كيف جمعت فلسطين الغزاة ووحّدت المبشرين والأساطيل الدولية؟

فلسطين

كيف جمعت فلسطين الغزاة ووحّدت المبشرين والأساطيل الدولية؟


25/10/2018

بقيت أساطيل نابليون تجول مدة أربعة أشهر سواحل فلسطين محاولة السيطرة على مدنها، في حين تحمّست كاترينا الثانية، إمبراطورة روسيا، للانقضاض على ممتلكات الدولة العثمانية، واستخدمت النشاط التبشيري -ومركزه القدس- وسيلة لذلك، أما بريطانيا فلم تقف مكتوفة الأيدي أمام التنافس المتزايد، ووجدت في رعاية الطائفة اليهودية مدخلاً لمدّ نفوذها في فلسطين.

حملة نابليون.. بداية التنافس

في آذار (مارس) من عام 1799 بدأت الحملة الفرنسية بقيادة نابليون على فلسطين، ومحاولة احتلال ساحلها ومدنها والسيطرة عليها، استمرت الحملة أربعة أشهر، حتى هُزمت على أسوار عكا، وانتهت بالفشل، ولكن آثار الحملة وتداعياتها لم تنته، وإنما استمرت بالتفاعل على المدى الأبعد.

اقرأ أيضاً: الحياة الثقافية في فلسطين قبل النكبة... شواهد تكذب الدعاية الصهيونية

رفعت الحملة من وتيرة التنافس الاستعماري للسيطرة على فلسطين والمنطقة عموماً، فدخلت المنافسة مع فرنسا كُلّ من بريطانيا وروسيا، وبدأت كل من القوى الثلاث ترتب الأوراق لشنّ حملات جديدة، بحيث تكون هي من يرث الدولة العثمانية، رجل أوروبا المريض، الذي تزايد الإدراك بأن أوان رحيله قد بات وشيكاً.

نابليون يوجّه قواته مشيراً إلى أسوار عكا

فرنسا.. حامية الكاثوليك

قبل ذلك بقرنين ونصف القرن، كان الملك "فرانسوا الأول" ملك فرنسا، والسلطان العثماني "سليمان القانوني"، قد وقعا معاهدةً عام 1536، عرفت بمعاهدة "التحالف الفرنسي العثماني"، وعلى إثر هذا التحالف كفلت الدولة العثمانية الحرية الكاملة لرعايا فرنسا للوصول إلى أماكن الحج المسيحية في فلسطين.

اقرأ أيضاً: كيف سهّل العثمانيون توطين اليهود بفلسطين قبل وعد بلفور؟

اكتسبت فرنسا مزيداً من الامتيازات لاحقاً، وفي عام 1740، تم اعتبار فرنسا بمثابة الحامي للكاثوليك في الدولة العثمانية، وتزامن ذلك مع توسّع النشاط التبشيري الكاثوليكي الفرنسي. لاحقاً، اعتبرت فرنسا نفسها ممثلاً سياسياً للطائفة الكاثوليكية، وصارت تتخذ حماية الطائفة والقلق عليها ذريعةً للتدخل في الشؤون السياسية العثمانية.

سليمان القانوني وفرنسوا الأول.. كما رسمهما الإيطالي "تيتيان" بعد توقيع معاهدة 1536

وفي فلسطين، كانت فرنسا قد افتتحت عدداً من القنصليات التابعة لها لضمان رعاية مصالحها، بدأت بافتتاح قنصلية في القدس، ثم افتتاح قنصليات في يافا، واللد، والرملة. وخلال القرن التاسع عشر تزايدت أدوار هذه القنصليات؛ فبالإضافة إلى مهمة حماية الطائفة الكاثوليكية في فلسطين، باتت تقوم بأدوار الرقابة السياسية والعسكرية، ومراقبة حركة السلع، والبضائع، في الموانئ الفلسطينية.

اهتمّت بريطانيا بدعم جهود البحوث الأثرية التوراتية التي كانت تهدف إلى تثبيت الرواية التوراتية عن أرض فلسطين

كما أبدت القنصليات الفرنسية اهتماماً بهجرة اليهود إلى فلسطين، بدايةً من النصف الثاني من القرن التاسع عشر، فقدمت لهم المساعدة على الاستقرار والاستيطان، وخصوصاً عبر قيامها بشراء الأراضي، ومن ثم بيعها وتوفيرها لهم.

وترافقت الجهود الرسمية، مع توافد مستمر للإرساليات التبشيرية الفرنسية، وما رافقها من تأسيس الأديرة، والمدارس الفرنسية، ومن أشهرها مدرسة "الفرير" الثانوية في القدس، والتي أسستها جمعية "أخوة الفرير" عام 1867.

يوحنا دي لاسال (1651-1719) مؤسس جمعية "أخوة الفرير"

روسيا.. رائدة العالم الأرثوذكسي

بعد سقوط القسطنطينية عام 1453 أصبحت موسكو هي المدينة الأكثر قداسة في العالم المسيحي الشرقي، وفي عام 1562 تمّ الاعتراف بروسيا كرائدة للعالم الأرثوذكسي من قِبل البطاركة الشرقيين في مجمع خاصّ. كما شهد عهد قيصر روسيا إيفان الرابع (1547 - 1584)، زيارة عدد من رجال الدين من مناطق الدولة العثمانية إلى موسكو، طلبوا فيها الدعم المادي وتوسلوا القيصر المساعدة في التحرر من العثمانيين، فما كان من القيصر إلا أن اتخذ قراراً بتخصيص مبالغ لتغطية احتياجات مسيحيي الشرق بشكل دائم، وبذلك ازداد ترابط الإمبراطورية الروسية بالمناطق العثمانية، وتعزز هذا الترابط مع تتابع رحلات الحجاج الروس إلى فلسطين.

بدأت الحملة الفرنسية بقيادة نابليون على فلسطين عام 1799 واستمرت أربعة أشهر حتى هُزمت على أسوار عكا

وجاء التحوّل المهم في عام 1783، في زمن الإمبراطورة كاترينا الثانية، حين تلقّت روسيا حماية على المسيحيين الأرثوذكس، مماثلة لتلك التي امتلكتها فرنسا على الكاثوليك، وبدأت روسيا بذلك بتعزيز نشاطها الأرثوذكسي في فلسطين.

وتزايد النفوذ الروسي في مناطق الدولة العثمانية عموماً وفلسطين خصوصاً، بعد الحرب الروسية-التركية (1877-1878)، حيث بدأ الروس بعدها فعلياً ببناء كيانهم ونفوذهم في فلسطين. بدأت هذه المرحلة مع بناء المجمع الروسي في القدس، المعروف بالمسكوبية (نسبة لمدينة موسكو)، عام 1864، وما تلا ذلك من شراء أوقاف، وتكثيف الإرساليات، وبناء المدارس، والمستشفيات والمستوصفات. وتركزت الجهود الروسية تحديداً في مدن القدس، والخليل، وأريحا (موقع المغطس)، والناصرة. كما شهدت تلك الفترة تزايداً في أعداد الحجاج الروس إلى الأراضي المقدسة، وتطلّب ذلك من الكنيسة الروسية بناء العديد من الأديرة والكنائس والفنادق لاستقبال الزوار.

اقرأ أيضاً: قصة اليهود العرب.. كيف سقطوا في قبضة الصهيونية؟

ولم يكن الهدف الأساس من إنشاء المدارس الروسية نشر الثقافة الروسية بقدر ما كان وسيلة لضمان حماية الأرثوذكس في الدولة العثمانية وإنقاذهم من التبشير الكاثوليكي والبروتستانتي. ويرى حنا أبو حنا، في كتابه "طلائع النهضة في فلسطين"، أنّ هذه المدارس كان لها دور كبير في حركة النهضة الثقافية في فلسطين، وبالفعل، فقد تخرج منها عدد من روّاد الثقافة الفلسطينية، كخليل بيدس، وبندلي جوزي.

حجاج روس في مجمع المسكوبية (القدس) أواخر القرن التاسع عشر

بريطانيا.. نشاط متأخر وجهود مضاعفة

في حين كان التنافس الروسي الفرنسي يتصاعد في فلسطين، والذي أخذ شكل التنافس الديني الأرثوذكسي-الكاثوليكي، أدركت بريطانيا أنّ التنافس لم يكن في حقيقته دينياً، وإنما سياسياً يهدف لمدّ النفوذ وتحقيق المصالح، على حساب الدولة العثمانية الآخذة في التراجع، وهو ما دفع بها إلى المبادرة لتدعيم تواجدها في فلسطين، فأسرعت لتأسيس قنصليتها في القدس عام 1838، ومن ثمّ أنشأت لها فروعاً في حيفا، ويافا، وعكا، والتي كان لها أدوار عديدة، منها مراقبة الحركة التجارية في الموانئ.

اقرأ أيضاً: تعرف على صهيوني الدولة العثمانية

وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر تزايد الاهتمام البريطاني بفلسطين، وذلك بعد تصاعد المشاريع التوسعية الروسيّة، على حساب الدولة العثمانية، خصوصاً بعد أزمة حرب القرم (1853-1856)، ومن ثُمّ هزيمة العثمانيين أمام الروس عام 1878، إضافة إلى توحيد ألمانيا عام 1871 وتصاعد مطامعها التوسعية والاستعمارية في العالم عموماً والمنطقة خصوصاً، وبالتحديد بعد المباشرة في مدّ شبكة القطار من برلين إلى بغداد، إضافة إلى افتتاح قناة السويس عام 1869، والتي مثّلت الخاصرة الدقيقة في جسم الإمبراطورية البريطانية، حيث كانت تمرّ عبرها معظم الصادرات البريطانية. كلّ ذلك جعل بريطانيا تندفع لزيادة نفوذها في فلسطين.

تكثّفت البعثات الأمريكية خلال الثلاثينيات تزامناً مع اشتداد المنافسة بين البعثات الكاثوليكية الفرنسية والأرثوذكسية الروسية

وخلافاً للروس الذين وجدوا في الأرثوذكس طائفة يمثلونها، والفرنسيين، الذين قدموا أنفسهم كحماة للكاثوليك في مناطق الدولة العثمانية، كانت الكنيسة البروتستانتية البريطانية غريبة عن أرض فلسطين، وهو ما دفع بريطانيا إلى تبني الطائفة اليهودية، بحيث تكون مرتبطة بها، وسبباً لتبرير تدخلها، وهو ما تطوّر لاحقاً إلى دعم الحركة الصهيونية بعد ظهورها. كتب وزير خارجية بريطانيا، إدوارد ستانلي، عام 1858 إلى القنصل العام في القدس: "إنّ حكومة بريطانيا تحاول جاهدة تكريس الوجود البريطاني في القدس، وبالتالي في المدن الأخرى، لحماية مصالحها الحيوية، ورعاياها من الطائفة اليهودية".

وزير الخارجية البريطاني إدوارد ستانلي

ومنذ أواخر القرن التاسع عشر، كرّست بريطانيا وجودها في فلسطين من أجل خدمة وتمكين موجات الهجرة اليهودية، والتي كانت تعني زيادة في نفوذها وضمان مصالحها، وهو ما توّج لاحقاً بعد انهزام الدولة العثمانية وسيطرة القوات البريطانية على فلسطين عبر "وعد بلفور" عام 1917.

اقرأ أيضاً: قانون القومية اليهودية: ماذا ظلّ من ديمقراطية إسرائيل المزعومة؟

وعلى صعيد آخر، اهتمّت بريطانيا بدعم جهود البحوث الأثرية التوراتية، والتي كانت تهدف إلى تثبيت الرواية التوراتية عن أرض فلسطين، بما يخدم أيضاً تدعيم الوجود اليهودي، وبلغت هذه الجهود ذروتها في عام 1865 مع تأسيس "صندوق استكشاف فلسطين، والذي تم تكريس عمله بشكل رئيسي لتحديد المواقع والآثار التي يمكن ربطها بسرديّة أرض إسرائيل القديمة. ولكن الصندوق تجاوز ذلك، ليساهم في إعداد مسوحات سرية عسكرية توفر للحكومة مخططات كاملة تأهباً لنشوب أي حرب قادمة، وقد استفادت منها الإمبراطورية البريطانية لاحقاً خلال الحرب العالمية الأولى.

الولايات المتحدة.. تبشير ومعتقدات خلاصية

كان رئيس الولايات المتحدة الأمريكية جيمس مونرو (1817-1825) قد أقرّ مبدأ انعزال الولايات المتحدة عن شؤون العالم القديم، والانحصار في الشأن الداخلي وشؤون القارتين الأمريكيتين، وهو المبدأ الذي بقي راسخاً حتى الحرب العالمية الأولى، وهو ما أدى لغياب أيّ مطامع توسعية أمريكية قارات آسيا وأوروبا وإفريقيا خلال القرن التاسع عشر.

منذ أواخر القرن التاسع عشر، كرّست بريطانيا وجودها في فلسطين من أجل خدمة وتمكين موجات الهجرة اليهودية

ولكن ذلك لم يمنع من وجود نشاط تبشيري أمريكي مكثّف باتجاه فلسطين، والذي أتى بدوافع مختلفة، كان في مقدمتها عقائد الكنيسة الإنجيلية، التي آمنت بأنّ توطين اليهود في أرض فلسطين هو شرط لتحقيق المجيء الثاني للمسيح وبداية "العهد الألفي السعيد". كما أنّ مؤسس طائفة المورمون الأمريكية "جوزيف سميث" كان مؤمناً بإعادة توطين اليهود في فلسطين، وأرسل عام 1841 مبعوثه "أورسن هايد" في رحلة حجّ إلى القدس، في محاولة لاستطلاع حال اليهود فيها، وهناك وقف أورسن على قمة جبل الزيتون، وتتضرع لله أن تقوم مملكة إسرائيل، وأن تكون القدس عاصمةً لها. وفي عام 1979 أنشأت بلدية القدس الإسرائيلية حديقة تذكارية باسم "أورسن هايد" في القدس، في مكان وقوفه ودعائه.

النصب التذكاري في حديقة أورسن هايد بالقدس

تكثّفت البعثات الأمريكية إلى فلسطين خلال ثلاثينيات واربعينيات القرن التاسع عشر. وفي عام 1844 تم تعيين قنصل أمريكي في القدس بقرار من وزير الخارجية جون كالهون. تزامناً مع اشتداد المنافسة بين البعثات الكاثوليكية الفرنسية، والأرثوذكسية الروسية، والبعثات الإنجيلية الأمريكية.

ألمانيا.. التعاون مع المبشرين الإنجليز

تعود بداية الاهتمام الألماني بفلسطين إلى عهد المملكة البروسية، ففي عام 1841 اقترح ملك بروسيا، فريدريك وليام الرابع، تعاوناً بين كنيسة إنجلترا والكنيسة التبشيرية في بروسيا لإنشاء الأسقفية الإنجليكانية في القدس، وهو ما تمّ فعلاً في ذلك العام، مع بناء الكنيسة التي تحوّلت إلى مركز للبعثات الإنجليكانية واللوثرية.

اقرأ أيضاً: السلطان عبد الحميد مؤسس دولة إسرائيل؟!

استمرت العلاقات بين المبشرين الإنجليز والألمان قويةً لبضعة عقود، فعملوا معاً على فتح مدارس بروتستانتية، مثل مدرسة شنلر في القدس، وتعاونوا في مشاريع دور الأيتام والمستوصفات.

وعلى صعيد آخر، بدأت الإمبراطورية الألمانية منذ قيامها عام 1871 بالتخطيط لإقامة مستعمرات دينية-اقتصادية لها في فلسطين، وهي المهمة التي أنيطت بالأساس بقناصل ألمانيا في فلسطين، وفي حيفا حاولت القنصلية الألمانية شراء أراضٍ في محيط المدينة، إلاّ أنّ الباب العالي أبلغها معارضته إقامة موطئ لألمانيا في حيفا، ومنعها شراء الأراضي هناك. وبعد جهود مكثفة من القنصلية، نجحت في بناء أوّل مستعمرة ألمانية في حيفا، شملت مجموعة من البيوت على سفح جبل الكرمل ومدرسة وكنيسة، وزينت المستعمرة في مدخلها بعبارة يهودية كتبت بالغة الألمانية: "تنساني عيني إن نسيتك يا قدس".

منطقة "المستعمرة الألمانية في حيفا" كما تظهر من الحدائق البهائية

وهكذا، امتزجت دوافع الدين والسياسة في إطار تنافس استعماري محتدم، كانت نتيجته انحسار ملك الدولة العثمانية، ومن ثم تقرر بموجب معاهدة "سايكس-بيكو"، تدويل معظم فلسطين، والتشاور لاحقاً حولها بين بريطانيا، وروسيا، وفرنسا، قبل أن تستقر السيطرة البريطانية عليها مع إقرار الانتداب البريطاني على فلسطين عام 1920، والذي لم ينته إلا مع قرار التقسيم وإعلان قيام دولة "إسرائيل" كدولة راعية وضامنة لمصالح القوى الغربية في المنطقة، لعقود قادمة.

هل تتحمل الدولة العثمانية المسؤولية؟

إذا كانت بداية النفوذ والتغلغل الغربي جاءت كنتيجة للامتيازات التي منحتها الدولة العثمانية، مع عدم إبداء العثمانيين المعارضة اللازمة لموقف هذا التغلغل والتمدد، فهل بالإمكان القول إنّ الدولة العثمانية كانت مسؤولة عمّا انتهى إليه الحال في فلسطين من سيطرة ونفوذ أجنبي؟ طرحت "حفريات" هذا السؤال على الباحث شعبان صوّان، مؤلف ومترجم عدد من الكتب في تاريخ فلسطين والتاريخ العثماني، منها ترجمته لكتاب "البلاد العربية في ظل الحكم العثماني؛ (1516-1800)" للمؤرخة الأمريكية "جين هاثاواي"، فقال: "يجمع المؤرخون على أنه عندما منحت الدولة العثمانية الامتيازات الأجنبية كانت مجرد (صَدَقَة) من حاكم كبير على تجار أجانب صغار بالنسبة إليه لتشجيع التجارة والإنعام عليهم، بالإضافة إلى غايات سياسية أخرى. ولكن مع تقدم عمر الدولة وضعفها التدريجي وصعود القوى الغربية في الوقت نفسه تغير حال نفس الامتيازات القديمة لتصبح عبئاً وقيوداً على الدولة".

بدأت الإمبراطورية الألمانية منذ قيامها عام 1871 بالتخطيط لإقامة مستعمرات دينية-اقتصادية لها في فلسطين وكلفت بذلك قناصلها

وتابع "في هذا الوقت (بعد 1774) ظهرت المرحلة الأخيرة من "المسألة الشرقية" وهي خلاف الدول الأوروبية على تقسيم أراضي الدولة العثمانية المتراجعة، ولكن بطبيعة سير الحياة البشرية التدريجي لم يكن هناك حد واضح فاصل بين الضعف والقوة، ولهذا لا يمكننا القول إنّ الضعيف سهل العدوان على ذاته بضعفه؛ حيث إنّ الظرف الغالب هو الذي يتحكم، ولا يمكننا إصدار الإدانات التاريخية بآثار رجعية دون الأخذ في الحسبان ظروف الأحداث التي عاصرتها وليس الظروف اللاحقة".

ويذكر صوّان عوامل أخرى استفادت منها الدول الأجنبية، كقوانين الأراضي التي سهلّت عملية بيع الأراضي وشرائها، سواء من قبل القنصليات أو الحركة الصهيونية، لافتاً إلى أنه "بفعل تشابك الحوادث أفاد الأجانب في الصراع على فلسطين من بعض الإجراءات التي اتخذت في مرحلة التنظيمات التغريبية التي هي سليلة الامتيازات، وكان تشريعها أصلاً لغايات أخرى بعيدة عن المسرح الفلسطيني كقوانين الأراضي والتملك وغيرها". ويستدرك: "ذلك لا يعني أنّ الدولة العثمانية وقفت متفرجة أمام هذا الخطر كما توحي الكتابات التي تركز على السلبيات دون ذكر الإجراءات العديدة التي اتخذت لحماية فلسطين من هذا الهجوم، ولكنهم كانوا يعتقدون أنّ اختلاق أي مشكلة أقليّات جديدة مسألة تمسّ أمن الدولة عموماً المثقل بالتدخلات الأجنبية باسم حماية هذه الأقليات".

اقرأ أيضاً: استمرار النهج الاستعماري في فلسطين

أما الحديث عن تسهيل العثمانيين للسيطرة الأجنبية على فلسطين، فيرى صوّان بأنه "وصف لا يصدق إلا على زمن دول التجزئة، حيث أصبحت الدول المحيطة بفلسطين غير مسؤولة عنها بحكم الحدود التي رسمها الاستعمار، ومن ثم لم يكن تعاونها مع المحتل جريمة في عرف الهويات المتباينة وهذا ما ينطبق على جميع أنظمة التجزئة منذ سقوط الخلافة بلا استثناء".

الصفحة الرئيسية