لبنان: هل وصلت المحاصصة الطائفية محطتها الأخيرة؟

لبنان: هل وصلت المحاصصة الطائفية محطتها الأخيرة؟

مشاهدة

13/08/2020

لبنان قبل تفجير مرفأ بيروت ليس هو لبنان بعده، ولعلّ ما أشار إليه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول ضرورة تغيير النظام السياسي، وإلماح الرئيس اللبناني ميشال عون إلى أنّ نظام التراضي بين الطوائف اللبنانية يحتاج إلى إعادة نظر، فضلاً عن مطالب الشعب اللبناني المنتفض منذ شهور ضدّ حكوماته الأخيرة، ورفضهم للسياسيين الحاليين بكلّ طوائفهم، ومطالبتهم لهم بالاعتزال، لعلّ كلّ هذا يوحي بأنّ ثمّة تغييراً في النظام السياسي اللبناني سيأتي لا محالة، فما حدوده؟ وما ملامحه؟

الاعتراف بالطائفية السياسية والخضوع لها رسم إلى حدٍّ كبير شكل النظام السياسي في لبنان

من الواضح أنّ كارثة تفجير مرفأ بيروت تتجاوز سؤال الفاعل أو المتسبب -وإن كان يستحق المحاكمة والإدانة التاريخية- غير أنّ الفاجعة تدفع إلى سؤال مصيري: ما مستقبل النظام السياسي اللبناني الحالي؟ فالنظام قائم على المحاصصة للطوائف اللبنانية، نظراً لأنّ المجتمع اللبناني ليس نسيجاً واحداً، فهو متعدّد الطوائف والمذاهب (18 طائفة ومذهباً) ممّا شتّت الهوية اللبنانية لصالح هويات طائفية متعددة، وهذا في حدّ ذاته ضدّ فكرة العقد الاجتماعي، لكنّ الاعتراف بالطائفية السياسية والخضوع لها رسم إلى حدٍّ كبير شكل النظام السياسي في لبنان، ووفق دستور عام 1926، والتعديلات التي تمّ اعتمادها بعد اتفاق الطائف، يجب أن يكون رئيس الجمهورية من الطائفة المارونية، وأن يكون رئيس الحكومة من الطائفة السنّية، وأن يكون رئيس مجلس النواب من الطائفة الشيعية، وتُوزّع المقاعد النيابية بالتساوي بين المسيحيين والمسلمين، وبما يتناسب مع مختلف الطوائف، كما توزّع المقاعد بالتساوي بين الأقاليم.

هذا النظام مرّ بأزمات متعدّدة، وعرّض الأمن القومي اللبناني إلى تهديدات متعددة، وورّط المجتمع في حرب أهلية واحتلال إسرائيلي وتدخل إقليمي وأممي، وأزمات اقتصادية متعدّدة، فهل ما زال هذا النظام قادراً على الاستمرار، أم لا؟

حول مستقبل هذا النظام، يقول الدكتور أحمد فؤاد أنور، أستاذ الدراسات العبرية بجامعة الإسكندرية وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، إنّ "الطائفية السياسية في لبنان قائمة منذ عقود، لكن في الوقت الراهن ظهرت مشكلات "عابرة للطائفية"، تتمثل في انهيار الخدمات على كافة المستويات في لبنان، وهذا التحدّي يضرب في أساس الطائفية السياسية، فلم يعد في إمكانات أيّ زعيم طائفي حلّ هذه المشكلات، والجهة المنوط بها حلّها هي الدولة ومؤسسات الدولة، ممّا يعني فشل الطائفية في تحقيق احتياجات المواطن".

اقرأ أيضاً: حزب الله يستقوي على اللبنانيين بسلاحه ودعم إيران.. ما علاقة قطر؟

المشكلة الثانية، وفق أنور في حديثه لـ"حفريات"، تتمثل في انهيار أسعار العملة؛ "هذا المستجد على الواقع اللبناني يجعل أيّ عضو في طائفة ما يراجع موقفه من الدولة ومؤسّساتها، فهل ما سبق يعرّض النظام الطائفي للانهيار أو للإزالة؟ أرى أنّ من الصعوبة بمكان نسف نظام المحاصصة الطائفية السياسية، رغم ما يواجهه من صعاب كالاستقالات وتغيير وجوه السياسيين اللبنانيين، من خلال سقوط الحكومة، و الدعوة لانتخابات برلمانية جديدة".

اقرا أيضاً: سياسي لبناني يتهم تركيا بالضلوع في تفجير بيروت

ويؤكد أنور أنّ هناك هزّة قوية لا شكّ في الحياة السياسية اللبنانية، "لكنها لا تصل إلى زعزعة النظام السياسي بالكامل، فهناك قوى إقليمية ودولية تثبت أركانه، مع التذكير بأنّ نظام الطائفية السياسية سمح بتمثيل جميع الطوائف التي يتشكّل منها المجتمع اللبناني، ممّا أنهى الحرب الأهلية التي اندلعت في منتصف السبعينيات وانتهت باتفاق الطائف العام 1990، دون تغليب فئة على أخرى، لذلك يُعدّ هذا النظام خياراً لا بدّ منه للحكم، كما أنّه شكل من أشكال التنظيم السياسي للمجتمع".

يشير فؤاد أنور إلى أنّ "وجود حزب الله يمثل معضلة متزايدة تواجه المجتمع اللبناني، وهو الذي يستمدّ شرعية وجوده من مقاومته لإسرائيل، وهي صورة مبالغ فيها، فالحدود ما زالت مباحة والسماء منتهكة، والحزب ورّط لبنان في خسائر أكبر بكثير من المكاسب، فالحرب الأخيرة مع إسرائيل دمّرت البنية التحتية للعديد من المدن اللبنانية، ولم يكسب البلد منها شيئاً، ثانياً خطورة إيمان قادة الحزب بضرورة تصدير الثورة، باعتباره امتداداً للفكر الإيراني، ممّا ورّطه في التدخل في شؤون دول مجاورة، مثل مصر وسوريا، أخيراً أصبح حزب الله ضاغطاً على اللبنانيين بدلاً من القيام بحمايتهم، وقد أدّى ذلك لغليان داخل المجتمع اللبناني ضدّ وجود حزب الله الذي أصبح دولة داخل الدولة".

اقرا أيضاً: هل ترضخ إيران لمطالب ماكرون بشأن لبنان؟

وأضاف أنور أنّ "معضلة حزب الله ليس من السهولة حلّها، فالحزب يملك ترسانة مسلّحة ربما أكبر من تسليح الجيش الوطني، ولديه جنود عقائديون يمكن أن يسبّبوا توتراً كبيراً في المنطقة، لذا يجب التعامل مع هذا الملف بكثير من الحكمة، وتقليص دوره في الحياة السياسية على مراحل".

من جانبه، يقول الكاتب والباحث السياسي سامح عسكر إنّ "المجتمع اللبناني مليء بالطوائف المختلفة، والنظام السياسي القائم تعامل معها على أنها خصيصة من خصائص المجتمع، وبالتالي اختار حلّاً علمانياً مناسباً للمجتمع، وهو المحاصصة، بمعنى أنّ كلّ طائفة سياسية في المجتمع اللبناني لها حصّتها في المناصب والمقاعد البرلمانية، وهي حلٌّ للمشاكل، وفضٌّ للاشتباك، وإنهاء للصراعات لفترة مؤقتة".

اقرأ أيضاً: رئيس حزب السلام اللبناني لـ"حفريات": الدور القطريّ مكشوف

لكنّه يستدرك، في حديثه لـ "حفريات"، أنّ ما يعيب المحاصصة أنّها "ليست حلّاً للتفاهم المجتمعي، ولا يمكن لها أن تبني دولة حديثة؛ لأنّ مؤداها هو وقف نزيف الحروب الأهلية، ولكنها لا تنهي الاحتقان الطائفي، فالفرقاء بسبب المحاصصة يتقوقعون حول ذاتهم على حساب الوطن والهوية اللبنانية، ويحتاج لبنان اليوم نظاماً سياسياً جديداً ليتمكّن من بناء دولة قوية حديثة، ومجتمع عصري متماسك، وهذا يحتاج إلى مشروع قومي فكري ثقافي تعليمي ممتد، وليس مجرّد تصريحات على ألسنة الزعماء السياسيين".

وأضاف عسكر: من أهمّ مظاهر الطائفية في لبنان وجود حزب الله، الذي تكوّن كردّ فعل على ممارسات ميليشيات الكتائب المسيحية والاحتلال الإسرائيلي للبنان عامّة وللجنوب خاصّة، وسيظلّ يستمدّ شرعية وجوده باعتباره أهمّ تيار مقاوم لإسرائيل، وطالما إسرائيل قائمة وتهدّد جيرانها، وخصوصاً جنوب لبنان، فلن يُنزع سلاح حزب الله، ولا ننسى أنّ حزب الله يقدّم خطاباً شعبوياً يجد قبولاً في الشارع اللبناني، وليس محدوداً بالمواطن الشيعي فقط، مع الوضع في الاعتبار أنّ تزايد السكان في مناطق الشيعة يعمّق الطائفية، فضلاً عن حالات الهجرة الشيعية إلى الجنوب اللبناني من البحرين واليمن، وأصبح جنوب لبنان منطقة جاذبة للشيعة العالمية، لذا سيكون من الصعوبة استبعاد حزب الله من الحياة السياسية قسراً، وأيّ استحقاق انتخابي بدون المحاصصة ربما يأتي بحزب الله نظراً للأغلبية العددية للشيعة في لبنان، ولحجم التحالف القوي بين الحزب والعديد من التيارات السياسية في لبنان، ولا ننسى أنه مدعوم بقوة من إيران، خلاف باقي الفرقاء اللبنانيين الذين تخلّى عنهم حلفاؤهم.

اقرأ أيضاً: هل سيتولى الجيش قيادة لبنان بإشراف فرنسي ودعم دولي؟

وأكد عسكر أنّه "طالما هناك صراع إقليمي وأممي وحروب مشتعلة في منطقة الشرق الأوسط، فتغيير أيّ نظام سيكون شبه مستحيل، وأنّ فرنسا التي تتبنّى إصلاح النظام السياسي في لبنان لم تعد تلك الدولة القوية كما كانت في السابق، فقد فقدت خلال عقود الكثير من قوّتها وأوراق اللعب السياسي الدولي والإقليمي، فهي على أرض الواقع لا تملك إجبار الفرقاء اللبنانيين على مسار سياسي آخر، ففرنسا توقفت عن الدعم المالي للبنان منذ عقود، ولا يُعوّل على البُعد الثقافي الفرنسي اللبناني، ما لم يقترن بأدوات القوّة السياسية".

اقرأ أيضاً: هل تُخمد استقالة حكومة دياب الشارع اللبناني؟

وفي الإطار ذاته، يؤكد الباحث في السياسة الدولية طارق البشبيشي أنّ مصير أيّ نظام سياسي مرهون بقدرته على تحقيق مطالب الشعب، "فالنظام الحالي وليد اتفاق الطائف، الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية، وهو في هذا الإطار كان مقبولاً من المجتمع ومن الأحزاب والطوائف، والحقيقة الثابتة في المجتمع اللبناني هي التعددية المذهبية، والتي لا يمكن تغييرها".

اقرأ أيضاً: هل وصلت النيران التركية إلى لبنان؟

ويوضح، في حديثه لـ "حفريات"، أنّ "الطائفية السياسية ليست أمراً حتميّاً على المجتمع لا يمكن تجاوزه، والفارق بين التعدّدية المذهبية والطائفية السياسية كبير وخطير، فالتعدّدية هي تقبّل التنوّع الديني والمذهبي، واحترام الآخر واحترام معتقداته ورموزه وشعائره، مع إعلاء قيمة الوطن والمواطنة، أمّا الطائفية السياسية، فهي انتقال من قبول الاختلاف المذهبي على مستوى الأفراد، إلى التمثيل السياسي للطوائف التي ينتمي إليها هؤلاء الأفراد وتجسيدها في مؤسسات الدولة، فتصبح مهمّة كلّ طائفة البحث عن مصالحها ومكاسبها على حساب الآخرين، ممّا يؤدي إلى خلق أحقاد مجتمعية وتعطيل العمل المشترك".

 ويتابع: إذا ما تمّ تجاهل الآثار السلبية للطائفية السياسية، تتولد صراعات بين الطوائف قد تتطور إلى حروب أهلية أو ما يشبهها، وفي النهاية تفشل الدولة الوطنية الحديثة في حماية مواطنيها أو تقديم الخدمات المطلوبة، وبالأحرى الطائفية هي خصم بالضرورة من الانتماء للوطن، والبنية الطائفية للنظام السياسي في لبنان جعل من شبه المستحيل اتخاذ أيّ قرارات كبرى دون توافق جميع الفرقاء السياسيين الموزّعين على أساس طائفي، ممّا عطّل أجهزة الدولة عن القيام بمهامّها، ولبنان الآن أمام ضرورة ملحّة لتغيير النظام السياسي، والبحث عن منظومة سياسية قادرة على احتواء التعدّدية الطائفية والمذهبية وصهرها في بوتقة الوطن، مع تحديد دقيق لهوية المجتمع اللبناني، وهوية النظام السياسي، وحلّ معضلة السلاح، بعدم السماح لأيّ فصيل سياسي بامتلاك السلاح، وأنّ المؤسسة المسموح لها هي الجيش الوطني اللبناني".

اقرأ أيضاً: لبنان... تسوية أسوأ من الفراغ

وحول دور حزب الله في السياسة اللبنانية قال البشبيشي: "من الواضح أنّ تغوّل حزب الله في الساحة السياسية اللبنانية، أدّى لارتهان القرار السياسي اللبناني لصالح حسابات إيران دون أيّ اعتبار لمصالح الشعب اللبناني وتخوفاته، وهذه آفة تيارات وتنظيمات ما يُسمّى الإسلام السياسي، فهي تلعب لصالح قوى خارجية وإقليمية، ويحتاج المجتمع اللبناني لإعادة النظر في شرعية وجود حزب الله بعد انسحاب إسرائيل".

الصفحة الرئيسية