متى يكف أردوغان عن المتاجرة بشهداء ثورة التحرير الجزائرية؟

الجزائر

متى يكف أردوغان عن المتاجرة بشهداء ثورة التحرير الجزائرية؟

مشاهدة

10/03/2020

يسعى أردوغان للتقارب مع الجزائر، للحصول على دعمها لتدخله في ليبيا من ناحية، ولمناكفة فرنسا من ناحية أخرى، بجانب المصالح الاقتصادية وغيرها، وهذا ما دفع الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، لمغازلة الشعب الجزائري، بالحديث عن حوزته لوثائق تدعم ما نسبه إلى الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، بأنّ فرنسا قتلت 5 ملايين جزائري، خلال عهد الاستعمار.

اقرأ أيضاً: الجزائر والأزمة الليبية
تصريحات أردوغان عادت بالسّلب عليه، ففتحت قضية الخذلان التركي المرير للشعب الجزائري لإرضاء فرنسا، وذلك حين سلّم الحكام الأتراك في العهد العثماني البلاد للفرنسيين العام 1830، وانسحبوا تاركين الشعب الجزائري يواجه مرارة الاحتلال وحده، ثم حين دعمت الجمهورية التركية المحتل الفرنسي علانيةً، وساندته دبلوماسياً وسياسياً.

اقرأ أيضاً: الجزائر وفرنسا وتركيا: آلام الماضي وأطماع المستقبل
من زاوية أخرى كشفت التصريحات عن انتهازية أردوغان وأتباعه؛ الذين لم يراعوا حساسية تلك القضية للشعب الجزائري، وتأثير مثل تلك التصريحات الهوجاء على علاقة الجزائر بفرنسا، وسعي الدولتين للوصول إلى اتفاق حول الماضي، يراعي حقوق شعب الجزائر التاريخية، ويدشن لمستقبل من التعاون والتكافؤ والاحترام.

الخيانة التركية الأولى
حكم الأتراك العثمانيون الجزائر لمدة ثلاثة قرون كاملةً، منذ استيلاء خير الدين بربروس على مدينة الجزائر، وطرده الإسبان العام 1529، وسبق ذلك 15 عاماً من الوجود التركي غير المستقر، حتى انتهى الاحتلال التركي بالاستسلام المهين للفرنسيين العام 1830.

يسعى أردوغان للتقارب مع الجزائر للحصول على دعمها لتدخله في ليبيا ولمناكفة فرنسا من ناحية أخرى

سَخر الأتراك البلاد لمدة 300 عام لتحقيق رفاهية فئة قليلة حاكمة، منعزلة عن أهل البلاد، لا يزيد عددها على بضعة آلافٍ، فلم تشهد البلاد خلال الحكم التركي المديد ازدهاراً، أو مدنيةً، أو إسهاماً حضارياً، بل زادت معاناة السكان، بسبب الضرائب الباهظة التي فرضها الأتراك عليهم.
لم يكن الأتراك سوى طغمة عسكرية، تعاملت مع الجزائر كإقطاع يعتاشون على ثمراته، ويُسخرونه لخدمتهم، حتى إذا ما هدد وجودهم خطر يفوقهم قوةً تخلّوا عن الإقطاع، وعادوا إلى بلادهم. يدعم ذلك القراءة الدقيقة لبداية الاتصال التركي بالجزائر؛ للحصول على موطئ قدمٍ لممارسة نشاط القرصنة، ثم تبع ذلك التبعية للسيادة العثمانية، التي ظلت اسميةً، بينما كان الحكام الفعليون زمرةً من الانكشارية والقراصنة والمغامرين الأتراك.

اقرأ أيضاً: الجزائر وخطر "الإسلام السياسي"
لا تتمثل مأساة شعب الجزائر في الاضطهاد والإهمال الذي أدى إلى الفقر والمجاعات وتفشي الأوبئة والردة الحضارية فقط، بل في حرمان أهل البلاد من تولي زمام أمورهم، وتجريدهم من مقومات الحضارة والقوة، فكان السقوط بيد المحتل الفرنسي مجرد تحصيل حاصل.
يلخص صالح عباد في كتابه "الجزائر خلال الحكم التركي 1514-1830" وضع البلاد الفوضوي في عهد الأتراك بقوله: "دخل النظام التركي في الجزائر في السنوات الأخيرة من القرن الثامن عشر، والثلث الأول من القرن التاسع عشر أزمة عامة، وجدت البلاد صعوبة في تجاوزها بالسرعة المطلوبة. لقد تقهقرت القرصنة، التي كانت دعامة هامة من دعائم النظام، فلم يتمكن من تعويض مداخيلها رغم لجوئه إلى تشجيع الزراعة، والتصدير الفوضوي المُبالغ فيه للحبوب نحو الخارج، وخاصة نحو فرنسا، الذي كان يؤدي إلى حرمان السكان من طعامهم، ويُثقل كاهلهم بالضرائب".


دفعت الجزائر ثمن سياسات حكم القراصنة الأتراك بالاحتلال الفرنسي، فقد جاء في رسالة رئيس وزراء فرنسا بولونياك، إلى سفير بلاده في لندن، قبيل أيام من الغزو ما يلي: "المصلحة الثانية التي تهم البلاد المسيحية عامةً، فهي إلغاء الرق، والقرصنة، ودفع الجزية التي مازالت أوروبا تدفعها إلى ولاية الجزائر".

أما عن موقف الدولة العثمانية فيصفه صالح عباد بالجهل؛ فعلى الرغم من علمها بالاستعدادات العسكرية الفرنسية إلا أنّها لم تحرك ساكناً لحماية البلاد، ولم يكن رجال إسطنبول بالقدر الكافي لمواجهة الأطماع الفرنسية؛ "على أية حال فإنها (الدولة العثمانية) لم تتحرك عسكرياً لا من أجل الحفاظ على نفوذها المعنوي في الجزائر، ولا من أجل الحفاظ على استقلال البلاد".
نفس الأمر حدث مع الطغمة التركية الحاكمة في الجزائر؛ فعلى الرغم من معرفتها بموعد الهجوم قبل 6 أشهر، ومكانه في منطقة سيدي فرج، إلا أنهم لم يُحصنوا المنطقة، وانسحبوا منها حين وصلت الحملة الفرنسية، وقامت بالإنزال البري لجنودها، لتشرع في غزو الجزائر.

اقرأ أيضاً: لماذا فشل لوبي أردوغان في "توجيه" القرار السياسي الجزائري؟
ختم الأتراك نهاية وجودهم في البلاد بالاستسلام المشين للداي (الحاكم) حسين باشا، مقابل ضمان خروجه الآمن، بثروته الطائلة التي كونها من نهب الشعب الجزائري.

انسحب الأتراك من البلاد، وتركوها لقمة سائغة للفرنسيين، وقبلت الدولة العثمانية بواقع الاحتلال، ولم تهتم بمصير شعب الجزائر، بل ظلت على علاقة قوية بفرنسا، وفضلت أن تُقدم شعب الجزائر قرباناً لهم، في سبيل استمرار العلاقة الطيبة بينهما، واعترفت بشكل شبه رسمي بتبعية الجزائر لفرنسا؛ حين شطبت اسم ولاية الجزائر من جدول الولايات العثمانية، في أول الحوليات الرسمية للعام 1847.
أما عن الكراغلة (أبناء الأتراك من زوجات غير تركيةٍ) فقد تعاونوا مع المحتل الفرنسي، وانضموا إلى الجيش الفرنسي في حروبه ضد المقاومة بقيادة الأمير عبد القادر.

 الأمير عبد القادر الجزائري

شنق حفيد الأمير عبد القادر
لا يأتي في سيرة الأمير عبد القادر الجزائري، بطل المقاومة بين سنوات (1832-1847)، ذكراً لدعم عثماني، بل كانت مقاومة وطنية خالصة، نُفي إلى الدولة العثمانية، بعد هزيمته أمام القوة الفرنسية الغاشمة، التي تفوقه عددا وعدةً، واختار الإقامة في دمشق العربية، وتوفي فيها العام 1883.

سلّم الحكام الأتراك في العهد العثماني الجزائر للفرنسيين وانسحبوا تاركين شعبها يواجه مرارة الاحتلال وحده

ظلّ الأمير خلال إقامته في المدينة محافظاً على علاقة طيبةٍ بالعثمانيين، فلم يكن يرى فيهم مُعيناً، ولا يرجو منهم خيراً، بل علاقة طيبة نابعة من طبيعته الكريمة مع الجميع؛ أي باختصار لم يكن بينه وبينهم شيء، بجانب تقديره لمقام السلطان العثماني، مثل أغلب المسلمين.
في تلك العلاقة وجد أنصار الأتراك من المؤرخين العرب مدخلاً لتبييض وجه الدولة العثمانية، بالحديث عن تقدير الأمير عبد القادر لمقام العثمانيين، وحفاوة الاستقبال العثماني له، وفاتهم أنّ ذلك لا يعني شيئاً؛ إذ حصل الأمير على تقدير واحترام الفرنسيين أيضاً، ومخصصات مالية شهرية تعويضاً عن حرمانه من أملاكه.
على رأس هؤلاء يقف المؤرخ الإخواني الليبي علي الصلّابي، المقيم في تركيا، والذي أوقف قلمه على خدمة أردوغان؛ فلا يكاد أردوغان يتحدث عن قضيةٍ تخص العثمانيين إلا ويسارع الرجل بنشر مقال يدعم فيه كلامه. عندما تاجر أردوغان بتاريخ الاحتلال الفرنسي للجزائر سارع الصلابي بنشر مقالين في يوم واحد، يدعمان التصريحات، وذلك بتاريخ 13 شباط (فبراير) 2020، عقب زيارة أردوغان إلى الجزائر بعدة أيامٍ، والتي أعقبها بتصريحاته المثيرة للجدل عن الاحتلال الفرنسي، والتي لاقت استهجاناً جزائرياً رسمياً وشعبياً، إلا من الإخوان المسلمين في الجزائر.

اقرأ أيضاً: الجزائر: إرسال أردوغان للمرتزقة السوريين فاقم أزمة ليبيا
نُشر أحد مقالي الصلابي في موقع "مدونات الجزيرة" بعنوان "الأمير عبد القادر.. التمسك بالرابطة العثمانية ورفضه الإغراءات لتنصيبه ملكاً"، يحاول فيه استغلال تسامح الأمير مع التخاذل العثماني لبلاده، وتحويله على أنه دعمٌ وولاءٌ للعثمانيين. ويسرد قصصاً غريبة عن سعي بريطانيا لتنصيب الأمير ملكاً على الجزائر، ثم سعي فرنسا لتنصيبه ملكاً على الشام، ورفض الأمير لذلك تمسكاً بالدولة العثمانية، والتبعية لها.
يحمل كلام الصلابي بعض الصحة، والكثير من المغالطات كعادته، فوجود خطط بريطانية وفرنسية لتوظيف شخص الأمير، وعدم تفاعله معها لا يعني بالضرورة أنّ الولاء للعثمانيين هو سبب الرفض، فهناك عشرات الأسباب تجعل الأمير ينأى بنفسه عن مخططات القوى التي حاربها بالأمس.

اقرأ أيضاً: هل لغّمت الحكومة الجديدة حراك الجزائر؟
ونسي الصلّابي في محور حديثه عن الحب العثماني للأمير وأسرته، أن يذكر حادثة إعدام الأمير عمر، حفيد الأمير عبد القادر، على يد السفاح العثماني جمال الدين باشا، في إطار مذابحه ضد القوميين العرب، عامي 1915، و1916، حيث شُنق الأمير عمر مع عشرات المفكرين والسياسيين العرب، بجريمة حبهم للعروبة، ولسعيهم لإنقاذ الشام من الطغيان التركي.

 ثورة التحرير في الجزائر (1954-1962)

خذلان ثورة التحرير

جاء اندلاع ثورة التحرير في الجزائر (1954-1962) على عهد حكومة عدنان مندريس، أحد الآباء المؤسسين للأحزاب الدينية في تركيا، والتي خرج من رحمها حزب العدالة والتنمية الحاكم. وقف مندريس موقفاً عدائياً من ثورة الجزائر، إرضاءً لفرنسا والغرب على حساب معاناة الشعب الجزائري.

سبق أن دعا رئيس الوزراء الجزائري السابق أحمد أويحيى أردوغان إلى "عدم المتاجرة بدماء الجزائريين"

كتب أحمد توفيق المدني، في كتابه "حياة كفاح – مع ركب الثورة التحريرية" عن خيانة الأتراك للقضية الجزائرية ما يلي: "حكومة عدنان مندريس التي تعتمد على الاتجاه الإسلامي الدافق في البلاد التركية تُصادم الثورة الجزائرية، وتدلي بصوتها في هيئة الأمم المتحدة إلى جانب فرنسا، أو تحاول أن تقف موقفاً حيادياً هو لفائدة فرنسا أولاً وأخيراً".
وقفت الحكومة التركية ضد الثورة الجزائرية، ودعمت فرنسا سياسياً بأن عارضت بقوة إدراج القضية الجزائرية في جدول أعمال الأمم المتحدة طيلة سنوات الثورة، وعملت على تضليل الشعب التركي بنقل أخبار مُزيفة عن الثوار، ووصْفهم بالمتمردين، الخارجين على القانون.

اقرأ أيضاً: إسلاميو الجزائر يغازلون السلطة الجديدة
عقب تصريحات أردوغان السابقة، نشر الصلابي مقالاً في موقع "بوابة الشروق" الجزائرية، بعنوان "الدعم العسكري التركي للثورة الجزائرية في فترة عدنان مندريس" محاولاً تبييض صورة الأب الروحي للإسلاميين الأتراك، ومن بينهم أردوغان، وذكر قصة تقديم تركيا شحنة أسلحة إلى الثوار الجزائريين، عن طريق ليبيا العام 1957، ووصفها بأنها ساهمت بشكل حاسم في انتصار الجزائريين.
لا تساير الأحداث التاريخية أهواء الصلابي، فلا حديث عن قصة الدعم تلك إلا في مصادر نادرةٍ، من بينها مصدر أحمد توفيق المدني السابق، والذي بيّن أنها جاءت كمحاولة تركية لتحسين صورتها في العالم العربي، بعد الاستقبال الشعبي السيئ لمندريس خلال زيارته إلى ليبيا.

اقرأ أيضاً: لماذا اعتذرت الجزائر عن زيارة أردوغان؟
بناء على ذلك يمكن القول إنّ هذا الدعم لم يكن صادقاً، بل رشوةً لغسل عار الدعم العلني التركي للفرنسيين، ومن جانب آخر فلا حديث عن أثر لهذه الشحنات التركية عند الثوار؛ كونها لم تصل أصلاً إليهم، بسبب اكتشاف فرنسا لها ومُصادرتها، وتحذيرها لتركيا، مما جعل الأخيرة تبدّل خططها.
فضلاً عن ذلك فمن خلال معرفة مكونات الشحنة نجدها متواضعة، لكن الصلابي يصرّ على تزييف التاريخ ويقول: "بعد أسابيع قليلة وصلت هدية السلاح التركي، واستلمها الجيش الليبي في احتفال عسكري، ثم بدأ تسريبها تدريجياً إلى الحركة الوطنية والثوار في الجزائر، فكان السند التركي أحد الأسباب في تحرير الجزائر العام 1962"!

المتاجرة بدم الجزائريين
يُفهم حديث الصلابي السابق حين نضع الرجل في مكانه الصحيح، كأحد أشهر رموز الدعاية للمشاريع التركية في المنطقة، حيث جاء نشر مقاله بعد زيارة أردوغان للجزائر بتاريخ 26 كانون الثاني (يناير) هذا العام، والتي التقى خلالها الرئيس تبون، وبحث معه الملف الليبي والعلاقات الاقتصادية وغيرها من القضايا.
بعد عودة أردوغان إلى بلاده قرّر مناكفة فرنسا باستغلال الدم الجزائري، فصرّح بأنّ الرئيس تبون أبلغه بأنّ فرنسا قتلت 5 ملايين جزائري خلال العهد الاستعماري، وأنه عرض على الرئيس تبون إمداده بالوثائق التي تثبت ذلك.
تصريحات أردوغان غير المسؤولة دفعت الرئاسة الجزائرية للرد عليها، فقالت "فوجئت الجزائر بتصريح أدلى به رئيس جمهورية تركيا، السيد رجب طيب أردوغان، نسب فيه إلى السيد رئيس الجمهورية حديثاً أُخرج من سياقه حول قضية تتعلق بتاريخ الجزائر".

اقرأ أيضاً: متى تبتسم الجزائر؟!
وأعلن البيان أنّه "وبداعي التوضيح، تُشدد الجزائر على أنّ المسائل المعقدة المتعلقة بالذاكرة الوطنية التي لها قدسية خاصة عند الشعب الجزائري، هي مسائل جد حساسةٍ، لا تساهم مثل هذه التصريحات في الجهود التي تبذلها الجزائر وفرنسا لحلها".
تلك ليست المرة الأولى لمتاجرة أردوغان بالدم الجزائري، فسبقتها محاولة العام 2012 ، حين عاير أردوغان فرنسا بجرائمها في الجزائر، فردّ عليه رئيس الوزراء الجزائري – وقتها - أحمد أويحيى. أويحيى دعا الرئيس التركي إلى "عدم المتاجرة بدماء الجزائريين"، مُذكّراً إياه بأن تركيا هي التي سلمت الجزائر لفرنسا في الأيام الأولى من الغزو الفرنسي في صيف 1830. وزاد أن تركيا عارضت استقلال الجزائر في المحافل الدولية، وكانت شريكاً في جرائم فرنسا بالجزائر باعتبارها عضواً في حلف شمال الأطلسي الذي وقف وراء فرنسا الاستعمارية.

اقرأ أيضاً: الحراك... صحوة البركان الجزائري
في مقال منشور في موقع جريدة "العربي" للكاتب الجزائري، توفيق رباحي، جاء فيه: "أردوغان لا يوظف تاريخ فرنسا حباً في الجزائريين بل نكايةٌ في الفرنسيين"، وذلك لأنّ أردوغان يرى في الرفض الفرنسي لانضمام بلاده إلى الاتحاد الأوروبي عداءً شخصياً، متناسياً أن تركيا لم تَفِ بأيّ من متطلبات القبول ضمن عضوية الاتحاد، الذي يشترط مناخاً ديمقراطياً حقيقياً، وحرياتٍ حقيقية، بينما يستبد أردوغان بالحكم، ويقمع معارضيه، ويعتدي على جيرانه، ويدعم الإرهاب.


الصفحة الرئيسية