ماذا تعرف عن تاريخ "الفتوّة" في مصر؟

ماذا تعرف عن تاريخ "الفتوّة" في مصر؟

مشاهدة

12/08/2020

رغم انتهاء عصر "الفتوة" في مصر منتصف القرن العشرين، إلّا أنّ قصصه ما زالت حية حتى الآن يتناقلها المصريون من جيلٍ إلى آخر لاستحضار مواقف الشجاعة والشهامة، حتّى أنّها فرضت نفسها بقوة على عالمي الأدب والدراما، اللذين يزخران بالكثير من الأعمال التي تُسلّط الضوء على ذاك العصر، وكان آخرها مسلسل "الفتوة" الذي عُرض في رمضان الماضي ولاقى استحساناً من الجمهور العربي والمصري.

انتشرت ظاهرة الفتوة في مصر على مدار القرنين؛ الثامن عشر والتاسع عشر، وكان لقب الفتوة يُطلق على القائد الشعبي في كل حي الذي يتمتع بصفات مثل؛ الشهامة والجرأة ونصرة الضعيف والدفاع عن الحق، إلى القوة الجسدية وبنيان قوي متين يعينه على واجبه هذا، ويشتهر بحمله "النبوت"، وهو عبارة عن عصا طويلة غليظة يذود بها عن أهل حارته ويدافع عن حق المظلومين.

كان لقب (الفُتوّة) يُطلق على القائد الشعبي الذي يتمتع بالشهامة والجرأة نصرةً للضعيف ودفاعاً عن الحق

ورغم الصورة النمطية التي تظهر الفتوة رمزاً للظلم والاستبداد والتسلط على البسطاء بالأتاوات، فقد عرفت تاريخياً أنّها الصفة الجامعة لأخلاقيات ابن البلد من حيث الكرم والجرأة ومساعدة الناس والزهد في الحياة؛ إذ إنها تدل على أخلاقيات الفرسان الذين يحملون همَّ فقراء مناطقهم ويضعون الحق نصب أعينهم، ولا يحيدون عنه.

تاريخ من  مقارعة الظلم والاحتلال

بدأ الفتوة يتعدى الحدود الضيقة بحماية أبناء حارته إلى تولي دور وطني أوسع، كما ظهر جليًّا فيما يرويه المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي (1753- 1822م) في كتابه (عجائب الآثار في التراجم والأخبار)، عندما تناول فرض الضرائب والإتاوات على الشعب المصري من قبل المماليك في أواخر عهدهم قبل قدوم الحملة الفرنسية، ومن أبرز الوقائع التي يوردها في هذا السياق خروج عمال عثمان بك البرديسي الذي عرف لاحقاً بولائه للفرنسيين، لجباية إتاوات جديدة من الناس، حتى إذا اقتربوا حي باب الشعرية خرجت لهم نساء الحي وانهلن عليهم بالمقشات وهن يرددن "إيش تاخد من تفليسي يا برديسي". وعندما رأى ذلك فتوات الحسينية تصدوا لهم ثم توجهوا إلى بيت القاضي، وطلبوا منه أن يوقف تجاوزات البرديسي، ليذعن هذا الأخير، ومنذ ذلك الوقت اكتسبوا شرعية أكبر وتصدروا موقع القيادة الشعبية والزعامة في الذاكرة الشعبية.

قصص عصر الفتوة ما زالت حية حتى الآن يتناقلها المصريون من جيلٍ إلى آخر لاستحضار مواقف الشجاعة والشهامة

بعد ذلك لعب الفتوات دوراً بطولياً في الدفاع عن أرض مصر واستقلالها ضد الفرنسيين؛ فقد اتحد الشعب المصري وعلى رأسهم فتوات الحارات واشتبكوا مع قوات الاحتلال بعد انسحاب المماليك وتخاذلهم عن التصدّي لهم، الأمر الذي دفع قائد جيش نابليون بونابرت إلى تضييق الخناق على الفتوات وتوزيع منشورات على الناس تصفهم بـ"الحشاشين البطالين".

اقرأ أيضاً: واقع الحشيش وصور الحشاشين في السينما المصرية .. أشهر الأفلام

وبعد الاحتلال البريطاني لمصر العام 1882، أدرك الإنجليز ما يمكن للفتوات فعله للتصدي لهم، سيما بعد مواقفهم المشهودة من الفرنسيين، لذا قاموا بإغراء بعضهم بالمال والجنسيات الأجنبية لمواجهة نظرائهم الذين ظلوا محافظين على مبادئهم في نصرة الضعيف، والاستجابة لنداء الحق بالدفاع عن بلادهم ضد الاحتلال الأجنبي.

"الرجولة" ليست حكراً على الرجال!

لم تقتصر الفتوة على رجال مصر وحدهم؛ إذ كان للنساء أيضاً دور بارز في هذا العالم، حتّى أنّ بعض تلك النسوة اعتلين عرش الفتوة، ويرى المؤرخون أنّ فتوّة حي المغربلين "عزيزة الفحلة" كانت من أوائل النساء اللاتي مارسن الفتونة في القرن الماضي.

  لعب الفتوات دوراً بطولياً في الدفاع عن مصر ضد الفرنسيين بعد انسحاب المماليك وتخاذلهم في التصدي لهم

وكان للفحلة، التي فتحت الباب على مصراعيه أمام النساء لدخول عصر الفتوات بعد اقتصاره على الرجال فقط، دور بطولي خلال فترة الاحتلال الإنجليزي، وعرفت من خلال مواقفها الجريئة في التصدّي للجنود الإنجليز الذين حاولوا التحرش بالنساء المصريات، وقد خطّطت ونفّذت خُطة محكمة لاصطياد عساكر إنجليز حاولوا الدخول إلى حمامات السيدات بحي المغربلين، حيث جهّزت لهم الكمائن داخل الحمام وخارجه، وأبرحتهم ضرباً بمساعدة رجالها الأقوياء.

 

أعاد الفنان ياسر جلال عصر الفتوات إلى الشاشات عبر بطولته لمسلسل "الفتوة" الذي عُرض رمضان الماضي

ولم تقتصر بطولة "الفحلة" على مقارعة الإنجليز فحسب؛ فقد كانت تُدافع عن المصريين المظلومين في مواجهة كُل من يحاول الاعتداء عليهم، وقد استردت حق فلاح مصري ضربه الأتراك دون وجه حق ووصفوه بـ"الفلاح الخرسيس"، الأمر الذي دفع الفحلة إلى الهجوم على الأتراك وضربهم ضرباً مبرحاً بواسطة "نبوت" غليظ مليء بالمسامير الحديدية.

يتحدث الكاتب مكاوي سعيد في كتابه "القاهرة وما فيها" عن قصة فتوة بورسعيد "أم شكرية"، التي بدأت علاقاتها مع الفتوة عندما كانت تهب لنجدة جاراتها المستضعفات من إهانة الأزواج وبطشهم أو من صاحبة بيت عنيدة، وبعد العدوان الثلاثي على مصر تخلّت أم شكرية عن حياة الفتوة، وباعت كل ما تملك لشراء أسلحة باسمها لتكون نواة للمقاومة الشعبية.

ولم يقف دور أم شكرية على دعم المقاومة، حيث استغلّت قوتها الجسدية للقيام بعمليات فدائية ضد جنود العدوان، إلى أن تلقّت ضربة قاتلة من جندي إسرائيلي استشهدت إثرها مباشرة.

اقرأ أيضاً: صورة البطل "البلطجي" في السينما الأمريكية

كما سطع نجم نساء أخريات، منهن المعلمة "جليلة" في حي الجيزة، التي كانت تُعرف بشهامتها وعدم ترددها في نصرة المظلوم، والمعلمة "سكسكة"، فتوة الجيزة، والتي ابتعدت عن الفتونة في عام 1958 بعد حادثة تسببت بمقتل أخيها وسجن أبنائها الثلاثة.

 الفتوات في السينما

حظيت الفتوة بشعبية كبيرة في أحياء مصر وحاراتها، دفعت كبار الكتاب أمثال نجيب محفوظ، الذي أولى الحارة المصرية اهتماماً كبيراً ليصف من خلالها الحياة الاجتماعية المصرية ويحلّل الواقع المصري بدقة شديدة، إلى تناول قصصهم وتخليدها في روايته، التي سرعان ما تحوّلت إلى أفلام اقتحمت الشاشة الكبيرة محققة نجاحاً كبيراً.

تناول محفوظ الفتوة في المجتمع المصري من خلال أعمال عديدة، أبرزها؛ "أولاد حارتنا"، و"الحرافيش"، حيث استخدم العالم الواقعي في الحارة المصرية كعالم رمزي يرمز من خلاله إلى قيم مطلقة مثل الحق والخير والشر، العدل والظلم، الأمل واليأس.

  لم تقتصر الفتوة على رجال مصر وحدهم؛ إذ كان للنساء أيضاً دور بارز في هذا العالم

ومن أبرز الأعمال السينمائية التي تناولت هذه الثيمة، فيلم "الشيطان يعظ"، الذي عُرض العام 1981، وهو من تأليف نجيب محفوظ وبطولة نور الشريف وفريد شوقي وعادل أدهم، وتدور أحداثه حول "الديناري" فتوة المنطقة الذى يضم "الحاجري" لأعوانه ويطلب منه البحث عن أجمل فتاة فى المنطقة ليتزوجها، قبل أن يقع "الديناري" في حب "وداد" خطيبة "الحاجري"، ويحاول بشتى الطرق التقرّب منها، ما يدفع "الحاجري" إلى اللجوء لفتوة الحي المجاور لإنقاذه من بطش "الديناري".

ويُعدُّ فيلم "الحرافيش"، المستند إلى رواية نجيب محفوظ أيضاً وبطولة محمود ياسين وليلى علوي وصفية العمري وممدوح عبد العليم وصلاح قابيل وإخراج حسام الدين مصطفى، يُعدُّ من أهم الأفلام التي تناولت الفتونة.

وتبدأ قصة فيلم "الحرافيش" عندما يشب حريق ببيت سليمان الناجي فتوة الغلابة بسبب "رضوانة" زوجة ابنه "بكر" التي تقع في غرام شقيقه "خضر"، حيث يكتشف "بكر" ذلك ويحاول قتل شقيقه ويتهمه بخيانته.

وجسّد عدد من النجوم المصريين شخصية الفتوة في السينما، منهم؛ صلاح قابيل، أحمد زكي، محمود مرسي، عزت العلايلي، حمدي غيث، نور الشريف، عادل أدهم، محمود عبد العزيز، محمود ياسين، فريد شوقي، الذي نال لقب الأكثر مشاركة في الأفلام التي تناولت عصر الفتوة قديماً في مصر.

تناول نجيب محفوظ الفتوة في المجتمع المصري من خلال أعمال عديدة أبرزها أولاد حارتنا والشيطان يعظ والحرافيش

يذكر أنّ ملحمة الحرافيش أكثر عمل أدبي حول عالم الفتوات تم استلهامه في السينما والدراما، بحكم أنه يضم عشر قصص لأجيال عائلة سكنت حارة مصرية، فظهرت سينمائياً في الثمانينيات إضافة إلى "الحرافيش" أفلام: التوت والنبوت، المطارد، شهد الملكة، الجوع، أصدقاء الشيطان، فضلاً عن ثلاثية السيرة العاشورية في التلفزيون، وبعد أربعة عشر عاماً  أعاد الفنان ياسر جلال عصر الفتوات إلى الشاشات عبر بطولته لمسلسل "الفتوة" الذي عُرض في رمضان الماضي، وشاركه عدد من النجوم، أبرزهم أحمد صلاح حسني، ونجلاء بدر، ومي عمر، والمسلسل من تأليف هاني سرحان وإخراج حسين المنباوي.

الصفحة الرئيسية