اجتماع القاهرة الخماسي يفضح هزائم أردوغان ويعمّق عزلته الإقليمية

أردوغان

اجتماع القاهرة الخماسي يفضح هزائم أردوغان ويعمّق عزلته الإقليمية

مشاهدة

18/05/2020

تصاعدت حدة الخطاب السياسي، مؤخراً، على إثر اجتماع وزراء خارجية مصر، والإمارات، واليونان، وقبرص، وفرنسا، تجاه تركيا، وذلك في ظل قيام الأخيرة بتجاوزات إقليمية وخارجية في ليبيا وشرق المتوسط، تستهدف الاستقرار بالمنطقة، وتنتهك سيادة دول أخرى، ومن بينها، الاستمرار في التحركات "غير القانونية" بالمنطقة الاقتصادية الخالصة لجمهورية قبرص، ومياهها الإقليمية، حسبما أوضح البيان المشترك الذي أصدرته الدول الخمس.
وتعد هذه التحركات هي المحاولة السادسة من قبل أنقرة، في أقل من عام، لجهة إجراء عمليات تنقيب، غير شرعية، داخل المناطق البحرية لقبرص، والذي يمثل انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي، تبعاً لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وتهديداً للأمن والسلم الإقليمي.

تجاوزات بالجملة
ودان البيان الانتهاكات المستمرة من جانب تركيا للمجال الجوي اليوناني، وكذا، التحليق فوق المناطق المأهولة والمياه الإقليمية، الأمر الذي عدوه انتهاكاً للقانون الدولي، كما نددوا بممارسات أنقرة التي تعمد إلى الاستغلال الممنهج للمدنيين، بغية السعي إلى دفعهم نحو عبور الحدود البرية والبحرية اليونانية، بشكل غير شرعي، ولهذا، طالب وزراء الخارجية تركيا بالاحترام الكامل لسيادة الدول وحقوقها في مناطقها البحرية في شرق البحر المتوسط.

المواقف الإقليمية من جانب الدول الخمس، سيكون لها أثر على المستوى السياسي؛ لأنها ستفقد حكومة السراج شرعيتها

ولفت بيان وزراء خارجية الدول الخمس، إلى أنّ مذكرة التفاهم الخاصة بتعيين الحدود البحرية في البحر المتوسط، ومذكرة التفاهم بشأن التعاون الأمني والعسكري، الموقعتين، في تشرين الثاني (نوفمبر) العام 2019، بين الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، ورئيس حكومة الوفاق الليبية، فائز السراج، تتعارضان مع القانون الدولي وحظر السلاح الذي تفرضه الأمم المتحدة على ليبيا، وتقوضان الاستقرار الإقليمي.
ترجع أسباب تلك الخلافات والتوترات مع أنقرة إلى التناقض في المواقف السياسية والإقليمية بين عدة دول في الاتحاد الأوروبي، كما في مصر والإمارات، تجاه عدد من القضايا والملفات المهمة؛ ومن بينها، غاز المتوسط والصراع في ليبيا؛ حيث قام أردوغان بتوقيع الاتفاق البحري مع حكومة الوفاق، العام الماضي، بالإضافة إلى إرسال جنود أتراك، و"مرتزقة" من سوريا إلى الحرب في ليبيا، والتي تحولت إلى ساحة لممارسة الضغوط، بواسطة الميلشيات الإرهابية المدعومة من أنقرة.

إلى ماذا تقود سياسة العزلة التركية؟
واعتبر مراقبون أنّ موقف أردوغان الداعم لرئيس حكومة الوفاق، إنما يأتي في إطار حقوق الاستكشاف التي حصل عليها قبالة السواحل الليبية، وذلك بعدما قامت القاهرة وقبرص واليونان والأردن بإقامة "منتدى غاز شرق المتوسط" دون أن يضم تركيا، كما تقع الأخيرة لضغوطات أخرى؛ إذ تواجه عقوبات جمة فرضها الاتحاد الأوروبي عليها، بسبب سفن التنقيب عن النفط والغاز قبالة قبرص، والتي لا تعترف تركيا بحكومتها.
ومن جانبه، أكد الناطق الرسمي باسم الخارجية المصرية، أنّ البيان المشترك للدول الخمس، صدر بناء على المشاورات المسبقة والتنسيق الدوري بين مصر وقبرص واليونان إلى جانب فرنسا، حيث عقد وزراء خارجية تلك الدول اجتماعاً عن بعد في 11 الجاري، بينما انضم إليه نظيرهم من دولة الإمارات العربية المتحدة، الدكتور أنور قرقاش، لمناقشة آخر التطورات المثيرة للقلق في شرق المتوسط، فضلاً عن عدد من الأزمات الإقليمية التي تهدد السلام والاستقرار في تلك المنطقة.

اقرأ أيضاً: التجسس وسيلة نظام أردوغان لحماية أركانه وأنشطته الخارجية
وفي هذا السياق، هاجم الوزراء التدخل العسكري التركي في ليبيا، وشددوا على خطورة التصعيد العسكري، مع التذكير بالامتناع عن أي تدخل عسكري أجنبي، حسبما جاء في مؤتمر برلين، بينما طالبوا أنقرة بالاحترام الكامل لحظر السلاح الأممي، ووقف تدفق المقاتلين الأجانب من سوريا إلى ليبيا، الأمر الذي يبعث بتهديد شديد على استقرار دول جوار ليبيا، في أفريقيا وكذلك في أوروبا، كما طالب الوزراء الأطراف الليبية بالتزام هدنة خلال شهر رمضان، والسعي نحو استئناف اجتماعات المسارات الثلاثة لعملية برلين، بهدف الوصول إلى أفق سياسي، وحل شامل للأزمة تحت رعاية الأمم المتحدة.

المرتزقة والسلطان المنفلت
تزامن التصعيد التركي على خلفية اجتماع وزراء الدول الخمس، في القاهرة، والبيان الصادر عنه، قبل أيام قليلة، مع جملة من الخسائر التي يتكبدها في ليبيا؛ حيث تراجع عناصر من الميلشيات التابعة له في سوريا عن السفر إلى ليبيا، حسبما يشير المرصد السوري لحقوق الإنسان، بينما يخوض الجيش الوطني الليبي، بقيادة المشير خليفة حفتر، حرباً صعبة ضد تلك الميلشيات الإرهابية بهدف تحرير طرابلس.

دان الوزراء التدخل العسكري التركي في ليبيا، مع التذكير بالامتناع عن أي تدخل عسكري أجنبي، حسبما أقر مؤتمر برلين

كما كشف المرصد، مؤخراً، أنّ مقاتلي الفصائل الموالية لتركيا في سوريا، خفتت حماستهم في الذهاب إلى ليبيا، وتراجع عدد كبير منهم عن مواصلة الحرب في الساحة الجديدة التي تورطهم فيها أنقرة، وذلك بسبب ضعف المغريات المالية التي كانت توفرها لهم، من جهة، وتعقيدات العمليات العسكرية والميدانية، من جهة أخرى، وذلك في ظل التصدي القوي والمستمر من جانب الجيش الليبي للميليشيات المتشددة.
ففي مطلع العام الجاري، سجلت تركيا عدة خسائر بشرية وعسكرية داخل ليبيا؛ حيث قتل 3 جنود أتراك، وأصيب 6 آخرون، خلال شهر كانون الثاني (يناير)، كما أسقط الجيش الوطني الليبي نحو 5 طائرات تركية مسيّرة، بينما أسقطت دفاعات الجيش، في شهر شباط (فبراير)، نحو تسع طائرات تركية مسيّرة في طرابلس، بعد إقلاعها من القاعدة الجوية في مطار معيتيقة.
وخلال الشهر الماضي، أسقط الجيش الوطني الليبي أكثر من 13 طائرة عسكرية ومسيرة، فضلاً عن استهدف غرفة التحكم بالمسيّرات التركية، في قاعدة معيتيقة، عبر تنفيذ غارة جوية.
وفي آذار (مارس) الماضي، نفذ الجيش الوطني الليبي عدة عمليات عسكرية، نجم عنها قتل أكثر من 15 جندياً تركياً، ونحو 120 من المرتزقة، ممن يقاتلون إلى جانب حكومة الوفاق، و12 طائرة تركية مسيّرة.
واعترفت أنقرة، رسمياً، بوجود مقاتلين سوريين وأتراك في ليبيا، وكشفت عن سقوط قتلى أتراك في المعارك تابعين لها، من دون أن تذكر أعدادهم.

"الدبلوماسية المتزنة" وشرعية أنقرة المهترئة
بعث بيان الدول الخمس المشاركة في اجتماع القاهرة بردود فعل رسمية متفاوتة داخل تركيا، بدت حادة ومنفلتة؛ حيث اتهم الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية التركية، حامي أقصوي، الدول الخمس بأنها تسعى إلى الفوضى، حسب تعبيره، وقال إنّ سياسات تركيا تهدف إلى "حماية مصالحها المشروعة على أساس القانون الدولي"، وزعم أنّ "اليونان وقبرص جهات فاعلة غير إقليمية، وليست لها صلة بالموضوع".
بيد أنّ وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي، الدكتور أنور قرقاش، أكد أنّ الاجتماع الخماسي الذي دعت له القاهرة، وشاركت فيه فرنسا، واليونان، وقبرص، والإمارات، والبيان الصادر عنه بمثابة "رسالة دبلوماسية متزنة".

اقرأ أيضاً: "إخوان تونس".. خنجر أردوغان في ظهر ليبيا
وغرد وزير الدولة للشؤون الخارجية بالإمارات، عبر حسابه الرسمي، في موقع التواصل الاجتماعي "تويتر": "الاجتماع الخماسي الذي دعت له مصر الشقيقة وشاركت فيه فرنسا، واليونان، وقبرص، والإمارات، والبيان الصادر عنه، رسالة دبلوماسية متزنة، وثقل الدول المشاركة وسعيها إلى تعزيز الاستقرار، وتغليب القانون الدولي لا يمكن تجاهله، منصة مهمة تأسست من خلال تغليب لغة القانون الدولي على قوانين الغاب".
من جانبه، أوضح وزير خارجية مصر الأسبق، محمد العرابي، أنه "يجب على أطراف التحالف الخماسي توسيع نطاق حشدهم لدول أخرى، قصد مواجهة ولجم السياسات الإقليمية التركية، التي تنتهك الأمن القومي للدول ذات الصلة بتحركاتها، خصوصاً مع سعيها لتحقيق نقاط تواجد في ليبيا، وقطر، وشمال العراق، وجنوب اليمن".


إلى ذلك، اعتبر الكاتب الصحافي التونسي، المتخصص في الشأن التركي، باسل ترجمان، أنّ الإعلان الخماسي لكل من مصر، والإمارات، وفرنسا، واليونان، وقبرص، يشكل موقفاً مشتركاً، يندد بـأنشطة التنقيب عن النفط والغاز، التي تقوم بها تركيا في شرق المتوسط ضمن المنطقة الاقتصادية الخالصة لقبرص، ويعكس انتهاكها للقانون الدولي، إلى جانب مذكرتي التفاهم الموقعتين بين تركيا وحكومة (الوفاق الوطني)، برئاسة فائز السراج، كما أنها رسالة واضحة للطرفين، أردوغان والسراج، بأنّ ما يقومان بفعله مخالف للقانون الدولي واعتداء على سيادة هذه الدول.

اقرأ أيضاً: أردوغان وصناعة الأعداء
ويضيف ترجمان لـ"حفريات": "هذه المواقف الإقليمية من جانب الدول الخمس، سيكون لها أثر على المستوى السياسي؛ لأنها ستفقد حكومة السراج شرعيتها وستفتح الباب لسحب الاعتراف بها من دول أخرى تباعاً، وستتحول إلى حكومة منبوذة وغير معترف بها، كما سيوجه هذا الاصطفاف رسالة لأردوغان بأنّ الاتفاقات الموقعة لا قيمة قانونية لها، وأنّ أي محاولة لفرض أمر واقع ستواجه بالقانون وبالقوة، في حال لزم الأمر".          
ويعد الانزعاج التركي ليس بالأمر الجديد، كما يشير ترجمان؛ فكل ما لا يتماهى مع ما يريده أردوغان من سياسات، ويدخل ضمن مخططاته المجنونة، حسب وصفه، يسبب إزعاجاً لتركيا، ولكنه في حقيقة الأمر لا قيمة له على أرض الواقع أو تأثير في تغيير الحال، بيد أنّ تركيا تعيش عزلة إقليمية، وعداء صنعته بيدها مع كل جيرانها دون استثناء.                            
ويختتم: "هذا التحرك الجديد من جانب الدول الخمس، سيكون له أثر إيجابي كبير على الدعم السياسي للجيش الوطني الليبي، وسيساهم بتعزيز موقفه السياسي في أي حوارات قادمة، بالإضافة إلى أنه سيفتح الباب أمامه لتوسيع دائرة الاتصالات الدبلوماسية مع الدول الصديقة للدول الخمس، الأمر الذي يساهم في إضعاف حضور حكومة السراج في المستويين الإقليمي والدولي".

الصفحة الرئيسية