ما المطلوب بعد أن تسكت المواجهة المسلحة والأمنية مع المتطرفين؟

ما المطلوب بعد أن تسكت المواجهة المسلحة والأمنية مع المتطرفين؟

مشاهدة

28/03/2018

يجب الاعتراف بأنّنا لا نملك خطاباً دينياً بديلاً للخطاب الديني المسؤول عن الكراهية والعنف والتطرف، والحال أنّ الإصلاحيين والمعتدلين يملكون وضوحاً في الأهداف، ورؤية النهايات المأمولة، لكنّهم لا يملكون إجابة عملية عن السؤال البديهي والأساسي "كيف؟"، وربّما لا يكون ثمة خيار عملي بديل سوى الانسحاب الرسمي من الشأن الديني، وتعويمه، وتركه للأفراد والمجتمعات، رغم صحة الاعتراض على ذلك باحتمالات الفوضى والتطرف، لكن التورط في الدور الديني للدولة لم يكن أفضل حالاً، وتستطيع السلطات، على أيّة حال، في فترة زمنية معقولة، أن تشجع حراكاً مجتمعياً مستقلاً عنها، لخطاب ديني عقلاني وفردي، يلائم المتدينين، ويخدم السلم الاجتماعي، وأهداف الدول والمجتمعات والأفراد.

نضحك على أنفسنا إذا كنا نعتقد أنّ جرائم الكراهية حين يكون ضحاياها أبرياء تحرّك المشاعر ضدّها أو تفقد التأييد

ثمة معتقدات قوية وراسخة تهيمن على الأجيال التي اكتسحها تدين وانتماءات خارجة عن إدارة وتنظيم مؤسسات الدولة والمجتمع، وهي شأن كلّ المعتقدات، بعيدة عن العقلانية، بمقدار ما هي قوية وتزداد قوة وتأثيراً وانتشاراً، كلما زادت غرابة ووحشية، ونضحك على أنفسنا إذا كنا نعتقد أنّ جرائم الكراهية حين يكون ضحاياها أبرياء، أو لا علاقة لهم بالصراع، تحرّك المشاعر ضدّها أو تفقد التأييد؛ إذ لا ينفر منها سوى فئة هي ابتداء ترفض هذه الأفعال والأفكار والمعتقدات، لكنّها تبعث على الإعجاب و"شفاء الصدور"، لدى فئات واسعة وممتدة. أما الحوار العقلاني والردّ على الأفكار، فلا يستمع إليهما أحد سوى معارضين أو رافضين لهذه الاتجاهات الأيديولوجية أو الاجتماعية، ويظل على الدوام أضعف المعتقدات وأقلها تماسكاً، وأكثرها تغيراً، تلك التي تعتمد على الأسئلة العقلانية ومحاولة الإجابة عنها.

إذا كان الإرهابيون يمثلون جزءاً أقلياً من جماعات تؤمن بالتكفير والقتل؛ وهؤلاء يمثلون أقلية من جيل لم يتعلم حب الحياة ومهاراتها والإبداع والحرية؛ وهؤلاء بدورهم يشكلون فئة من مجتمعات مهمشة غير مستقلة؛ فإنّك كي تعدل سلوك شخص واحد كي يمتنع عن القتل والاعتداء، يجب أن تغير أفكار ومعتقدات ومشاعر مئة شخص يؤيدون هذا العمل ويؤمنون به، ويرونه ضرورة اجتماعية أو شرعية. وكي تغير أفكار مئة شخص، وتحرّرهم من التطرف أو التخلف، يجب أن تعلّم ألف شخص على الأقل التفكير الحر المستقل والنقدي، والقدرة المنهجية على ملاحظة الصواب والمعقولية لدى الآخر، واحتمال الخطأ لدى الذات. ولهذا الغرض، يجب أن تهيّئ لعشرة آلاف شخص، على الأقل، الفرصة للمشاركة الاقتصادية والاجتماعية، والحصول على خدمات أساسية ملائمة ولائقة في العمل والتعليم والرعاية.

لا تخرج الحالة الدينية السائدة اليوم، بكل أبعادها ومخاطرها ومتوالياتها، عن السياسات الرسمية لعالم العرب خاصة، والمسلمين عامة، ويتشكل اليوم في المدارس والجامعات والمؤسسات الرسمية خطاب ديني ليس مختلفاً عن خطاب الجماعات التي تحاربها السلطات الرسمية، ثمة مبالغة في الدور الديني للدولة، وفي إضفاء القداسة والدينية على قضايا ومفاهيم تربوية وأخلاقية ووطنية واقتصادية وتاريخية، ولم يعد سهلاً مراجعتها أو تطويرها، وتضع الدول والمجتمعات نفسها ضدّ ذاتها، وتلحق ضرراً بمصالحها ومواقفها، أكثر ممّا تفعله الجماعات المتطرفة، وفي الوقت نفسه؛ فإن الحالة الدينية الناشئة تعرض سيادة الدول والتزاماتها نحو المواطنين والمقيمين، والمواثيق والقيم الدولية والإنسانية، للخطر والتهديد. ولا يبدو، رغم ذلك، أنّ الدول اكتسبت مصداقية دينية أو حققت انسجاماً مع اتجاه الأغلبية المجتمعية المتدينة والمحافظة، عدا ما صار من نافلة القول عن حالة الكراهية الدينية التي جعلت من العرب على اختلاف اتجاهاتهم ومواقفهم عبئاً على العالم.

كي تعدل سلوك شخص واحد  يجب أن تغير أفكار ومعتقدات ومشاعر مئة شخص يؤيدون هذا العمل ويؤمنون به

وإذا كانت السياسات الدينية القائمة متقبلة في مرحلة سابقة؛ فإنّها لم تعد كذلك في ظلّ تطور الحالة الدينية إلى كارثة عربية وعالمية، ولم يعد ثمة مناص من مواجهة الذات، وإعادة بناء الخطاب الديني، على النحو الذي يميز بوضوح بين الديني وغير الديني، والثابت والمتحوّل، والمقدس وغير المقدس، وأن يصحح علاقة الدولة بمواطنيها وبالمجتمعات وبالعالم المتداخل في بعضه.

إنّ القلق من مشاركة الأفراد والمجتمعات في السياسات العامة التي كانت تحتكرها الدولة، لا يقتصر على الشأن الديني، لكنّه يمتدّ أيضاً إلى مجالات أخرى كثيرة، سبقنا العالم في إسنادها إلى المجتمعات والأسواق، مثل: الثقافة، والفنون، والرياضة، وكثير من الخدمات والسلع الأساسية، وكما تحولت الدول باتجاه خصخصة كثير من الخدمات والسلع، بما في ذلك من آلام وتضحيات؛ فإنّها تواجه الخيار نفسه اليوم في الشأن الديني والثقافي؛ بل لم يعد معقولاً أن تتخلى الدولة عن كثير من أدوارها الاقتصادية والخدماتية وتواصل تأميم الدين والثقافة، ذلك أنّ مصداقية دورها الديني والثقافي كانت مستمدّة من ولايتها الشاملة على احتياجات المواطنين وأولوياتهم.

.. أما وقد تركت للمجتمعات والأسواق أن تنظّم بنفسها خدماتها واحتياجاتها، فقد فقدت تلقائياً شرعيتها الاجتماعية والدينية، وأصبحت في حاجة لرواية جديدة للشرعية، وسلطتها مستمدة من سيادة القانون والحريات والعدالة والمشاركة.

وفي ذلك لن تقتصر إنجازات الدول على إنشاء فرص راجحة لتصحيح الحالة الدينية، ووضعها في سياق الإصلاح والتقدم، لكنّها أيضاً تنسجم مع الاتجاهات العالمية المعاصرة في الشراكة مع المجتمعات، وتقليل دور الدولة فيما يمكن للمجتمعات أن تؤديه. وينسجم أيضاً مع فكرة الدولة الحديثة القائمة على المواطنة والرابط القانوني بين المواطنين، وفي تنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع، وعلى أيّة حال؛ فلن تستطيع دول العرب أن تواصل حالتها الشاذة عن الاتجاه العالمي، فهي تخرج نفسها من مدار العالم، وتكاد تفلت من الكون نفسه ليبتلعها المجهول والفناء.

ورغم صحة الردّ بالقول: إنّ القتلة كانوا، على الأغلب، أشخاصاً أسوياء، وتلقوا تعليماً معقولاً وتنشئة تقليدية. فإنّه صحيح أيضاً القول إنّ المؤشرات الإحصائية، التي تنشرها مؤسسات دولية كالأمم المتحدة، أو دراسات نشرت في مجلات معتبرة، تقدّم دلالات مهمة وواقعية حول العلاقة بين متغيرات كالضغوط والسعادة، والنمو والازدهار، أو كما يقول جوهانس شوفير: إنّ مقولة الفقراء السعداء لا أساس لها من الصحة، على الأقل إحصائياً، وفي استطلاعات الرأي العلمية.

الدول والمجتمعات، في إجازتها أو تقبّلها العنف الرمزي، تجاه فئات أو حالات أو أفكار محددة، تؤسس للعنف والكراهية

الدول والمجتمعات، في إجازتها أو تقبّلها العنف الرمزي، تجاه فئات أو حالات أو أفكار محددة، تؤسس للعنف والكراهية، وتنشئ هوية جامعة متماسكة في مواجهة الأعداء والأخطار، وتوحّد بين غالبية المواطنين، وتؤدي إلى الوحدة والانتماء والشعور بالأمن، والأهم أنّها بالنسبة إلى السلطات السياسية تؤجل الاستحقاقات السياسية والاجتماعية في المشاركة السياسية والعدالة الاجتماعية، وتوزيع الموارد والإنفاق. لكنّها، وعلى المدى الطويل المتراكم، أطلقت حالة عزلة وكراهية وشعور بالرفض. وإن كانت هذه حالة قابلة للسيطرة في مرحلة ما قبل العولمة والمعلوماتية، فإنّها اليوم مثل "صندوق باندورا".

ولنعترف، ونواجه أنفسنا، بأنّنا وسط كارثة لا تفيد في مواجهتها كلّ الأدوات والمؤسسات السابقة، وأنّها تحتاج إلى ثقافة جديدة في العمل والإدارة والتنظيم والعلاقات، مختلفة عمّا قبل اختلافاً كبيراً وجذرياً، فكلّ ما لدى السلطات والمجتمعات من مؤسسات، بات "خردوات" لا تجذب إليها أحداً، حتى من الأطفال والبائعين المتجولين والمتشردين!

نحسن صنعاً، ونقدّم الوقت والدماء، إذا بدأنا بمدن ومجتمعات مستقلة، وتعليم حرّ وعقلاني، وأن تنسحب الدولة نهائياً، بخيرها وشرّها، واعتدالها وتطرفها، وتنويرها وظلاميتها، من الشأن الديني والثقافي، وتترك الناس يفكرون ويتساءلون، فيما تنشغل هي بتحسين المدارس والعيادات ومؤسسات الرعاية الاجتماعية، وتكفّ عن الاستئثار بالفرص والموارد، وليس غير ذلك يوقف القتل والكراهية.

الصفحة الرئيسية