لماذا ينبغي أن تُصغي إيران لشروط ترامب؟

لماذا ينبغي أن تُصغي إيران لشروط ترامب؟

لماذا ينبغي أن تُصغي إيران لشروط ترامب؟


04/06/2025

ترجمة: محمد الدخاخني

وُصفت جولة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة بأنّها انخراط دبلوماسي واقتصادي رافقته صفقات استثمارية واجتماعات رفيعة المستوى. لكن وراء هذه الأُبهة قدَّمت الزيارة رسالةً أعمق مفادها أنّ الولايات المتحدة تُعيد تأكيد وجودها في الخليج لصالح البراغماتية الإقليمية. ويكمن في قلب عملية إعادة التوازن هذه تقارب استراتيجي بين الولايات المتحدة وحلفائها الخليجيين بشأن اثنين من أكثر التحديات رسوخاً في الشرق الأوسط - إيران وسوريا.

لسنوات، أعربت عواصم الخليج عن إحباطها ممّا اعتبرته وجوداً متقلِّباً لواشنطن في المنطقة يتميز بالتزامات خطابية تفتقر إلى الاتساق الاستراتيجي. وسعت زيارة ترامب إلى عكس هذا التصور من خلال تعزيز رؤية تُعطي الأولوية للمشاركة الاقتصادية والاحتواء الاستراتيجي على التورُّطات العسكرية المفتوحة أو القضايا غير المُنجزَة والمكلِفة للترويج للديمقراطية. ولم يتضح هذا في أيّ موضع أكثر من الملفين الإيراني والسوري المترابطين.

لقد أشارت زيارة ترامب إلى التحول الأكثر وضوحاً بشأن سوريا. ففي خطوةٍ لم تكن لتخطر على بال قبل عام، التقى الرئيس الأمريكي بالرئيس السوري الجديد أحمد الشرع. وقد توّج هذا اللقاء أشهراً من جهود الضغط التي بذلتها دول الخليج، التي دعت بشكل متزايد إلى تسويةٍ في سوريا ما بعد الأسد تستند إلى إشراف عربي. وعقب اللقاء تعهَّد ترامب برفع العقوبات الأمريكية عن دمشق، ممهداً الطريق أمام عملية إعادة دمج واستثمار دولي أوسع نطاقاً، والتي من شأنها إنعاش الاقتصاد السوري.

الرئيس الأمريكي: دونالد ترامب

لا شك أنّ هذا التأييد الأمريكي سيُسرِّع الجهود الخليجية الجارية بالفعل. فقد أعلنت الرياض والدوحة عن تسوية متأخرات سوريا "للبنك الدولي"، وتعهَّدت الإمارات العربية المتحدة بتقديم الدعم الكامل لتعافي البلاد، وأعادت الدوحة فتح سفارتها، وعرضت تمويل رواتب القطاع العام. وتعكس هذه الخطوات رؤيةً مشتركةً مفادها أنّ إعادة بناء دولة سورية مركزية فاعلة، بدعمٍ خليجي، هي السبيل الأكثر فعالية لكبح جماح التغلغل الإيراني في بلاد الشام.

لكن فيما يتعلق بإيران، كان موقف ترامب أكثر غموضاً، وإن لم يكن أقلّ أهمية. فور رجوعه إلى منصبه، أعاد ترامب بسرعة فرض حملة "الضغط الأقصى"، وفرض العقوبات مرة أخرى وقلَّص صادرات النفط الإيرانية. وتهدف هذه الخطوة إلى إجبار طهران على إبرام اتفاق نووي جديد. لكن يُحاجج المنتقدون بأنّ هذه الاستراتيجية لم تُسفر إلا عن تقوية عزيمة إيران، ودفعها إلى تخصيب اليورانيوم بمستويات أعلى، وتعميق عدم الاستقرار الإقليمي. ومع ذلك، أوضحت الإدارة أنّها لا تنظر إلى هذه الإجراءات كوسيلة لإسقاط الحكومة الإيرانية، بل كأدوات ضغط لانتزاع شروط أكثر ملاءمة لاتفاق أكبر وأفضل من "خطة العمل الشاملة المشتركة"، التي تم التخلي عنها عام 2018.

في الوقت نفسه، أعاد ترامب تفعيل المسار الدبلوماسي بدعم خليجي ملحوظ. لقد بدأت المفاوضات غير المباشرة مع طهران في آذار (مارس)، عقب تسليم الإمارات العربية المتحدة رسالة خاصة إلى المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي. وركزت المحادثات، التي توسطت فيها سلطنة عُمان، على الحدّ من تخصيب اليورانيوم، وتهدف إلى معالجة مسألة خفض التصعيد الإقليمي، وهو أمر أساسي للأمن الإقليمي الأوسع. بالنسبة إلى دول الخليج، يعكس النهج الأمريكي ثنائي المسار تقييمها الخاص بأنّ الضغط وحده غير كافٍ، وأنّ التوصل إلى شكل من أشكال التسوية التفاوضية ضروري لمنع التصعيد الذي قد يزعزع استقرار المنطقة.

السبب وراء عودة إيران إلى المفاوضات غير المباشرة هو الضغوط الداخلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، أدى الاقتصاد المتعثر المتأثر بارتفاع معدلات التضخم والبطالة، وأزمة المناخ، وتزايد السخط العام، إلى تضييق خيارات الحكومة. وربما خشيةً من جولة أخرى من الاحتجاجات الوطنية التي شهدتها البلاد آخر مرة في عامي 2022 و2023 بعد وفاة مهسا أميني، أيَّد المرشد الأعلى الإيراني التعاون مع إدارة ترامب لدرء الاضطرابات الداخلية. 

ومن المثير للاهتمام أنّ القيادة الإيرانية تستغل دوافع ترامب في عقد الصفقات من خلال إظهار انفتاحها على الفرص التجارية الأمريكية. وفي خضم هذه التحديات، تُلقي مسألة خلافة ما بعد خامنئي بظلالها على عملية صنع القرار الداخلي. وخارجياً، زادت تحذيرات ترامب من احتمال اللجوء إلى عمل عسكري وتزايد عزلة إيران الدولية من إلحاح حسابات طهران.

المرشد الأعلى للثورة الإسلامية: علي خامنئي

ودول الخليج، على الرغم أنّها ليست طرفاً محورياً في المحادثات النووية، قدَّمت نفسها كوسيط بَنَّاء يسعى إلى تجنُّب أيّ مواجهة بين إيران والولايات المتحدة، والتي في حال حدوثها من المرجح أن تشمل إسرائيل أيضاً. وباعتبارها مستثمراً اقتصادياً محتملاً في حال التوصل إلى اتفاق، تلعب دول الخليج هذه المرة دوراً ضامناً مهمّاً.

ومع ذلك، فإنّ الطريق إلى اتفاق جديد مليء بالعقبات. أصرّ بعض أعضاء إدارة ترامب على الوقف الكامل لتخصيب اليورانيوم. وهو مطلب رفضته طهران مراراً باعتباره انتهاكاً لحقوقها السيادية. وفي غضون ذلك يمرُّ الوقت سريعاً، حيث تُهدِّد الدول الأوروبية الموقِّعة على "خطة العمل الشاملة المشتركة" الأصلية بإعادة فرض العقوبات إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق قبل الموعد النهائي لـ "إعادة فرض العقوبات" المحدد في تشرين الأول (أكتوبر). وما يزال كلا الجانبين متمسكين بموقفهما علناً، لكنّ دبلوماسيين يقولون إنّ إطاراً قائماً على المبادئ من شأنه أن يُمهِّد الطريق لاتفاق فني يتبلور خلف الأبواب المغلقة.

أثناء وجوده في الخليج، تبنّى ترامب نبرة تفاؤلية. وصرّح للصحافيين بأنّ إيران "وافقت نوعاً ما" على شروط تحدّ من أنشطتها النووية، وأكد في الوقت نفسه أنّ "جميع الخيارات ما تزال مطروحة". ورحَّب قادة الخليج بهذه الرسالة معتبرين أنّها مزيج من الردع والدبلوماسية. وأكثر ما يخشونه هو عدم القدرة على التنبؤ، وتُعتبر زيارة ترامب، على الرغم من سمعته كرجل مُتقلِّب خلال إدارته السابقة، خطوة نحو التماسك الاستراتيجي.

كان للطريقة التي أطَّر بها ترامب المنطقة نفسها أهمية مماثلة. فخلال رحلته أشاد بالتحول الاقتصادي في الخليج - ولا سيّما رؤية المملكة العربية السعودية 2030 وجهود الإمارات العربية المتحدة لتنويع اقتصادها - كنموذج للحكم الرشيد. وفي المقابل، انتقد القيادة الإيرانية بشدة ووصفها بالجمود الإيديولوجي والتدمير الذاتي اقتصادياً. ولم يكن هذا التباين الخطابي عرضياً، بل عزَّز روايةً تُصوِّر الخليج كركيزة للاستقرار الإقليمي، وإيران كمصدر للاضطراب.

ومن هذا المنطلق، لم تكن زيارة الخليج مجرد استعراض أو محض صفقات دفاعية، بل كانت بمثابة بيان استراتيجي حول رؤية الولايات المتحدة لمستقبل أمن الشرق الأوسط. ويشير تأييد ترامب للمبادرات الدبلوماسية الخليجية، بدءًا من الانتقال السياسي في سوريا وصولاً إلى محادثات إيران، إلى نهج أمريكي قائم على تقاسم الأعباء.

سيُختبر هذا النموذج بالتأكيد خلال الأعوام القادمة، وخلال الدورات الانتخابية الأمريكية المستقبلية. لكن، في الوقت الراهن، الكثير يعتمد على نتائج المحادثات مع إيران، وتعزيز الحكومة الجديدة في سوريا، والتأثير المستمر للحرب الدائرة في غزة، والتي - على النقيض من الأزمات الأخرى - لا يبدو أنّه ثمّة نهاية لها تلوح في الأفق.

 

المصدر:

سنام وكيل، ذي ناشيونال، 23 أيار (مايو) 2025




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية