التجارب النفسية: عندما استخدمت الإمبريالية ألاعيبها ضد العقل

علم النفس

التجارب النفسية: عندما استخدمت الإمبريالية ألاعيبها ضد العقل


26/03/2020

حفلت بدايات القرن العشرين بالتجارب البشرية، التي وصلت ذروة إجرامها، كما في العهد النازي في ألمانيا، وكذلك في الصين، التي كانت حقل تجارب المستعمر الياباني في الوقت نفسه.
ولم تتوقف تلك العمليات على الأعضاء الحيوية، بل امتدت إلى تجارب نفسية، أخرجت المارد البشري من قوقعته، وتجلّى في الإنسان ما لم نكن نسمع به قبل ذاك الوقت.

اقرأ أيضاً: أشهر 6 أفلام عن الاضطرابات النفسية.. هل شاهدتها؟
هذه أبرز خمس تجارب نفسية في القرن العشرين، بعيداً عن عقلية المؤامرة التي يتواتر ذكرها في هذه الآونة بسبب فيروس كورونا (كوفيد 19):

أولاً: عملية ذورة منتصف الليل
أحد عشر عاماً، كانت فترة التجربة التي هدفت إلى السيطرة على العقل البشري، برعاية المخابرات الأمريكية؛ إذ تمّ تشغيل العملية في البداية، عام 1954، بواسطة سيدني غوتليب، وتمّ وضعها تحت إشراف المكتب الفيدرالي للمخدرات في بوسطن وماساتشوستس، مع الضابط جورج هانتر وايت، تحت اسم مستعار هو "مورغان هول"، لصالح وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، كمشروع منبثق من مشروع يدعى "MKUltra"، يعنى بأبحاث السيطرة على العقل، يتكون المشروع، الذي بدأ عام 1954 من شبكة من البيوت الآمنة التي تديرها وكالة المخابرات المركزية في سان فرانسيسكو ومقاطعة مارين بكاليفورنيا ومدينة نيويورك، تأسست من أجل دراسة آثار "LSD" على الأفراد غير المدركين، وتمّ إدراج العاهرات على كشوف مرتبات وكالة المخابرات المركزية، لإغراء العملاء بالعودة إلى البيوت الآمنة؛ حيث تمّ إرفاقهم بشكل خفي بمجموعة واسعة من المواد، بما في ذلك "LSD"، ومراقبتها خلف زجاج أحادي الاتجاه.

دارت أساليب غسل الدماغ عن طريق أربعة محاور: الاعتداء على الهوية، الشعور بالذنب، خيانة الذات، انهيار الأنا

سرعان ما اتسعت التجربة؛ فكانت الحبوب تقدم بشكل خفي للمواطنين في المطاعم والحانات، لكن سرعان ما انكشف أمر الضباط، الذين همّوا بإنهاء التجربة وأغلقوا مقرات عملهم السرية، حتى كشف الصحفي سيمور هيرش، في تحقيق له عام 1974 عن العملية التي أجرت تجارب المخدرات على الأمريكيين، ثمّ قدم المخرجان، ويل كينان وجادي هاريل، تلك التجربة الجنونية في عمل فني، عام 2009، مبني على أحداث التحقيق المطول الذي أجراه هيرش لصحيفة "واشنطن بوست"، ومقابلات مع عائلات الضحايا الذين طالتهم التجربة.

ثانياً: دراسة الوحش
مع بداية الحرب العالمية الثانية، عام 1939، أجرى الباحثان، ويندل جونسون وماري تيودور، من جامعة آيوا، تجربة على 22 طفلاً يتيماً في دافنبورت؛ إذ تمّ فصل الأطفال إلى مجموعتين، تلقت الأولى منهما علاجاً إيجابياً للكلام؛ حيث تمّت الإشادة بالأطفال بسبب إجادة التحدث، وفي المجموعة الثانية؛ تلقى الأطفال علاج النطق السلبي، وتمّ التقليل من شأن كلّ عيب في الكلام، تطورت لدى الأطفال الذين يتحدثون بشكل طبيعي في المجموعة الثانية مشاكل في النطق، واحتفظوا بها بعد ذلك لبقية حياتهم، شعرت جونسون وتيودور بالرعب من أنباء التجارب الإنسانية التي أجراها النازيون، لذلك لم تنشر أبداً نتائج "دراسة الوحش".

اقرأ أيضاً: كيف تعكس مواقع التواصل الاجتماعي الأمراض النفسية للمستخدمين؟

عام 2001؛ تسبب تحقيق استقصائي أجرته صحيفة "سان خوسيه ميركوري نيوز"، في فتح النيران على تلك الدراسة، ورفعت دعوى على جامعة آيوا، التي فتحت سجلات الجامعة، وحققت مع الأيتام الثلاثة الذين بقوا على قيد الحياة، ومع ابن ويندل، الذي دافع عن تجربة والده، إضافة إلى باتريشيا زبروفسكي، أستاذة علم أمراض النطق والسمع بجامعة آيوا، التي شهدت بأنّ البيانات الناتجة عن التجربة هي "أكبر مجموعة من المعلومات العلمية" عن ظاهرة التلعثم، وأنّ عمل جونسون هو أول من ناقش أهمية أفكار تلعثم ومواقفه ومعتقداته ومشاعره، واستمر في التأثير على وجهات النظر حول التأتأة إلى حدّ كبير، وانتهت التحقيقات بعدم تحمل الدولة المسؤولية، حتى بعدما ثبتت إصابة الأيتام بأضرار في النطق لازمتهم حتى الموت.

تمّ تصوير تجربة سجن ستانفورد بالكامل، وإتاحة بعض مقاطعها للجمهور من خلال موقع الجامعة

ثالثاً: تجربة سجن ستانفورد
مع بدايات السبعينيات؛ قررت جامعة ستانفورد، وبتمويل من البحرية الأمريكية، إجراء تجربة نفسية لمعرفة أسباب الشجار الدائم بين نزلاء سجن ستانفورد والحراس، وعليه قاموا بعرض مكافأة مالية لمن يشارك في التجربة، وتم تقسيم المشاركين إلى مجموعتين؛ الأولى للعب دور السجناء، أمّا الثانية فتلعب دور حراس السجن، وتم منحهم سلطة مطلقة لتأديب السجناء كما للحراس الحقيقيين، كان من المفترض للتجربة أن تستمر عدة أشهر، إلّا أنّ ما حدث أذهل الباحثين، فمع تصاعد العنف الدموي بين الفريقين انتهت التجربة بعد ستة أيام فقط، ويصف الموقع الرسمي لتجربة سجن ستانفورد هدف التجربة بقوله: "أردنا أن نرى ما هي الآثار النفسية التي تحولت إلى أن تصبح سجيناً أو حارس السجن، للقيام بذلك، قررنا إنشاء سجن، ثم نلاحظ بعناية آثار هذه المؤسسة في سلوك كلّ من دخل جدرانها".

بتمويل من البحرية الأمريكية تم إجراء تجربة نفسية لمعرفة أسباب الشجار الدائم بين نزلاء سجن ستانفورد والحراس

تمّ تصوير التجربة بالكامل، وإتاحة بعض مقاطعها للجمهور من خلال موقع الجامعة، لكنّ ما أثار ريبة الباحثين؛ عدم منهجية هذه التجربة، رغم أنّ العديد من الكتّاب في علم النفس والاجتماع أشاروا إليها في كتاباتهم، إلّا أنّها تظلّ نقطة سوداء في تاريخ الجامعة، لما وقع فيها من أحداث عنف دموي بين الفريقين، وقد جسدت السينما هذه التجربة بعنوان "The Experiment"، بفيلمين؛ أوّلهما ألمانيّ إنتاج عام 2001، من إخراج أوليفر هيرشبيجل، أما الثاني فمن إنتاج عام 2010، من إخراج بول سيشرونج، وما تزال التجربة تتكرر في أفلام عديدة.

رابعاً: تجربة مليغرام
عام 1961؛ بدأ ستانلي ميلغرام، وهو عالم نفسي في جامعة ييل، سلسلة من تجارب علم النفس الاجتماعي التي تقيس مدى استعداد موضوعات الاختبار لطاعة شخصية ذات سلطة، أجريت بعد ثلاثة أشهر فقط من بدء محاكمة مجرم الحرب الألماني النازي، أدولف أيخمان، سعت تجربة ميلغرام إلى الإجابة عن سؤال: "هل يمكن أن يكون أيخمان وشركاؤه المليون في الهولوكوست يتبعون الأوامر؟"، وتمّ تقسيم المشاركين إلى غرفتين؛ كي يمكنهم أن يسمعوا بعضهم، لكنّهم لا يرون ذلك، بعد ذلك يقرأ ممثل التجربة، موضوع الاختبار في سلسلة من الأسئلة، وتتمّ معاقبة كلّ إجابة خاطئة بصدمة كهربائية، ورغم أنّ العديد من الأشخاص قد أشاروا إلى رغبتهم في إيقاف التجربة، إلا أنّ جميع الأشخاص تقريباً استمروا عندما قيل لهم إنّهم لن يتحملوا المسؤولية، أو لن يكون هناك أيّ ضرر دائم.

اقرأ أيضاً: الظاهرة الإسلامية الحركيّة على سرير التحليل النفسي

ولخّص ميلغرام التجربة في مقالته، عام 1974، بعنوان "مخاطر الطاعة" قائلاً: "تتّسم الجوانب القانونية والفلسفية للطاعة بأهمية كبيرة، لكنّهم يقولون القليل جداً عن سلوك معظم الأشخاص في مواقف ملموسة؛ إذ قمت بإعداد تجربة بسيطة في جامعة ييل لاختبار مقدار الألم الذي قد يلحقه المواطن العادي بشخص آخر، لمجرد أنّه أمر يجب تنفيذه، كانت السلطة الصارخة تقف ضدّ الأشخاص الأقوى من حيث الضرورات الأخلاقية ضدّ إيذاء الآخرين، ومع آذان "المشاركين" الذين يصرخون بأصوات الضحايا، فازت السلطة في أكثر الأحيان، وشكلت الرغبة البالغة لدى البالغين في الوصول إلى أيّ طول تقريباً على أمر السلطة النتيجة الرئيسة للدراسة والحقيقة الأكثر إلحاحاً في التفسير".
ستانلي ميلغرام

خامساً: مشروع "QKHILLTOP"
إحدى أكثر تجارب الإمبريالية الأمريكية بشاعة؛ ففي عام 1954، طورت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية تجربة لدراسة عمليات غسل الدماغ، والتي استخدموها بعد ذلك لتطوير أساليب جديدة للاستجواب، يقود البحث الدكتور هارولد وولف، من كلية الطب بجامعة كورنيل، بعد أن طلب من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية تزويده بمعلومات عن السجن والحرمان والإذلال والتعذيب وغسيل المخّ والتنويم المغناطيسي، وغير ذلك الكثير، بدأ فريق أبحاث وولف في صياغة خطة يمكنهم من خلالها تطوير عقاقير سرية وإجراءات مختلفة لإتلاف الدماغ، خاصة الفص الجبهي، ووفق رسالة كتبها، نشرت لاحقاً في صحيفة "واشنطن بوست"؛ فقد رأى أنّه من أجل اختبار تأثيرات البحث الضارّ بشكل كامل؛ فمن الضروروي على الـ "CIA" إتاحة المعلومات اللازمة حول الخاضعين للتجربة.

اقرأ أيضاً: إسرائيل تستعين بالخنازير لمعالجة جنودها المصابين بأمراض نفسية وعقلية

وتضمنت التجربة اللعب على الفص الجبهي ومنطقة الأميجدلا، وهما أكثر المناطق المسؤولة عن إدراك الذات والمشاعر المختلفة، ودارت أساليب غسل الدماغ عن طريق أربعة محاور: "الاعتداء على الهوية، الشعور بالذنب، خيانة الذات، انهيار الأنا"، وقد أقدمت الولايات المتحدة على تلك التجارب المروعة، بزعم أنّها تقاوم الشيوعية، وتقي الأمريكيين شرّ غسيل الدماغ، الذي تفعله كلٌّ من كوريا والصين والاتحاد السوفييتي، لكنّ ما حدث كان جريمة، خضع إثرها قادة المخابرات الأمريكية لتحقيقات موسعة في الكونغرس، انتهت بإدانتهم، ومنع تلك التجارب من التكرار، إلا أنّ البعض يزعم أنّ مثل تلك التجارب تتمّ سراً.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية