟ لأنّ ما ألاحظه أنّ هناك قدراً من التباين بين موقف وزير الخارجية الأمريكي، وموقف وزير الخزانة الأمريكي، إذ أعلن وزير الخارجية قبل أسابيع أنّ الاتفاق ربما ينجز في شهور، وفي هذا إشارة إلى أنّ سقف التوقعات بإنهاء الاتفاق قد انخفض، لكنّ بيان وزير الخزانة يعبّر عن اتجاه آخر؛ فهل هناك اختلاف في الموقف الأمريكي نفسه تجاه إثيوبيا؟ بينما يعرف أنّ هناك علاقة شخصية تجمع وزير الخزانة بالرئيس ترامب، فهل تصريحه هو انعكاس أيضاً لموقف ترامب الشخصي، أمّا باقي الإدارة فلها موقف آخر، وهنا يمكننا القول؛ إنّ التوافق في الموقف الأمريكي تجاه إثيوبيا له تأثير كبير على الاتفاق، ربما سيجبر إثيوبيا على التوقف عن التلاعب بعامل الوقت، والحقيقة أنّ عدم وضوح الموقف الأمريكي يجعل ساحة اللعب مفتوحة، ولا نستطيع التنبؤ بما سيفعله الإثيوبيون.
بما أنّ إثيوبيا أعلنت التزامها باتفاقية 2015؛ فما الذي افتقدته تلك الاتفاقية جعل مصر تجدد المشاورات؟
ما حدث عام 2015، هو اتفاق مبادئ؛ بمعنى أّنّه لم يتم الاتفاق فيه على التزام إثيوبيا بتمرير الحصة المقررة "55 مليار متر مكعب" من مياه النيل إلى مصر،  لكنّها عقدت اتفاقية عامة، لأنّه إعلان مبادئ، كما أوضحت، وليس إعلان محددات، فالإعلان ينص على عدم الإضرار بشكل عام، فلنثبت إذاً عدم الإضرار، وهو ما يجعل الأمر مبهماً، وليس من حكم معين على إثيوبيا، فهو إعلان عام لا يرتقي إلى مستوى الاتفاقية القانونية، ولم يعترف بحقوق مصر المائية، ربما أعطى إثيوبيا ميزة نسبية، وهي الاعتراف الدولي ببناء السدّ، وأعطاها ضمنياً اعترافاً بالسيادة، في أطر عامة أيضاً، لكن ما أعلمه عن اتفاق 2015، كان وجود مساعٍ مصرية آنذاك لوجود اتفاقية ثانية بنصوص واضحة على حفظ الحصة المصرية من المياه، لكنّ الجانب الإثيوبي تعنّت في ذلك، وراهن الجانب المصري حينها على الوقت والاحتواء السياسي، وتقديم منافع لإثيوبيا، ربما تؤثر على موقفها المتعنت، وفي الوقت نفسه أثبتّ أنّ إثيوبيا لديها خطّ إستراتيجي ثابت يتضمن إثبات سيادتها على النهر، وتجميع كلّ نقطة تسقط على أراضيها من المياه، وصولاً لأن تكون دولة قائد مسيطر ومهيمن على مصالح الإقليم، وهذه هي طبيعة المعركة "سياسية وليست مائية".
دخلت مصر حيز الفقر المائي

إذاً؛ كيف يمكننا رؤية طبيعة الدور الإسرائيلي في ملف سدّ النهضة، الذي كثيراً ما تتحدث عنه وسائل الإعلام العالمية؟
الدور الإسرائيلي غير واضح، لكن أكاد أجزم أنّه على الأقل هناك دعم إسرائيلي لإثيوبيا في نهجها التفاوضي مع مصر والسودان، مثل فرض سياسة الأمر الواقع، والتلاعب بعامل الوقت، فهذا منهج إسرائيلي بامتياز، مجرب مسبقاً مع الفلسطينين بعد اتفاقية أوسلو، فالمسألة صارت تفاوض من أجل التفاوض، وهو ما فعله الإثيوبيون، منذ عام 2014 وحتى اليوم، وعبر 21 جولة تفاوض بين الدول الثلاث، و9 جولات تفاوض إضافية بحضور واشنطن، لكن أن نتحدث عن تخطيط إسرائيلي لتفاصيل تتعلق بسد النهضة، فهذه معلومات غير معلنة، ولا نستطيع الخوض فيها.
وما حقيقة إعلان وزارة الريّ تخفيض منسوب مياه النيل بمقدار 5 ملايين متر مكعب؟
هذه كانت إشاعة تداولاتها وسائل الإعلام العالمية، لكن يحدث خفض لمنسوب مياه النيل كل عام، بسبب الفيضان، وهو إجراء طبيعي واعتيادي.
إذاً؛ هل دخلت مصر تحت مظلة الفقر المائي؟ وما هي مظاهر ذلك الفقر بالنسبة إلى المواطنين؟
بالطبع، دخلت مصر حيز الفقر المائي، وقد أعلنت الحكومة ذلك، لأنّ نصيب الفرد من المياه لا يتجاوز الـ 570 متراً مكعباً سنوياً، بينما حدّ الفقر هو الألف متر مكعب في العام، ما يعني أنّ نصيب المواطن المصري، نصف حدّ الفقر، ونرى تبعات ذلك، فهناك بعض المساحات الزراعية لا تمتلك مياهاً، ويتم إحراقها مثلما يحدث في الفيوم، وتمّ التخلي عن مشروع الـ 200 ألف فدان، كما يمكن لمس هذا التأثير من خلال الشوارع، التي خلت من المساحات الخضراء، بسبب نقص المياه، كما أثر في صورة تغير التركيب المحصولي لمصر، وتخليها عن زراعة الأرز وقصب السكر، وهو ما يتسبب بقلق شعبيّ.

حتماً سيؤثر السدّ بمزيد من السلب في الحياة الزراعية؛ كيف ترين ذلك؟
بالطبع، فطبقاً للأنباء المتواترة، فإنّ حصة مصر المائية ستنخفض من 55 مليار متر مكعب سنوياً، إلى 20 ملياراً، وهو تخفيض كبير، إلى الثلث تقريباً في ظلّ هذه الزيادة السكانية، لكن في حقيقة الأمر؛ إنّ الـ 20 ملياراً ستصل إلى 60 ملياراً؛ لأنّنا نعيد تدوير الحصة المائية ثلاث مرات، ما يجعلها ثلاث أضعاف، أمّا الــ 55 ملياراً؛ فكانت تصل إلى 114 ملياراً، والحقيقة أنّنا لم نفقد المياه فقط، بل الاستفادة منها، والحقيقة أنّنا في موقف حرج للغاية.
وهل الخطة التي أعلنتها الحكومة لمواجهة ذلك الفقر كافية للحدّ من آثار هذا الفقر المائي؟
الحكومة أعلنت، على لسان رئيس الوزراء، خطتها لمواجهة الفواقد المائية، وأعلنت كذلك عن اتجاهها لتحلية مياه البحر، وهي إنشاءات مرتفعة التكلفة للغاية، لكنّها مجدية، خاصة بالنسبة إلى المدن الساحلية، وبالتالي ستخصص حصة مياه النيل لصالح مياه الشرب في المقام الأول.
لكن ما هي الحلول التي يجب أن تقترحها مصر على الجانب الإثيوبي للحدّ من كلّ هذا العواقب؟

المشكلة ليست فيما يجب أن تطلبه مصر؛ بل في أنّ إثيوبيا ترفض التوقيع على أيّ اتفاق، وترفض الالتزام بأيّ شيء، معتبرة أنّ ما تجود به لدولتي المصبّ هو من إحسانهم، وليس حقّاً قانونياً محمياً بالاتفاقيات الدولية، فما تمارسه إثيوبيا هو أقرب لـ "البلطجة السياسية"، تعتدي فيها على حقوق دولتي المصب المصانة بالقانون والاتفاقيات الدولية.

وما هو ردّ الفعل المصري على هذا التعنّت؟ وهل يمكنها التصعيد دولياً؟
مصر تتعامل مع الموضوع بحكمة، وتسير فيه، خطوة بخطوة، وتصعّد على قدر فعل الجانب الإثيوبي، ويكفل القانون الدولي لها حقّ التصعيد، لأنّ مياهها حقّ قانوني لا تجود به إثيوبيا.
ما تمارسه إثيوبيا أقرب لـ "البلطجة السياسية"، تعتدي فيها على حقوق دولتي المصب المصانة بالقانون والاتفاقيات الدولية

دعيني أسأل في إطار الموارد المائية لنهر النيل؛ لماذا لم تزد الحصة المائية لنهر النيل منذ الخمسينيات وحتى الآن؟
الموارد المائية الكاملة لنهر النيل، هي 86 مليار متر مكعب فقط، فليس هناك من زيادة إلّا إذا أقيمت مشروعات مائية، وهناك مشروعات كانت موجودة بالفعل، مثل قناة "جونجلي"، كان من المفترض أن تزيد موارد النهر 15 مليار متر مكعب، ويفترض تقسيمها بيننا وبين جنوب السودان، لكنّ الحرب الأهلية في جنوب السودان عطلت المشروع، وهناك مشروعات أخرى يتم اقتراحها، لكن وجود الحروب الأهلية وعدم الاستقرار السياسي في القارة، يحد من هذا التوسع في الموار المائية، وهناك 56 مليار متر مكعب مهدرة في المستنقعات، ولا توجد مشروعات لاستقطابها، بسبب عدم وجود تعاون سياسي بين الدول المسؤولة، وموقف إثيوبيا المتعنت، والصراعات المسلحة في مناطق المشروعات.

ما هي الخطوة القادمة التي يمكن أن تتخذها مصر للتصعيد في هذا الشأن؟
ربما تتحرك مصر نحو مجلس الأمن الدوليّ، كما أنّه يتحتم عليها واجب ممارسة نوع من أنواع التفاعل الإيجابي مع الاتحاد الأفريقي والعواصم الأفريقية المؤثرة في دوائر صناعة القرار، حتى يكون هناك نوع من أنوع الضغط على إثيوبيا، للانصياع لمحددات القانون الدولي.

إذاً، هذا النوع من الضغط السياسي مجدٍ للجانب المصري؟
بالطبع؛ لأنّ فرض عقوبات اقتصادية على أيّة دولة، مهما بلغت من قوة، ليس بالأمر الهيّن، وهذا ما على مصر الانتباه له؛ لأنّ الجانب الإثيوبي يقوم بدعايات إعلامية، ويبالغ في تقديراته لما يمكن أن يجلبه السدّ من طاقة؛ لأنّ السدّ سينتج، بحسب تصريحاتهم، 6 آلاف ميغا وات، وهو ما يشكك فيه الخبراء؛ لأنّ التوربينات التي أقيم السدّ عليها، لا تمتلك القدرة لإنتاج هذا الكمّ الهائل من الطاقة.

للمشاركة:

رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي لـ "حفريات": الإيرانيون يحكمون العراق

2020-03-12

أجرى الحوار:  محمود أمين


أكد رئيس ائتلاف الوطنية، رئيس الوزراء الأسبق، إياد علاوي، أنّ الإيرانيين يحكمون العراق، وقال إنّ تكليف ابن عمّه، محمد توفيق علاوي، برئاسة الحكومة العراقية الجديدة، جاء بـ "إرادة إيرانية وميليشاوية"، مشدداً على أنّ بلاده اليوم تعيش "اللا دولة"، جراء هيمنة الجماعات المسلحة على السلطةِ فيها.
وانتقد إياد علاوي هجوم التيار الصدري على المتظاهرين السلميين، وطالب بتشكيل حكومة منبثقة من الشارع الاحتجاجي. 

هنا نصّ الحوار:

دكتور إياد، لماذا فشل ابن عمكم محمد توفيق في تشكيل الحكومة مؤخراً؟

فشل بحسب المتوقع، لأنّ الأخ محمد جاء بدعم مخالف لما يطمح اليه المتظاهرون منذ أشهر، وهو لم يفهم المعادلة جيداً، ونصحتهُ سابقاً، واليوم أكرّر؛ من يـأبى قبول النصيحة التي لا تكلّفه شيئاً، فسيضطر في الغد إلى شراء الأسف بأغلى سعر، لأنّ من يُقرر أن يخوض معركةً، فينبغي أن ينظر أولاً إلى أخطاء من سبقوه، وألّا يغترّ بشعارات المتحولين قربه.

وهل يمكنك أن تكشف لنا سبب معارضتك لرفيقك في السياسة وابن عمّك، محمد توفيق علاوي، حينما كلف بتشكيل الكابينة الوزارية؟
المعارضة لم تكن شخصية لابن عمي العزيز، بل تمحورت حول سؤال كبير هو: من يحكم العراق الآن؟ بلادنا خاضعة لإرادات إقليمية ودولية، بالإضافة إلى إرادات مسلحين داخل العراق، وفي هذا الجو الملبد بالغيوم السوداء الداكنة؛ هل يستطيع أحد أن ينجو بنفسهِ وينجو بالعراق؟ ومن يأتي بإرادة إيرانية وإرادة ميليشاوية لن يستطع تحقيق رغبات المجتمع العراقي في التقدم والاستقرار، بل سينصاع للإرادة التي جاءت به.

بين حكومتكم عام ٢٠٠٤ وآخر حكومة عراقية راهنة؛ ما التغير الذي شهده العراق؟
شهد العراق بعد حكومتي تراجعاً كبيراً، للأسف الشديد، علماً بأنّ الحكومة التي ترأستها كانت حكومة قوية، والتراجع صبّ في 3 اتجاهات؛ أولاً تراجع في السيادة الوطنية، وثانياً تراجع في الوحدة المجتمعية، وثالثاً تراجع في الأوضاع الاقتصادية؛ هذا ما حصل في العراق طيلة هذه الفترة، المستمرة إلى الآن.

وما التغيير المتوقع للعراق في ظل الحكومة القادمة؟
في العراق عدة عقبات، منها: التدخل الإيراني الواضح في صياغة السياسات العراقية الإستراتيجية، وفي القرار السيادي العراقي، كما أنّ المليشيات المنفلتة هي المسيطرة على الشارع، ويرافق ذلك ضعف في بنيان الدولة، أو بالأحرى نعيش اليوم (اللا دولة)، وهناك مجلس نيابي قائم بشرعية 20% من العراقيين فقط، وحتى هذه النسبة القليلة شهدت عمليات تزوير، هذه أبرز العقبات الكبيرة التي ستواجه الحكومة المقبلة.

في رأيكم؛ ما الحلّ في ظلّ هذا المناخ الملتبس؟
أخبرت الأخ رئيس الجمهورية، برهم صالح، ورئيس الوزراء المستقيل، عادل عبد المهدي، بأنّ الحلّ الوحيد هو الاستماع للجماهير، التي يعبّر عنها المتظاهرون السلميون، واقترحتُ اقتراحاً عملياً على الأخ صالح، بتشكيل حكومة يمثلها ثلاثة أثلاث؛ ثلث من القوى السياسية البريئة من الفساد والدماء، وثلث من المتظاهرين، وثلث آخر من النقابات والاتحادات العمالية، لكنّ القرارات في النهاية دائماً ما تأتي من خارج الحدود، وهنا تكمن الخيبة والبؤس.

لماذا تتم مشاورات اختيار رئيس الكابينة الوزارية بعيداً عن مقترحات الشارع العراقي؟
الشعب العراقي المتظاهر يقتل كلّ يوم على مرأى العالم، وسط سكوت مطبق من الجميع؛ فلماذا يكون البديل الحكومي من خارج الدائرة الشعبية الوطنية النازفة؟ لماذا نحن السياسيين الذين أفسدنا البلاد نأتي مرة أخرى للحكم، ولا يسمح للمتظاهرين باختيار رئيس جديد للحكومة؟ خصوصاً أنّ المتظاهرين طرحوا عدة أسماء لرئاسة الوزراء، لكنّ رئيس الجمهورية لم يلتفت إليهم.
لست متشائماً، بقدر ما أتكلم عن الواقع الحزين.
وكيف تقرأ فعل التيار الصدري الأخير حيال ضرب التظاهرات وأنت، كسياسي، كنت قد تحالفتَ معهم سابقاً في تحالف الإصلاح؟
لم أتحالف مطلقاً، في أيّ يوم من الأيام، مع التيار الصدري، ولم أتحالف مع قوى مسلحة، وزعيم التيار صاحب مواقف مختلفة طيلة الأعوام الماضية، وكلامي لمقتدى الصدر: "ما فعلته لم يصب في مصلحتك ولا في مصلحة العراق".

هل ترى أنّ ثمة إمكانية للحوار بين الشارع والقوى السياسية الحاكمة، أم إنّ منطقة الحوار انتهت؟

منطقة الحوار ذهبت إلى غير رجعة، والقائمون على السلطة العراقية يرفضون فهم ما يجري في البلاد عموماً، والبلاد لا توجد فيها تظاهرات أو احتجاجات وقتية، بل انتفاضة جذرية، ترفض الواقع السياسي، وتريد إنتاج واقع جديد يلبي حاجات المجتمع العراقي الذي سُحق سحقاً حتى العظم؛ لذلك أنا ضدّ تبسيط الأمور الجارية في مختلف المحافظات، وقراءتي تؤكد أنّ هناك انعطافة تاريخية، وأنّ المتظاهرين لن يتراجعوا حتى لو أبيد الشعب عن بكرةِ أبيه، بل هناك تقدم وانضمامات جديدة من مختلف القطاعات الاجتماعية للاحتجاج..
من موقعك كسياسي عراقي؛ ماذا فعلت للمتظاهرين؟
خاطبت الجامعة العربية، وشرحت آفاق الراهن العراقي الاحتجاجي والسياسي معاً، وعملت على ترتيب منفذ للمتظاهرين للجامعة نفسها وللبرلمان الأوروبي؛ فأنا أريد خدمة أبناء شعبي، ولا أبحث عن مواقع ومسؤولية حكومية.

يُقال إنّ المعضلة لدى القادة السياسيين العراقيين وليست لدى المتظاهرين؛ حدّثنا عما يدور في الأروقة السياسية؟

خاطبت الجميع، عدا القادة الميليشاويين، ونبهتهم إلى مخاطر عدم وجود تصور واضح لما يحصل في العراق، فإذا كانوا يعتقدون أنّ هذه التظاهرات تعبر في الطريق الخطأ، ونفيت لهم وجود أيّة مؤامرة خلف التظاهرات بل المؤامرة كانت في إخفاق الحكومة المتعاقبة في تأدية ما عليها إلى هذا الشعب الكريم، ورئيس الجمهورية حاول أن يفعل شيئاً، لكنّ الدستور الخائب لا يعطيهِ الصلاحيات الكافية لاتخاذ قرارات إنقاذية.

في ضوء كلّ هذه المعطيات؛ هل ثمة حلّ سريع الآن؟
يجب أن تنتصر جهة من الجهات؛ إما أن ينتصر الشعب العراقي أو تنتصر الجهات الميليشياوية، والأخيرة لن تنتصر، كما أنّ إيران لن تنتصر على العراق والمنطقة العربية، إلا في حال الاصطفاف الأمريكي ثانيةً معها، كما حصل في عهد الرئيس السابق، باراك أوباما، وهذا إن حصل، لا سامح الله، سيبقى الشعب العراقي يناضل من أجل كرامتهِ واستحقاقاته.

وماذا عن مشكلة الدستور؛ وكيف تُعالَج هذه المشكلة؟ هل تكون بإعادة كتابتهِ أم بتعديله؟
الدستور هو الوثيقة المهمة التي تنظم الحياة، وطريقة السلطة وإدارة البلد، وتنظم الحقوق الأساسية للمواطنة، ويفتقد الدستور العراقي إلى المواطنة، وليس فيه وضوح لكيفية إدارة الدولة، بدليل غياب قانون توزيع الثروات الطبيعية، تفاقم المشاكل بين المركز وإقليم كردستان، ثمة صراع إداري بين العاصمة بغداد وسائر المحافظات الأخرى، كما لا يوجد قانون للنفط والغاز، ومجالس مساندة لمجلس الخدمة الاتحادي، فضلاً عن فقدان الرؤية في صلاحيات الرئاسات الثلاث (الحكومة والرئاسة والبرلمان) وتداخلها.

اقرأ أيضاً: نصر الله يكشف تفاصيل دور سليماني في لبنان والعراق
إنّ إعادة صياغة الدستور باتت ضرورة ملحّة من قبل شخصيات قانونية مختصة، لا من قبل شخصيات سياسية، كما فعلنا نحن عام 2005.
وما آخر ما يود أن يقوله الدكتور إياد علاوي في هذا الحوار القصير؟
ما أريد قوله؛ إنّي سأعيد النظر بعلاقاتي مع جميع الجهات التي لم تقف مع العراقيين وحراكهم السلمي.

للمشاركة:



ما حكم صيام رمضان مع تفشي فيروس كورونا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-06

نفت دار الإفتاء المصرية إصدارها فتوى بجواز عدم صيام شهر رمضان، الذي يحلّ نهاية الشهر الجاري، وسط انتشار فيروس كورونا.

وقالت الإفتاء في بيان لها عبر حسابها الرسمي بموقع "تويتر" أمس الأحد: "لم ننشر أي فتوى متعلقة بصوم رمضان هذا العام في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، وما يشاع على صفحات السوشيال ميديا غير صحيح".

دار الإفتاء المصرية تنفي إصدارها فتوى بجواز عدم صيام شهر رمضان وسط انتشار فيروس كورونا

ونبهت بضرورة الحصول على المعلومة من صفحاتها الرسمية، داعية: "اللهم بلغنا رمضان وقد كشفت عنا ما نحن فيه".

وختمت بيانها بالتأكيد أنّها ستعلن عن أي تفاصيل خاصة بأي فتاوى جديدة في هذا الشأن عبر الصفحة الرسمية.

وفي وقت سابق، قالت وزارة الأوقاف المصرية، إنها لن تسمح لأي جهة بإقامة موائد في محيط المساجد أو أي ملحقات تابعة لها هذا العام خلال شهر رمضان.

اقرأ أيضاً: عندما سلّم العثمانيون مصر غنيمة سهلة للمحتل الفرنسي

ودعت أهل الخير ولجان البر والجمعيات والجهات التي كانت تقيم موائد إفطار في الشهر الكريم، إلى أن تبادر بإخراج ذلك نقداً أو سلعاً غذائية للفقراء والمحتاجين قبل دخول الشهر المبارك، مع التأكيد على أنّ النقد أنفع للفقير لسعة التصرف فيه.

الأزهر يؤكد عدم جواز الإفطار إلا في حال رأى الأطباء ضرورة بقاء الفم رطباً طوال اليوم كإجراء وقائي

وكان مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية حسم قبل أيام الجدل حول حكم صيام شهر رمضان خلال فترة انتشار فيروس كورونا الجديد، مؤكداً عدم جواز الإفطار إلا في حال رأى الأطباء ضرورة بقاء فم الصائم رطباً طوال اليوم كإجراء وقائي من الإصابة بالفيروس.

وأوضح مركز الأزهر، في بيان، أنّه على الرغم من أنّ "الأمر سابق لأوانه؛ فإنه لا يجوز للمسلم أن يفطر رمضان إلا إذا قرر الأطباء وثبت علمياً أنّ الصيام سيجعله عرضة للإصابة والهلاك بفيروس كورونا، وهو أمر لم يثبت علمياً حتى هذه اللحظة".

اقرأ أيضاً: مصر في زمن الكورونا: الحياة "أون لاين"

وتكررت الأسئلة بشأن حكم صيام رمضان مع تفشي فيروس كورونا المستجد، لا سيما مع النصائح المنتشرة حول بقاء الفم رطباً كإجراء وقائي من (كوفيد- 19)، وفق ما ذكرته منظمة الصحة العالمية من أنّ شرب الماء من الإجراءات الوقائية ضد الإصابة بفيروس كورونا.

للمشاركة:

هل يزول نظام أردوغان خلال عامين؟.. توقعات ومؤشرات

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-06

توقع الناشط التركي المعارض والمعتقل السابق، الدكتور هالوك صواش، زوال نظام حزب العدالة والتنمية الحاكم خلال عامين.

واعتبر صواش، في حوار مع صحيفة "اليوم السابع" المصرية، أنّ صفوف المعارضة التركية أصبحت أكثر قوة وتنظيماً عما قبل.

الناشط هالوك صواش يتوقع زوال نظام حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا خلال عامين

وأكد أنّ حزب العدالة والتنمية الإسلامي الذي يتزعمه رجب طيب أردوغان اتخذ من حركة غولن خصماً له، وأنّ هناك قوائم كانت مُعدة مُسبقاً للطرد والإقالة من المناصب الحكومية بالدولة، بتهمة انتمائهم إلى حركة الخدمة قبل الانقلاب المزعوم.

وأضاف صواش أظهرت حكومة أردوغان معاملة قاسية وسيئة للغاية ضد جميع المعارضين، وهذا لا يتعلق بالدين أو أنصار وأتباع حركة غولن فقط كما تدعي؛ ولكن من قبل وهي تنتهج ممارسات قمعية وانتهاكات تصل إلى حد الإبادة الجماعية كما شهدنا في المدن الكردية بالمحافظات الشرقية؛ حيث تم حرق أحياء وتفجيرات وغيرها من السياسات السيئة. ويُمكن القول بأنّ حزب العدالة والتنمية له سياسات عدائية واضحة تجاه أي من المُعارضين.

اقرأ أيضاً: إيران وتركيا.. ذرائع أقبح من ذنب

وتابع صواش: "من المؤكد سيكون الأمر أكثر صعوبة إذا تمكن أردوغان من البقاء في السلطة، ولكنه يعلم أنه فقد الكثير من قوته وأن موقفه أصبح أضعف كثيراً، وهو ما نراه أيضاً. أردوغان لن يُمكنه البقاء أكثر من عام أو اثنين على الأكثر وأعتقد أنه سيضطر إلى الفرار. وإذا تمت انتخابات على غرار ما حدث مع الانتخابات البلدية في 31 آذار  (مارس) من العام الماضي، ستتغير الحكومة التركية كُلياً. إن المعارضين الآن أكثر صلابة واتحاداً وتنظيماً وإذا استمر نظام أردوغان فسيخسر خسائر فادحة، أو ربما عليه أن يجد طريقة جيدة للتعامل مع خصومة. في الحالتين أتوقع أنّ أردوغان لن يتمكن من البقاء في السلطة على المدى الطويل سواء اتبع سياسة الشدة أو اللين".

دراسة تؤكد أنّ 71.4% من ناخبي حزب العدالة والتنمية يريدون العيش في الدول الغربية

وفي سياق متصل، قالت دراسة أعدتها مؤسسة الديمقراطية الاجتماعية في تركيا (SODEV)  أنّ نسبة كبيرة من المواطنين الأتراك يريدون العيش خارج بلدهم.

وكشفت الدراسة أنّ نحو 79.1% من المواطنين الأتراك يريدون العيش خارج تركيا، مشيرة إلى أنّ النسبة الأكبر أعربت عن رغبتها في العيش في ألمانيا والنرويج والولايات المتحدة الأمريكية.

وأوضحت الدراسة أنّ 71.4% من ناخبي حزب العدالة والتنمية أكدوا أنهم يريدون العيش في الدول الغربية بعيداً عن تركيا، وذلك على الرغم من أنّ حزب العدالة والتنمية والحركة القومية هما أكثر من يستخدمون خطاباً عدائياً تجاه الدول الغربية.

اقرأ أيضاً: تركيا تتكبّد خسائر كبيرة في ليبيا.. هذه آخرها

بينما كانت الدولة الأكثر ترجيحاً لناخبي حزب الشعب الجمهوري هي النرويج، أما بالنسبة لناخبي حزب الخير فقد كانت الولايات المتحدة أول خيار لهم، بحسب الدراسة.

تشير بيانات رسمية صادرة عن الرئاسة التركية إلى أنّ عام 2018 شهد مغادرة 137 ألف تركي بلدهم، واستقرارهم بالدول الأوروبية، وتعكس الإحصائيات زيادة بنحو 20 في المئة في عدد الأتراك الذين غادروا تركيا مقارنة بالعام السابق.

ويوجد 6.5 ملايين تركي بالخارج، فيما ارتفع عدد السوريين في تركيا عقب الحرب الأهلية إلى 3 ملايين و700 ألف سوري من بينهم 63 ألف فقط بالمخيمات وتقيم النسبة المتبقية في 79 مدينة تركية.

للمشاركة:

تحت وطأة كورونا.. هكذا يحيي السودانيون الذكرى الأولى لعزل البشير

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-06

يحيي الشعب السوداني اليوم الذكرى الأولى لاعتصام قيادة الجيش بالخرطوم، وهم يعشون تحت وطأة التدابير الاحترازية لمجابهة فيروس كورونا المستجد.

وسارعت قوى إعلان الحرية والتغيير التي قادت حركة الاحتجاجات الشعبية ضد حكومة المعزول عمر البشير، بدعوة السودانيين إلى إحياء ذكرى الاعتصام من داخل منازلهم، ضمن حملة "من مكانك ردد هتافك"، وذلك تماشياً مع التدابير الصحية الخاصة بمحاصرة الجائحة العالمية، وفق ما أورد موقع "العين" الإخباري.

اقتباس: الحرية والتغيير تدعو السودانيين إلى إحياء ذكرى الثورة من منازلهم ضمن حملة "من مكانك ردد هتافك"

وفي الذكرى الأولى لاعتصام الخرطوم، قيدت جائحة كورونا المواكب الاحتفالية التي كان ينوي السودانيون القيام بها في ذكرى الثورة، والذي يعد بمثابة يوم خالد في ذاكرة النضال والكفاح السوداني.

وقالت لجنة العمل الميداني بقوى الحرية والتغيير، في تعميم صحفي أمس: إنّ الأوضاع الصحية التي تمر بها البلاد اختصرت فعاليات الذكرى الأولى للاعتصام، من مهام جماعية إلى فردية تحسباً للمخالطة.

واعتذرت اللجنة للسودانيين حيث إنّ "ذكرى عظيمة كهذه تمر دون وضع واجبات جماعية نتشارك في تنفيذها جميعنا".

اقرأ أيضاً: هل يشهد السودان انقلاباً عسكرياً جديداً؟

وأشارت إلى أنّ "فعاليات إحياء الذكرى الأولى ستبدأ اليوم عند تمام الساعة الواحدة بتوقيت السودان وتستمر حتى ساعة سقوط البشير في 11 مع الالتزام بالمحاذير الصحية وعدم التجمعات".

وأطلقت قوى الحرية والتغيير حملة "من مكانك ردد هتافك" والتي تحث الثوار على ترديد هتافات الثورة ورفع علم السودان في المنازل والسيارات والشوارع.

كما تتضمن إضاءة فلاشات الهواتف في تمام الساعة 8 مساء من كل مكان مع ترديد النشيد الوطني، وإضاءة الشموع ليلاً مصحوبا بالتقاط صور ونشر صور مواكب الثورة وذكريات العمل الثوري عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وحثت الجميع على اتباع الإرشادات الطبية لمنع تسلل فيروس كورونا عبر الصور والمنشورات.

هذا وارتفع عدد الحالات المصابة بفيروس كورونا المستجد في السودان أمس إلى 10 حالات مؤكدة.

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون في السودان.. هل تشير لغة التحريض إلى ما هو أعظم؟

ورحّب نشطاء سودانيون في مواقع التواصل الاجتماعي بفكرة الاحتفاء داخل المنازل بذكرى اعتصام قيادة الجيش بالخرطوم، لأنّ ذلك يتماشى مع التدابير الوقائية التي وضعتها السلطات الصحية للسيطرة على جائحة كورونا.

للمشاركة:



حملة ضد رموز "الإخوان" في السودان

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-06

أحمد يونس ومحمد أمين ياسين

أعلنت الحكومة الانتقالية السودانية رصدها لتحركات تقوم بها بعض عناصر من نظام الرئيس المعزول عمر البشير لزعزعة الأوضاع في البلاد، وتوعدت باتخاذ إجراءات سريعة وحاسمة في مواجهتهم، فيما أكدت القوات المسلحة هدوء الأوضاع الأمنية في البلاد. وقال المتحدث باسم الحكومة، وزير الإعلام فيصل محمد صالح، في تصريحات عقب اجتماع طارئ أمس لمجلس الوزراء برئاسة عبد الله حمدوك، إن الاجتماع بحث الأوضاع الأمنية والاقتصادية في البلاد بعد أن رصدت الحكومة «تفلتات أمنية» تقف وراءها مجموعات من حزب «المؤتمر الوطني» (حزب البشير) المنحل، وتوعد باتخاذ إجراءات سريعة وفعالة تجاهها.

ووفقاً لمصادر حكومية وأخرى في «قوى إعلان الحرية والتغيير»، الحاضنة السياسة للحكومة، فإن بعض رموز النظام المعزول من قيادات الإسلاميين، كانت تخطط لاستغلال عدم التجمهر بسبب فيروس كورونا، لتنفيذ انقلابهم على الحكومة الانتقالية والعودة للحكم مجدداً. وذكرت أن الاجتماع أوصى بإلقاء القبض على بعض رموز الإسلاميين ونشطائهم، وطالبت باستدعاء القوات المجازة وفرض حراسات مشددة على بعض المواقع والشخصيات، تحسباً لما قد يحدث من فوضى.

من جهته، نفى المتحدث باسم الجيش، العميد عامر محمد الحسن، في بيان أمس، ضلوع الجيش في أي عملية انقلابية، وعدم وجود شبهات أو قرائن لحدوث انقلاب وسط القوات المسلحة، وأن الأحاديث عن محاولة انقلابية «غير صحيحة».

وأوضح صالح أن اجتماع مجلس الوزراء شدد على ضرورة الإسراع في تكوين جهاز الأمن الداخلي، ومتابعة تقارير دورية عن الأوضاع الأمنية ومستجدات محاكمات رموز النظام السابق وقضايا الفساد، وسير عملية السلام. وقال وزير الإعلام إن اجتماع مجلس الوزراء أمّن على ضرورة إحداث تغيير عاجل في حكومات الولايات، على مستوى المديرين العامين في الوزارات الولائية والهيئات العامة، وإزاحة عناصر النظام المعزول التي اتهمها بعرقلة إجراءات التغيير.

من جهة أخرى، أدانت وزارة الخارجية السودانية أمس (الأحد) حادث اعتداء طالب لجوء سياسي سوداني على فرنسيين في جنوب شرقي فرنسا يوم أول من أمس. وأكدت الوزارة في بيان، نقلته وكالة السودان للأنباء (سونا)، إدانتها «لهذا الحادث المؤسف بأشد العبارات»، وأضافت أنها «تقدم تعازيها الحارة لأسرتي الفقيدين وتتمنى الشفاء العاجل للجرحى». ووفقاً للبيانات التي ذكرها بيان الوزارة فإن المعتدي سوداني من مواليد عام 1987 ودخل الأراضي الفرنسية بصورة غير شرعية في أغسطس (آب) من عام 2016.

ولقي شخصان حتفهما وأصيب خمسة آخرون جراء قيام المشتبه به بالاعتداء عليهم بالطعن يوم أمس. وتولت شرطة مكافحة الإرهاب الفرنسية القضية. وأثناء تفتيش منزل المشتبه به، تم العثور على أوراق بها محتوى ديني، مما يشير إلى أنه قد ينتمي إلى إحدى الجماعات الإسلامية.

عن صحيفة "الشرق الأوسط"

للمشاركة:

البعد الأخلاقي للوباء.. تحولات في القيم

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-06

ديفيد بروكس

الفلسفات يمكن أن تبدو، لدى البعض أحياناً، مثل نكات قاسية. فالشيء الوحيد الذي يهم هو البقاء على قيد الحياة. ومن دون الإلهام الذي يمنحه إيانا معنى أعلى، تصبح للأنانية اليد الطولى.
الواقع أن هذه الأفكار مغرية وجذابة في وقتنا الحاضر، ولكنها بالطبع خاطئة. فعندما تمر هذه الأزمة، سننظر إليها باعتبارها واحدة من أكثر مراحل حياتنا غنى بالمعاني.
فيكتور فرانكل (طبيب الأعصاب والطبيب النفسي النمساوي الذي نجا من الهولوكست) ذكّرنا بأننا لا نستطيع اختيار صعوباتنا، ولكنا نملك الحرية لاختيار ردودنا عليها. وأكد على أن المغزى يأتي من ثلاثة أشياء هي: العمل الذي نقدّمه في أوقات الأزمات، والحب الذي نعطيه، وقدرتنا على إظهار الشجاعة إزاء المعاناة. فالتهديد قد يكون دون قدرة البشر أو فوق قدرة البشر، ولكن لدينا جميعاً خيار تأكيد كرامتنا، حتى النهاية.
سأضيف هنا مصدراً آخر للمعنى. إنها القصة التي نحكيها حول هذه اللحظة. الطريقة التي نربط بها لحظة معاناتنا هذه بقصة الخلاص والافتداء. والطريقة التي نخرج بها بعدئذ لنعيش تلك القصة في الواقع بعناد. إن الوباء اليوم وحش غير مرئي، ولكنه يلد عالماً أفضل.
هذا الوباء بشكل خاص يضربنا تحديداً في أكثر المناطق ضعفاً وحساسية، ويكشف بالضبط تلك العلل التي كنا قد تهاونا معها وصرنا متسامحين معها بكسل. فنحن في الولايات المتحدة أصلا أمّة منقسمة، والوباء جعلنا نبتعد عن بعضنا بعضا بمسافة. ثم إننا نعرّف أنفسنا غالبا بمهننا، والوباء يهدّد بالقضاء عليها، والأسئلة الأخلاقية الأساسية تفرض نفسها.
بهذه الطريقة يفرض الوباء أن نعالج مشاكلنا بطرق لم نكن مضطرين لها من قبل. ولكن الوباء يُخرج قدرتنا على الإبداع. وخلال الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، تولد أشكال التنظيم العظيم للمستقبل.
فهناك طاقة جديدة أخذت تأتي إلى العالم. ولعل الصورة النموذجية لهذه الأزمة هي كل تلك الصور التي على الإنترنت لأشخاص يجدون طرقا للغناء والرقص معا عبر المسافات.
كما أن هناك تحولا للقيم أخذ يأتي إلى العالم. ذلك أننا بتنا مضطرين للحفاظ على روابطنا الإنسانية. وصارت العلاقات تُنسج بشكل أوثق جراء الضغط الناتج عن الخوف المتبادل.
وهناك عمل جديد أخذ يأتي إلى العالم أيضا. فقد كنتُ أجري اتصالا على تطبيق «زوم» هذا الأسبوع مع 3 آلاف طالب يستضيفهم «منتدى فيريتاس». وكان ثمة سؤال واحد على كل الأذهان: ما الذي أستطيع فعله الآن؟
كما أجريت اتصالا آخر على تطبيق «زوم» مع 30 شخصاً. وكان كل واحد منهم قد بدأ نشاطا جديدا لخدمة جيرانه. فقد كانت ثمة سيدة توزّع بذور الخضار حتى تستطيع الأسر زرع حديقة خضار خاصة بها. وكان آخرون يحوّلون تلك المكتبات الصغيرة التي على الحدائق الأمامية للمنازل إلى خزائن للمؤن الغذائية. وبعض الأشخاص يضعون على منازلهم أضواء الزينة التي توضع في الأعياد عادة من أجل إشاعة جو من البهجة والانشراح.
وفضلا عن ذلك، هناك أيضا نوع جديد من التأمل والتفكر الذاتي الذي أخذ يأتي إلى العالم. فكل الأشخاص الذين تحدثت معهم هذه الأيام بدوا تواقين إلى إجراء محادثات أعمق وطرح أسئلة جوهرية أكثر:
هل أنت مستعد للموت؟ وإذا امتلأت رئتاك بالسوائل من الثلاثاء، هل ستكون قانعا بالحياة التي عشتها؟ ماذا ستفعل إذا مات أحد أحبائك؟ وهل تعرف أين توجد مواردك الروحية والعلائقية الأهم؟
أي دور تلعبه في هذه الأزمة؟ وما هي الطريقة التي يسمح وضعك الحالي بأن تقدم بها خدمة للمجتمع؟
لدينا جميعا مهمة مواجهة مخاوفنا. لستُ أدري بماذا تشعر أنت، ولكن في يخصني لدي في داخلي بعض الخوف الذي لم يرحل منذ أن بدأت هذه الأزمة. غير أنه تدريجيا يكتشف المرء أن لديه الموارد للتعاطي مع هذه الأزمة بينما يحارب الفيروس بالمحادثة والعمل المباشر. ذاتٌ أقوى تخرج من براثن الموت والقلق.
إن المعاناة يمكن أن تكون مخلِّصة ومنقذة. ذلك أننا نتعلم أشياء أكثر حول أنفسنا في هذه الفترات العصيبة. والاختلافات بين الأحمر والأزرق لا تبدو بتلك الحدة المعهودة على نقّالات أقسام الطوارئ، ولكن اللامساواة في العالم تبدو فاحشة أكثر حينما يكون الفرق بين الأغنياء والفقراء هو الحياة أو الموت.
وبالتالي، أجل، إنها لحظة حافلة بالمعاني. وهذا المعنى تحديدا هو الذي سيُلهمنا ويحافظ على لحمتنا وتماسكنا بينما تسوء الأمور. وفي أوضاع كهذه، يكون المعنى علاجاً حيوياً للروح.

للمشاركة:

الاحتلال.. لا رحمة حتى في الوباء

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-06

خوان كول

في دليل على أن تقنيات الاستعمار الاستيطاني لا تتوقف أبداً، هدمت قوات الاحتلال «الإسرائيلي» عيادة طوارئ أقامها الفلسطينيون في بلدة صغيرة داخل الضفة الغربية الفلسطينية المحتلة، وفقاً لما ذكرته منظمة السلام «الإسرائيلية» (بِتْسيلِم).

كتبت «بِتسيلِم»: «في صباح، يوم الخميس الماضي، وقرابة الساعة السابعة والنصف، وصل مسؤولون من الإدارة المدنية (الإسرائيلية) في الضفة الغربية برفقة سيارة جيب عسكرية وجرّافة وشاحنتيْن مسطّحتين مع رافعات، إلى (خربة إبزيق) في شماليّ غور الأردن. صادروا أعمدة وأقمشة كتانية كان يُفترض أن تستعمَل في نصْب ثماني خيام، اثنتان لعيادة ميدانية، وأربع للإسكان العاجل للأهالي الذين تمّ طردهم من منازلهم، واثنتان لاتخاذهما مسجدين مؤقتين. وصادرت القوّة أيضاً كوخاً من الصفيح قائماً منذ أكثر من عامين، إضافة إلى مولّد كهرباء، وأكياس رمْل وإسمنت. وصودرتْ أربع مصاطب نقالة مخصصة لأرضيّات الخيام، ودُمرت أربعٍ أخرى».
من مبادئ الاحتلال «الإسرائيلي» أنه لا يُسمح لخمسة ملايين فلسطيني يعيشون في ظلّ بطشه وقمعه، بإنشاء مبانٍ جديدة بلا تصريح منه. وتأمل سلطات الاحتلال من ذلك، كما هو واضح، في أن تدفع الفلسطينيين إلى الخروج من فلسطين مع الزمن بحرمانهم من المأوى الأساسي. ولكون هذا المبدأ، أي «عدم السماح بإنشاء مبانٍ جديدة» يُطبَّق على عيادات أقيمت على عجل للفلسطينيين المعرّضين للخطر في قراهم الصغيرة في خضمّ انتشار وباء عالمي، فإنه ينمّ عن منتهى القسوة والوحشية. وهو بالتأكيد جدير بأن يُعتبَر جريمة حرب بموجب اتفافية جنيف لعام 1949 المتعلقة بمعاملة السكان الذين يعيشون تحت الاحتلال.
لنتأمّلْ ما يلي: لقد تعاملت الصين ونيويورك مع انتشار الفيروس بطرق عدة، منها إنشاء مستشفيات جديدة، سواءً بالتغيير المؤقت لأغراض استعمال بنايات أخرى، أو ببناء منشأتيْن جديدتين في مدينة ووهان. أمّا الفلسطينيون، فلا تسمح لهم «إسرائيل»، حتى بإقامة خيام ميدانية!
استنكرت وزارة الخارجية الفلسطينية «هذه الاعتداءات التي تترافق أيضاً مع تصاعد حملات الاحتلال الرامية إلى محاربة الوجود الفلسطيني في منطقة الأغوار المحتلة، التي كان آخرَها تدميرُ عيادة ميدانية تخدم المواطنين الفلسطينيين في خربة (إبزيق) شرق طوباس، على الرغم من الإجراءات المفروضة والحاجة الملحة للعيادات الطبية، وما تقدمه من خدمات طبية، في ظل استمرار تفشي وباء فيروس كورونا، إضافة إلى حملة الاعتقالات المتواصلة ضد أبناء شعبنا في القدس المحتلة».
وتشكو وزارة الخارجية أيضاً من أن المستوطنين الغاصبين للأرض الفلسطينية، شكَّلوا عصابات لمهاجمة الفلسطينيين في البلدات والقرى الصغيرة، مستغِلّين عدم اهتمام العالم بفلسطين خلال الوباء.
وقد ظهرت حالات إصابة بوباء «كوفيد- 19» فعلاً في الضفة الغربية الفلسطينية، ذات الكثافة السكانية العالية، حيث تُجبر سياسات الاحتلال «الإسرائيلي» الناس هناك على الاصطفاف في طوابير مزدحمة عند نقاط التفتيش العسكرية. وتفعل السلطة الفلسطينية ما بوسعها لتشجيع التباعد الاجتماعي، ولكنها تظل عاجزة عن التصرف بسبب السياسة «الإسرائيلية»، والإعاقة المتعمدة للجهود الفلسطينية المبذولة لمحاربة الوباء.

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية