ما خيارات روسيا إذا انضمت السويد وفنلندا إلى الناتو؟

ما خيارات روسيا إذا انضمت السويد وفنلندا إلى الناتو؟


23/04/2022

خاضت روسيا حربها ضد أوكرانيا لمنع الأخيرة من الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، فإذا بدولتين جارتين لها، وهما السويد وفنلندا، على وشك الانضمام للحلف، بعد أن ظلتا لعقود على موقف الحياد رسمياً، في الصراع الروسي - الغربي.

وترى الدولتان أنّ الغزو الروسي لأوكرانيا أثبت ألا ضمانة لأيّ منهما سوى مظلة الناتو الدفاعية، وهو موقف ليس برسمي فقط؛ بل موقف شعبي في الأساس، فهل كانت الدولتان في حاجة لعضوية الناتو؟ وهل تشكّل روسيا خطراً عليهما، أم إنّ الدعاية الغربية نجحت في تغيير الرأي العام في أوروبا ضد روسيا؟

من الحياد إلى الانحياز

عقب الحرب النابليونية (1803 - 1815) مالت مملكة السويد إلى موقف الحياد في الصراعات الأوروبية، بعد أن تكبّدت اقتطاع فنلندا لصالح روسيا القيصرية، وإن كان هذا الحياد ظاهرياً بشكل كبير؛ إذ تعاونت السويد مع ألمانيا النازية اقتصادياً. وخلال الحرب الباردة ظلت على موقفها، حتى انهيار الاتحاد السوفيتي، لتنضمّ إلى معاهدة شراكة الناتو من أجل السلام عام 1994، وتشارك في عمليات عسكرية بجانب الحلف.

الحدود الروسية مع أوروبا

أما فنلندا فقد تورطت في دعم ألمانيا النازية نكايةً بالاتحاد السوفيتي بعد حرب الشتاء (1939 - 1940)، وحاربت إلى جانب ألمانيا ضدّ السوفييت في ما عُرفت بحرب الاستمرار (1941 - 1944)، ورغم طردها للقوات النازية، عام 1944، إلا أنّها تعدّ من حلفاء النازية في معاهدة باريس عام 1947، وفُرضت عليها تعويضات حرب، واستقطاع 11% من أراضيها لصالح روسيا. وعقب ذلك تبنّت موقف الحياد حتى انضمامها لمعاهدة الشراكة من أجل السلام، عام 1994، ومنذ ذلك توطدت علاقتها بالناتو.

وعقب الحرب الروسية على أوكرانيا، علت الأصوات في فنلندا والسويد، للمطالبة بالانضمام إلى حلف الناتو، وتسعى الدولتان إلى تقديم ملفّ مشترك بخصوص ذلك، ولم تثنِ تهديدات موسكو بنشر أسلحة نووية في بحر البلطيق الدولتين عن مسعاهما.

ويقول الأكاديمي والباحث في الشؤون الأمريكية - الآسيوية، جلال بن الحاج رحيم: "انضمام البلدين للناتو سيكون بصفة رسمية فقط؛ لأنّهما يرتبطان بعلاقات قوية بالناتو. وجرى استدعاء وزراء خارجية البلدين لقمة الحلف الأخيرة في بروكسل، وكذلك سيحضر البلدان قمة الحلف التاريخية في مدريد في يونيو المقبل".

خاضت روسيا حربها على أوكرانيا لمنع الأخيرة من الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، فإذا بدولتين جارتين لها، وهما السويد وفنلندا، على وشك الانضمام للحلف

وتابع الأكاديمي التونسي لـ "حفريات": "هناك تنسيق رسمي بين البلدين لتقديم ملف مشترك للانضمام إلى الناتو، ومن المرجح بقوة قبول طلبهما، وبشكلٍ سريع، دون المرور بإجراءات مطوّلة، إن لم يكن في يونيو المقبل فسيكون في سبتمبر المقبل، انتظاراً للانتخابات التشريعية في السويد".

وقبيل الحرب في أوكرانيا، كانت نسبة التأييد الشعبي للانضمام إلى الحلف ضعيفة في البلدين، وكذلك عارضت أحزاب كبرى هذا المسعى، لكن عقب الحرب اختلف الأمر: "لم تتعدَّ نسبة التأييد للانضمام إلى الناتو 16% في فنلندا قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، واليوم وصلت إلى 62%. وفي السويد تؤيد نسبة 59% الانضمام إلى الحلف، وهو أمر يجعل الأحزاب السياسية تُزايد على هذه المسألة، لكسب الأصوات الانتخابية"، يقول الأكاديمي التونسي.

مخاوف فنلندا والسويد

وعن مخاوف البلدين، يقول الباحث في التاريخ والعلاقات الدولية، أحمد دهشان: "هناك مخاوف حقيقية لدى البلدين، لكن فيها مبالغة كبيرة، دفعتهما لقبول فكرة الانضمام للناتو، وهذا الدفع قد يكون مناورة وإحدى أوراق الضغط الأمريكية على روسيا، خصوصاً مع تقدمها الملحوظ في أوكرانيا، بسيطرتها على مدينة ماريوبول بعد تغيير إستراتيجيتها العسكرية، وفي نهاية المطاف حتى لو صوّت البرلمان في البلدين على قبول الانضمام للحلف، فلا يعني ذلك انضمامهم بالضرورة".

وأفاد الباحث المصري المقيم في موسكو لـ"حفريات": "الأمر كلّه شدّ أعصاب، وضغوط متبادلة بين روسيا والغرب، لكنّ هذا الصراع يشير إلى أنّ أوكرانيا وروسيا ليستا وحدهما الخاسرتّين فقط، بل ستخسر أوروبا، وليس هناك مستفيد سوى بريطانيا، التي تعزز موقعها بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي، وبالطبع الولايات المتحدة".

أحمد دهشان: الصراع يشير إلى أنّ أوكرانيا وروسيا ليستا وحدهما الخاسرتَين فقط

وتشترك فنلندا في حدود برية طويلة مع روسيا الاتحادية، وتبلغ 1340 كم، بينما لا تشترك السويد في حدود برية، لكنّها تقع على الساحل الغربي لبحر البلطيق، في مواجهة حدود روسية، وبالعودة لتجربة الحرب الفنلندية - السوفيتية، يتبين أنّ الجغرافيا منحت فنلندا حصوناً طبيعية تساعدها في صدّ أيّ هجوم روسي، وكذلك الأمر بالنسبة إلى السويد.

فهل هناك مبالغة في تقدير الخطر الروسي على البلدين؟ يجيب الباحث أحمد دهشان: "نعم، هناك مبالغة"؛ لأنّه "اقتصادياً لا يعتمد البلدان على الغاز والنفط الروسيَّين بنسبة مهمة. وعسكرياً، كشفت العملية الروسية في أوكرانيا عن الأزمة الوجودية التي تهدّد القوة العسكرية الروسية وهي الديموغرافيا؛ إذ إنّ القوات البرية التي شاركت في الحرب ضئيلة مقارنةً بمساحة الأرض التي كان يُراد السيطرة عليها؛ لهذا عدلت موسكو من إستراتيجيتها، وانسحبت من وسط أوكرانيا وكييف، لتتبنّى إستراتيجية خطوة خطوة في السيطرة".

الأكاديمي جلال بن الحاج رحيم لـ "حفريات": واشنطن ورطت موسكو في أوكرانيا، ولهذا لن تسمح للرئيس زيلينسكي بتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار بأي شكلٍ؛ فهدفها استنزاف موسكو

وعن الأبعاد الأخرى، لا يرى الباحث دهشان مقاربةً بين وضعية أوكرانيا من جانب والسويد وفنلندا من جانب آخر بالنسبة لموسكو؛ "هناك أبعاد تاريخية وثقافية وعرقية ودينية بين روسيا وأوكرانيا، بينما لا يوجد ذلك مع فنلندا والسويد، وبمعنى أوضح يمكن القول إنّ الحرب في الدونباس هي حرب أهلية بين الروس القاطنين في روسيا الاتحادية والروس القاطنين شرق أوكرانيا؛ فجميعهم لهم عرقية ولغة ودين وتاريخ واحد، بخلاف غرب أوكرانيا، المشتركين في العرقية السلافية".

وشدّد على أنّ روسيا "لا توجد لديها نوايا في التوسع في دول أوروبية، إذ لديها المساحة والموارد التي تعجز عن استثمارها؛ لهذا فعلى مدى التاريخ كان التوسع الروسي بهدف حفظ الأمن، وليس الطمع في الموارد والأراضي. وإجمالاً؛ الحرب ليست بالقوة فقط، بل تحتاج لمشروعية ما، وهي غير موجودة لروسيا تجاه السويد وفنلندا".

موقف الناتو

الولايات المتحدة هي الصوت الرئيس في الناتو، لأنّ دول الحلف لا تشارك واشنطن التوجهات نفسها حول الأمن الدولي، بل حتى الأمن الأوروبي نفسه وذلك قبيل الحرب في أوكرانيا، باستثناء بريطانيا ودول البلطيق وبولندا، الأكثر تشدداً تجاه روسيا.

ولهذا فإنّ قبول الحلف لطلب انضمام فنلندا والسويد هو أمر مؤكد، بحسب الأكاديمي التونسي، جلال بن الحاج رحيم: "سيستفيد الناتو من انضمام البلدَين من النواحي العسكرية والاقتصادية والمدنية، والتوسع في اتجاه الشمال، مما يمكنه من محاصرة روسيا من ثلاث جهات، وليس خفياً تشجيع واشنطن للبلدين من أجل الانضمام".

ويرى الأكاديمي التونسي؛ أنّه "رغم تفهم السياقات الأوسع للحرب، فإنّ واشنطن ورطت موسكو في أوكرانيا، ولهذا لن تسمح للرئيس الأوكراني، زيلينسكي بتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار بأي شكلٍ؛ فهي تهدف لاستنزاف موسكو اقتصادياً وعسكرياً".

د. جلال بن الحاج رحيم: على المدى القصير سينكمش الاقتصاد الروسي بنسبة 15%

وتابع: "على المدى القصير سينكمش الاقتصاد الروسي بنسبة 15%، وعلى المدى الطويل يواجه وضعاً كارثياً، إلى جانب تكاليف الحرب، مما يبرهن على الفخّ الأمريكي لبوتين، بينما تكسب واشنطن مزيداً من الأعضاء لحلف الناتو، وتعزيز الحلف، ومزيد من الحصار لروسيا".

وفي دراسة بعنوان "الجناح الشمالي الشرقي لحلف الأطلسي (الناتو) - فرص التدخل المستجدة"، أعدها ونشرها مركز "Rand"، عام 2016، بناءً على طلب القوات الجوية الأمريكية، حدّد التقرير تحوّلات الموقف الروسي التي تهدّد مصالح واشنطن، وهي: ضمّ روسيا لشبه جزيرة القرم عام 2014 وما تبعها من الأزمة الأوكرانية، والمناورات العسكرية الروسية على حدود الناتو، والغارات الجوية المتعددة فوق أجواء دول الناتو وشركائه، وتحديث الترسانة الصاروخية، والتبجحات النووية الخطيرة، والخطاب المعادي للغرب، والافتقار إلى الثبات السياسي في الداخل، والتدخل الروسي في سوريا. ولم يضف التقرير مهدّدات أخرى استجدت بحسب وجهة النظر الأمريكية، منها؛ التدخّل الروسي في ليبيا، وأفريقيا الوسطى، ومالي.

ولم يتوقع التقرير انضمام فنلندا والسويد إلى الناتو على المدى القريب، لكنّه أوصى بتعزيز التعاون العسكري مع البلدين، وعدد المزايا التي تتيجها عسكرياً وتقنياً ولوجيستياً للناتو، فضلاً عن استخدام ورقة انضمامها كردع لموسكو.

وليست خافية قوة مركز "راند" في صنع السياسة الأمريكية، كما أنّ توسع الناتو كهدف لواشنطن ليس أمراً غير معروف، ولهذا فمن المؤكد أنّ واشنطن ترحّب بقوة بكلّ توسّع للناتو، خصوصاً في بلدان جوار روسيا.

الردّ الروسي

ولم تُبدِ السويد وفنلندا اكتراثاً كبيراً بالتهديدات الروسية، والتي تكررت على لسان المتحدثة باسم الخارجية، ونائب رئيس مجلس الأمن الروسي، ديمتري ميدفيديف، وقال الأخير: "في هذه الحالة، لا يمكن الحديث عن وضع غير نووي لبحر البلطيق"، مشيراً إلى إمكانية نشر روسيا "سفناً مسلحة بصواريخ إسكندر وأسلحة فرط صوتية وأسلحة نووية في المنطقة".

رئيسة وزراء السويد، ماغدالينا أندرسون، مع نظيرتها الفنلندية، سانا مارين

عدا ذلك، هل تملك روسيا خيارات أخرى؟ يرى الأكاديمي جلال بن الحاج رحيم: أنّ "روسيا عاجزة وستكون عاجزة عن الردّ باستثناء بعض الاستفزازات حول فنلندا، أو نشر أسلحة نووية على الحدود الروسية الشمالية والشرقية حول بحر البلطيق". وأشار إلى أنّ هناك مسألة أخرى تتعلق بالانضمام للناتو قد تلقى معارضة شعبية، وهي "مسألة نشر أسلحة نووية في أراضي البلدين ضمن إستراتيجية الردع للناتو"، لكن بحسبه "هي مسألة ثانوية بالنسبة إلى الأمن".

ومن جانبه، يقول الباحث أحمد دهشان: "تعوّل موسكو على وضع فنلندا والسويد تحت ضغط الإنفاق العسكري، وهو ما سيؤدي للخصم من إيرادات الدولة، بالتالي، الإنفاق على الرفاهية الاجتماعية في البلدين، وهو ما قد يدفع الشعبَين لمناهضة الناتو جراء ذلك".

ومن جانب آخر، يدرك البلدان هذه المخاطر، وتحدثت رئيستا وزراء البلدين عن تقييم المخاطر حيال خيار الانضمام للناتو من عدمه، لكن في الغالب ستتفوق المخاوف الأمنية. وكانت السويد أعلنت تزويد أوكرانيا بخمسة آلاف قذيفة مضادة للدروع. وعلاوةً على ذلك، كان للسويد وفنلندا تاريخ طويل من العداء مع الإمبراطورية الروسية، وربما يكون ذلك عاملاً في تحفيز العداء الشعبي لروسيا، في ظلّ حالة الحرب الغربية التي لم يسبق لها مثيل ضد موسكو.

مواضيع ذات صلة:

العقوبات الغربية على موسكو.. لماذا فشلت بعض الشركات العالمية في مغادرة روسيا؟

كيف يساهم "الإخوان" في تأييد الغرب والتحشيد ضدّ روسيا؟

كيف تعتزم ميليشيات سورية "الوفاء وردّ الجميل لروسيا"؟




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا
الصفحة الرئيسية