ما "الخطر الأكبر" لإيران في حسابات الإدارة الأمريكية؟

ما "الخطر الأكبر" لإيران في حسابات الإدارة الأمريكية؟

مشاهدة

05/08/2020

في ظلّ سياسة الضغط القصوى التي تمارسها الولايات المتحدة ضدّ إيران، وتكثيف العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، منذ أيار (مايو) العام 2018، والتي أعقبت انسحاب الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، من الاتفاق النووي، يبدو أنّ ثمة اتجاهاً لدى الإدارة الأمريكية لمواصلة السياسة ذاتها، وعدم العدول عن تخفيف أو رفع العقوبات، بهدف تعديل سلوك طهران وتدخلاتها في المنطقة، لا سيما أنّ الدعم العسكري للميلشيات التابعة للحرس الثوري الإيراني، في اليمن والعراق وسوريا، تراه واشنطن "الخطر الأكبر"، وأنّه يهدّد أمن واستقرار دول الإقليم.

لا تخفيف للعقوبات على طهران

تبدو مسألة تجديد فرض حظر بيع وشراء الأسلحة على إيران، من جانب الأمم المتحدة، بحسب ما أعلن وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، قبل أيام قليلة، والذي كان من المفترض أن ينتهي في تشرين الأول (أكتوبر) العام الحالي، من الأمور التي تثير إشكاليات عديدة، وتبعث بأسئلة متباينة حول المسارات التي يمكن أن تتخذها أو تتحايل عليها طهران، بهدف تجاوز حالة الانسداد السياسي مع واشنطن، خاصة أنّ الإدارة الأمريكية أكدت على نيتها تقديم قرار إلى مجلس الأمن، بخصوص تمديد بند الحظر المنصوص عليه في الاتفاق النووي، كما أكّد الرئيس الأمريكي أنّه في حال عدم تبني هذا القرار، سيتوجه إلى استئناف فرض العقوبات الواردة في الاتفاق النووي، ما سيتيح له حظر الأسلحة.

شهدت العلاقة بين الولايات وإيران تعقيدات جمة، منذ عام 1979، وهو التاريخ الذي ترجع إليه بداية فرض القيود على بيع الأسلحة لإيران، وذلك عبر مجموعة من القوانين والتشريعات التي ظلت تتراكم بفعل المخاوف الناجمة عن النشاطات الميدانية والأيدولوجية للجمهورية الإسلامية في المنطقة والعالم، وتهديداتها للمصالح الإقليمية والدولية؛ إذ وضع "قانون منع انتشار الأسلحة بين إيران والعراق"، عام 1992، وتطور الأمر عام 2007، بواسطة قرار مجلس الأمن رقم 1747، والأخير جاء إثر تعنّت إيران أمام مطالب مجلس الأمن، الخاصة بتعليق أنشطة التخصيب المرتبطة بمشروعها النووي.

على الرغم من حظر نقل الأسلحة من إيران وإليها، الذي يفرضه مجلس الأمن على طهران، لكنّ ذلك لم يشكّل عائقاً فيما يبدو أمام تدفق الأسلحة الإيرانية إلى العراق

خلال مؤتمر صحفي لوزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، الأربعاء الماضي، أكّد أنّ واشنطن ستواصل سياسة الضغط على طهران، حتى تتوقف الأخيرة عن نشاطاتها المعادية في المنطقة، وتتصرف كدولة طبيعية، حسبما قال، موضحاً أنّ "طهران هي الخطر الأكبر في منطقة الشرق الأوسط". 

ولفت إلى أنّ الولايات المتحدة فرضت عقوبات جديدة على طهران، شملت وزير الداخلية، عبد الرضا رحماني فضلي، على خلفية تورطه في ممارسات قمع ضدّ المحتجين الإيرانيين، والتي تسبّبت في مقتل الكثير منهم أثناء التظاهر.

المحتجون في إيران أقوى من آلة القمع

في ظلّ تتبع مصادر دعم وتمويل أنشطة إيران، السياسية والعسكرية، سبق لوزارة الخزانة الأمريكية أن "فرضت عقوبات على شركة "شنغهاي سينت لوجيستكس المحدودة" الصينية، نتيجة أنشطة متعلقة بإيران"، إضافة إلى أنّها فرضت، مؤخراً، عقوبات اقتصادية، شملت 15 فرداً و5 كيانات إيرانية، تتصل بصناعة البتروكيماويات".

اقرأ أيضاً: إيران تواصل انتهاك الحدود العراقية بهذه الطريقة

وإلى ذلك، حذّر بريان هوك، المبعوث الأمريكي الخاص لإيران، من خطر النظام في طهران على الشعب الإيراني ذاته، وكذا دول الإقليم؛ إذ لفت إلى أنّ المجتمع الإيراني، بفئاته المختلفة، يبدو متّحداً، على عكس فترات أخرى مضت، ويصطف لمواجهة النظام وممارساته القمعية، كما أنّه "بوقوفه إلى جانب بعضه، يظهر أقوى بكثير من سلاح الباسيج أو سجون الحرس الثوري"، بحسب توصيفه.

بيد أنّ المبعوث الأمريكي حذّر، في الوقت ذاته، من التأثيرات السلبية والخطيرة في حال عدم تمديد العقوبات، ومن بينها، حظر السلاح، لما سيترتب عليه من تصدير الأسلحة من إيران إلى اليمن وسوريا والعراق ولبنان، ناهيك عن ضخّ المزيد من الأسلحة الإيرانية لحزب الله اللبناني، وحركة حماس، وغيرهما.

اقرأ أيضاً: استهداف ميليشيات إيران في سوريا ومقتل 15 عراقياً.. تفاصيل

كما كشف هوك، لصحيفة "الشرق الأوسط" اللندنية، بعد جولة خارجية في تونس وعدد من دول الخليج وأوروبا؛ أنّه "سيتم تقديم مشروع، يسعى لأن تصادق عليه كلّ الدول الأعضاء في مجلس الأمن، سواء كانت دائمة العضوية أم لا، ومنها تونس، لتمديد العقوبات".

كيف تردّ طهران؟

يمكن مشاهدة معالم انقسام إيراني حول الإستراتيجية التي يجب اتباعها في مواجهة المحاولات الأمريكية لتمديد الحظر، وذلك بين الخطّ الذي تنتهجه الحكومة، والخط الذي تميل إليه الدولة العميقة، المتمثلة في مؤسسة الحرس الثوري، والمؤسسات المحافظة، بحسب الباحث المتخصص في الشأن الإيراني، الدكتور محمد الزغول؛ إذ بدا الخلاف واضحاً بين رجال الحكومة، من ناحية، والمؤسسات التي يهيمن عليها التيار الراديكالي، ومعه البرلمان، من ناحية أخرى.

وعلى الصعيد الحكومي، يوضح الزغول في حديثه لـ "حفريات" بأنّ "محاولة الحيلولة دون الوصول لإجماع شامل ضدّ إيران، والصمود الاقتصادي بوجه العقوبات المفروضة ضدّها، يشكلان العمود الفقري لإستراتيجية الحكومة بوجه المحاولات الأمريكية، أما على صعيد الدولة العميقة؛ فثمّة محورَي تصعيد، يمكن اعتبارهما كملامح لإستراتيجية المحافظين تجاه محاولات الولايات المتحدة تمديد الحظر، وهما: الضغط على الأطراف الدولية عبر التلويح بالانسحاب من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية (NPT)، ومراجعة التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والضغط على الولايات المتحدة عبر الضغط على حلفائها، عبر عدة خطوات جديدة، من ضمنها إشارة قائد بحرية الحرس الثوري إلى إنشاء قاعدة عسكرية إستراتيجية في المحيط الهندي (بحر عمان)".

د. محمد الزغول لـ"حفريات": ثمة انقسام إيراني حول الإستراتيجية التي يجب اتباعها في مواجهة المحاولات الأمريكية لتمديد الحظر، بين الخطّ الذي تنتهجه الحكومة، والخط الذي تميل إليه الدولة العميقة

وبشكل عام؛ يمكن القول إنّ إستراتيجية طهران في التصدي لمحاولات تمديد الحظر لا تزال تتبع الآليات القديمة نفسها، بحسب المصدر ذاته، بيد أنّ الظروف الدولية المتغيرة، والخطوات الأمريكية الجديدة، أفقدت هذه الإستراتيجية الكثير من مزاياها، ونقاط قوتها، وهو ما يرجّح احتمالية أن تخفق محاولات إيران في منع عودة الملف الإيراني إلى أروقة مجلس الأمن، أولاً، وأن تخفق محاولاتها في منع تمديد الحظر المفروض على تجارة الأسلحة ثانياً، لكنّها مع ذلك، قد تحقق نجاحاً جزئياً في تعديل المسار، ليكون القرار الصادر عن مجلس الأمن تمديداً قصير المدى للحظر.

خطر التسليح الإيراني

وفي حديثه لـ "حفريات"؛ يوضح الباحث العراقي، منتظر قيسي، أنّه "على الرغم من حظر نقل الأسلحة من إيران وإليها، الذي يفرضه مجلس الأمن على طهران، لكنّ ذلك لم يشكّل عائقاً فيما يبدو أمام تدفق الأسلحة الإيرانية إلى العراق، خلال الحرب على تنظيم داعش الإرهابي؛ بشكل رسمي، من خلال تعاقدات وزارة الدفاع، أو بصورة، غير رسمية، عبر التسليح المباشر للمليشيات الشيعية، لا سيما تزويدها بطائفة متنوعة من الصواريخ قصيرة المدى، مثل التي ضربت منشآت شركة أرامكو السعودية، ويعتقد أنّها انطلقت من الأراضي العراقية، رغم تبنيها من قبل حركة أنصار الله الحوثية باليمن، فضلاً عن الطائرات المسيَّرة، الصغيرة والمتوسطة، بمختلف أشكالها ووظائفها، ومعدات الاتصال والمراقبة والتنصّت".

ويرجح الباحث العراقي أنّ رفع الحظر عن إيران في هذا المجال، سيؤدي تلقائياً إلى زيادة تدفق هذه الأنواع من المعدات العسكرية، على حلفائها ووكلائها؛ في العراق، وسوريا، ولبنان، واليمن، مع انخفاض كلفة استيراد القطع المكونة لها لتصنيعها داخلياً، نتيجة شرائها من مصادرها الأصلية، ودون الحاجة إلى دفع مبالغ إضافية إلى الوسطاء، أو تأسيس شركات تحت واجهات أخرى، ما قد يعني زيادة احتمالات شنّ ضربات نوعية ضدّ المصالح الأمريكية في العراق ومحيطه، لا سيما الكويت والسعودية، وربما القوات الأمريكية المنتشرة شرق سوريا.

اقرأ أيضاً: هل يُشعل "العتالون" ثورة غضب في إيران؟

ويبدو أنّ هذا الجانب الأخير هو ما يقلق الإدارة الأمريكية، أكثر من فتح الباب أمام إيران لتحديث قوتها الجوية، وأنظمة دفاعها الجوي والبحري، بحسب الباحث العراقي، خاصة في ظلّ الأزمة المالية الخانقة التي تعاني منها بسبب العقوبات الاقتصادية الأمريكية، وعدم وجود مصلحة حقيقة لروسيا والصين لتقديم تسهيلات ائتمانية طويلة الأمد، لتشجيع صادراتها العسكرية إلى إيران، وتحديداً روسيا، التي تركت القوات الإيرانية المرابطة في سوريا صيداً سهلاً للطائرات الإسرائيلية، تحت سقف التفاهم المعقود بين موسكو وتل أبيب بشأن الأوضاع في سوريا، والتي تمنع بموجبها الحكومة السورية من تشغيل منظومة الدفاع الجوي "إس ٣٠٠"، التي زودتها بها، نهاية العام الماضي.

اقرأ أيضاً: الاحتجاجات العمالية تضرب إيران.. ما هي الأسباب؟

ويختتم: "وفيما يخصّ فصائل الحشد الموالية لإيران، والمعروفة بـ "الفصائل الولائية"؛ فإنّ نجاح واشنطن في تمديد حظر الأسلحة على إيران، ولو عبر التهديد بمعاقبة الدول والشركات التي تقدم على استئناف تجارة السلاح مع طهران، لن يكون له أثر في إمكانية حصولها على الأسلحة، لا سيما بعد سيطرة هيئة الحشد الشعبي، التي لها من النفوذ السياسي ما يجبر الحكومة العراقية على فتح مخازن السلاح أمامها، دون حساب أو رقابة".

الصفحة الرئيسية