لماذا يعاني رُبع المصريين من الاضطرابات النفسية؟

الصحة النفسية

لماذا يعاني رُبع المصريين من الاضطرابات النفسية؟

مشاهدة

11/05/2020

ماذا حدث للمصريين بعد 2011 هو السؤال الأكثر انتشاراً في الأوساط المصرية حالياً، نظراً للتغيرات الجذرية التي أصابت الشخصية المصرية على خلفية ثورتي كانون الثاني (يناير) 2011 وحزيران (يونيو) 2013. أبرز تلك الأسئلة كانت المتعلقة بالصحة النفسية للمصريين.

المسح القومي للصحة النفسية أكد أنّ 25% من المصريين يعانون من الأعراض والاضطرابات النفسية وبخاصة اضطرابات المزاج

حتى وقت قريب كان الطب النفسي من أقسام الندرة في المستشفيات المصرية؛ لقلة المرضى وعدم تخصص الأطباء في ذلك القسم لهذا السبب، لكن السنوات التي أعقبت ثورة كانون الثاني (يناير) 2011 شهدت صعود ما نستطيع أن نطلق عليه بيزنس الطب النفسي، مع تغير ثقافة العلاج النفسي أولاً، وثانياً: مع ارتفاع أعداد المصريين المصابين بأمراض نفسية، نتيجة التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي شهدها المجتمع مؤخراً، المسألة التي أدت أيضاً إلى ارتفاع تكلفة الكشف والعلاج نتيجة ارتفاع الطلب على العلاج النفسي.
المسح القومي للصحة النفسية، والذي يستهدف قياس معدل انتشار الاضطرابات النفسية بالجمهورية لعام 2018، أكد أنّ 25% من المصريين يعانون من الأعراض والاضطرابات النفسية؛ بمعنى أنّ كل 1 من كل 4 أشخاص من المفحوصين لديه عرض أو اضطراب نفسي.

مستشفى العباسية للصحة النفسية
وقال المسح إنّ الاضطرابات الأكثر انتشاراً هي اضطرابات المزاج (اضطرابات الاكتئاب على وجة التحديد) والتي بلغت 43.7% وبلغت اضطرابات تعاطي المخدرات 30.1٪.
واعتبر المسح، الوضع الاجتماعي والاقتصادي أحد عوامل الخطر لحدوث الاضطرابات النفسية التي هي أكثر انتشاراً في المجتمعات الاجتماعية والاقتصادية المصنفة "منخفضة جداً".
بيزنس الطب النفسي
الطبيب النفسي بجامعة ماربورج، ألمانيا، طلال فيصل، قال لـ "حفريات" إنه عندما انتهى من الدراسة بكلية الطب جامعة القاهرة، وبعدها عام التدريب الإجباري، المعروفة باسم سنة الامتياز،  بدأ البحث عن المسار الذي يريده والتخصص الذي يرغب استكمال التدريب فيه، وقتها اكتشف أنه توجد عدة تخصصات يمكن الالتحاق بها أسرع نسبياً من غيرها، وبشروط أكثر تساهلاً، تحت مسمى أنها تخصصات نُدرة. موضحاً: "تخصصات ندرة كان يعني، وقتها، أنّ عدد الأطباء في هذه التخصصات أقل بكثير من احتياج السوق، وأنّ وزارة الصحة تُشجع الأطباء على الالتحاق بهذه التخصصات تغطية للعجز".

اقرأ أيضاً: التجارب النفسية: عندما استخدمت الإمبريالية ألاعيبها ضد العقل
يضيف فيصل: "لدينا هنا ثلاث ملاحظات مهمة، في ذلك الوقت، أواخر ٢٠٠٨ وبدايات ٢٠٠٩، لم يكن أحد، من الأطباء، يفكر في تخصص مثل الطب النفسي بجدية. كانت النظرة النمطية أنه مسار من اختار الهرب من الطب الحقيقي، الباطنة والجراحة، كانت الوصمة التي تتخذ شكل الدعابة أنه، دكتور مجانين.

اقرأ أيضاً: أشهر 6 أفلام عن الاضطرابات النفسية.. هل شاهدتها؟
الملاحظة الثانية أنّ تخصصات الندرة كانت تتغير من عام لعام، ولكن الطب النفسي كان ضيفاً رئيسياً في قائمتها. كان النقص كبيراً في أي شيء يتعلق بهذا التخصص، المستشفيات، عامة أو خاصة، الأطباء، أخصائيين أو متدربين أو راغبين في التدريب، كان النقص في العاصمة والأقاليم، في فروع التخصص المختلفة، طب نفسي الطوارئ – إنقاذ الحالات الحرجة مثل الانتحار أو التهيج في نوبة الفصام وخلافه، طب النفس العام – بالخصوص الاكتئاب واضطرابات القلق، الإدمان وطب نفس المسنين. كان واضحاً أنّ هنا سوقاً هائلاً يحتاج لهذه الخدمة، ولا يوجد من يقدمها له. الملاحظة الثالثة والأخيرة، الطب النفسي لم يعد تخصص ندرة منذ سنوات قليلة".

 طلال فيصل الطبيب النفسي بجامعة ماربورج في ألمانيا
يؤكد فيصل أنّ ما يكتبه هنا ليس معلومات، إنّه ملاحظات أو انطباعات من متابعته لمسار الطب النفسي في مصر أو من كلامه مع الزملاء، مردفاً "لا يوجد بين يديّ إحصائيات يمكن أن تبني عليها معلومة، عدد المتدربين في هذا التخصص من عشر سنوات، عددهم الآن، نسبتهم لعدد السكان، عدد الأسرّة التي تقدم خدمة العلاج النفسي، سواء مستشفيات عامة أو خاصة، في كل محافظة ونسبتها لعدد السكان. حالات الانتحار المثبتة رسمياً في الأعوام الماضية، حالات الموت بسبب التسمم الكحولي أو غيره من مواد الإدمان. هذه معلومات رئيسية لبناء أي تصور عن التغير في حجم الخدمة النفسية في الأعوام الأخيرة.

اقرأ أيضاً: هل هناك رابط بين الصحة النفسية للفتيات ووسائل التواصل؟
ومن الانطباعات الذاتية، أمكن للطبيب طلال فيصل رصد "إقبال واضح من شباب الأطباء على تخصص الطب النفسي، لأسباب متنوعة. الاحتياج إليه في السوق المصري، والذي كان بطبيعة الحال مرتفعاً، التخفف نوعاً ما من وصمة الطب النفسي. مع تزايد الاحتياج له – وذلك بالتزامن مع الأحداث الكبيرة في الأعوام الماضية – بدأ قطاع كبير يتحرر من تلك الوصمة ويتقبل فكرة الذهاب لطبيب نفسي".
ولفت إلى أنّ "الاحتياج العالمي له، لتخصص الطب النفسي، جعل الأطباء الشباب يتحمسون له باعتباره بوابة سريعة للهروب إلى الخليج أو أوروبا. ربما تكون سهولة تعلمه، نسبياً ومقارنة بباقي التخصصات مثلاً، فهو تخصص يمكنك أن تقطع شوطاً كبيراً فيه بشكل عصامي، وليس مثل الجراحة أو التخدير التي تتطلب تعليماً مباشراً بأدوات محددة على مريض في غرفة عمليات". ويعزو فيصل إلى هذه الأسباب "تزايد أعداد الأطباء النفسيين مؤخراً، وكذلك في التوسع في سوق تقديم خدمة الصحة النفسية، سواء العيادات أو المراكز الخاصة".

اقرأ أيضاً: ما الرابط بين الرياضة الجماعية وتجارب الطفولة النفسية‎؟
موقع "إضاءات" نشر مداخلات للعديد من الشباب المصري يعانون من ارتفاع تكلفة العلاج النفسي، وعدم قدرتهم على تحمله، مع تطور حالتهم النفسية وإقدام بعضهم على الانتحار. ورصد الموقع متوسط أسعار الكشف عند الأطباء النفسيين، الذي كان 250 جنيهاً مصرياً/ 14 دولاراً أمريكياً، مع الوضع في الاعتبار أنّ العلاج النفسي في الغالب ليس مثل أنواع العلاج الأخرى، فالمريض يحتاج للمتابعة الدورية بحد أدنى جلستين شهرياً، وهو ما يعني أنّ التكلفة الشهرية تبلغ بحد أدنى 500 جنيه مصري/ 28 دولاراً أمريكياً.
وبالمقارنة مع متوسط دخل المواطن المصري الذي يبلغ 2900 جنيه/ 165 دولاراً أمريكياً شهرياً، فإنّ هذا المبلغ يمثل سدس دخله، دون حساب الأدوية التي قد تُوصف له، وفي بعض الأحيان تتأزم حالة المريض في صمت نتيجة عدم مقدرته المادية على العلاج.

مراكز بئر السلم لعلاج الإدمان
المسح القومي للصحة النفسية أشار أيضاً إلى أنّ الإدمان يأتي في المرتبة الثانية بعد مرض الاكتئاب في مصر، نتيجة لذلك انتشر ما أطلق عليه مسؤولو الطب النفسي في القاهرة مراكز بئر السلم لعلاج الإدمان، في إشارة إلى أنها مراكز غير مرخصة وغير آمنة.

اقرأ أيضاً: كيف تعكس مواقع التواصل الاجتماعي الأمراض النفسية للمستخدمين؟
مصطفى حسين المدير السابق لمستشفى العباسية للصحة النفسية، استشاري الطب النفسي وعلاج الإدمان قال في تصريحات صحفية منشورة بجريدة "فيتو" إنّ هناك عدداً كبيراً من مراكز علاج الطب النفسي والإدمان غير مرخصة، ولا تعمل بصورة رسمية، وما يطلق عليها "مراكز بئر السلم" منتشرة ولا يوجد حصر لها و90 % منها يعالج الإدمان ولا تضم أي فريق علاجى سواء أطباء أو تمريض، وتحدث بها كوارث من وفيات للمرضى أو تعامل مع المرضى بصورة غير آدمية.

هناك عدد كبير من مراكز علاج الطب النفسي والإدمان غير مرخصة، ويطلق عليها "مراكز بئر السلم"

وأشار إلى أنه مع قلة عدد أسرّة القطاع الحكومي تنشأ مراكز للعلاج تحت بئر السلم دون إشراف طبي، ولا يقدمون علاجاً للمريض ويتم معاملة المرضى بأسوأ الأشكال، خاصة في علاج الإدمان، فما عليهم سوى حبس المريض فقط ومنعه من تعاطي المخدرات، ويحصلون على الأموال من الأهل دون وجود أوراق رسمية أو تسجيل أسماء المرضى وبياناتهم.
ويستغل أصحاب المراكز تحت بئر السلم خوف الأهالي على سمعة الأسرة نتيجة وجود مريض نفسي أو مدمن بها، ويعتبرونها وصمة لديهم أو تهمة يريدون التخلص منها، لذلك يقبلون على تلك المراكز لعدم وجود تسجيل بيانات بها، فلن يعرف أحد أسماء المرضى بها أو هويتهم ويعطونهم الأموال ولا يرغبون في عودة الابن مرة أخرى لهم والرغبة في إخفائه عن الأنظار.
وأضاف حسين أنّ أكبر المستشفيات تتراوح تكلفة العلاج والإقامة بها شهرياً من 30 إلى 50 ألف جنيه، ولا يقبل عليها سوى الأغنياء والطبقات ذات المستويات المادية المرتفعة، بالإضافة إلى الأجانب والعرب خاصة من دول الخليج.
وأشار إلى أنّ أسعار العلاج في أقل المستشفيات المرخصة تصل 5 آلاف جنيه شهرياً شاملة الإقامة والعلاج والخدمات المقدمة للمريض، بينما المستشفيات المتوسطة التي تقدم خدمات ما بين الدرجات المرتفعة والمنخفضة يصل تكلفة العلاج بها الى400 جنيه يومياً؛ أي ١٢ ألف جنيه شهرياً.

الصفحة الرئيسية