كيف أصبحت جمعية "الموصياد" التكتل التركي الاقتصادي ذا الأدوار الأهم.. داخلياً وخارجياً؟‎

كيف أصبحت جمعية "الموصياد" التكتل التركي الاقتصادي ذا الأدوار الأهم.. داخلياً وخارجياً؟‎

مشاهدة

22/06/2021

الـ "موصياد" أو "جمعية رجال الأعمال والصناعيين المستقلين التركية"، اسم يتردد باستمرار عند تناول ثنايا السياسة التركيّة، وذلك باعتبارها أكثر من مجرد تكتل اقتصادي، وإنما أحد أهم التكتلات الاقتصادية ذات الحضور والتأثير في السياسية التركيّة داخلياً وخارجياً، فما هي قصة نشأتها؟ وما سياق صعودها؟ وما أهم الأدوار المنوطة بها؟

الخلفية والتأسيس

تأسست جمعية الموصياد عام 1990 بهدف تمثيل مصالح مجموعة من أصحاب الأعمال كانوا من مدن أناضوليّة (نسبة للأناضول، الجزء الآسيوي من تركيا) مختلفة ويعرفون باسم "النمور الأناضولية"، وبعدد أعضاء مؤسسين ناهز الثلاثة آلاف، يملكون نحو أربعة آلاف شركة تنتشر في مختلف أنحاء الأناضول، لاحقاً وبالتدريج انتقل الكثير من هذه الشركات واستقرّت في إسطنبول.

دعم نجم الدين أربكان "موصياد" خلال فترة توليه رئاسة الوزراء

كانت هذه المجموعة من رجال الأعمال تبحث عن موضع وفرصة في مواجهة رجال الأعمال في إسطنبول. فجاء قيام هذه الجمعية على أساس إيجاد كيان يجمع رجال الأعمال والصناعيين المستقلين من أبناء الأناضول ينسق بينهم ويدافع عن مصالحهم.

ولم يكن بالإمكان أن تحقق الجمعية صعوداً في مرحلة النشوء دون رعاية ودعم سياسي، وهو ما قدمه لها نجم الدين أربكان، الذي احتضن المجموعة ودعمها، وبخاصة في فترة تولّيه رئاسة الوزراء (1996-1997)، وبخاصة بسبب خلفيّتهم المحافظة والمتديّنة، وذلك في إطار توجهاته لدعم اقتصاد تركي قائم على الاكتفاء الذاتي والإنتاج والتصنيع والتصدير.

جاء قيام جمعية موصياد على أساس إيجاد كيان يجمع رجال الأعمال من أبناء الأناضول ينسق بينهم ويدافع عن مصالحهم

وبالرغم مما تعرضت له الحركات الإسلامية بعد الصدام مع المؤسسة العسكرية في عقد التسعينيات، وما صاحب ذلك من تجميد وحل أحزاب مثل؛ الرفاه ثم الفضيلة، إلا أنّ "موصياد" نجت من ذلك بسبب محافظتها على مسافة بين الاقتصاد والسياسة أبقتها في مأمن من تقلبات السياسة التركية خلال ذلك العقد.

خلفيّة محافظة وتوجه إسلامي

كان الأعضاء المؤسسون للموصياد من خلفيات أناضوليّة محافظة، وتعتبر هضبة الأناضول (الجزء الآسيوي من تركيا) معقل الطبقة الوسطى المحافظة والملتزمة دينياً. ويشير الباحث وعضو مجلس الإدارة السابق بالجمعية، عمر فاردان، في كتابه "الجهاد والموصياد" إلى شعار "أخلاق عالية - تكنولوجيا عالية" الذي رفعته الجمعية، باعتبار أنه انعكاس للأهمية التي توليها الجمعية للقيم الأخلاقية، ويبيّن فاردان في هذا الكتاب مدى الترابط والتأكيد الذي أقامته الجمعية وأعضاؤها ما بين الاقتصاد وأهمية التدين في المجتمع وحياة الفرد.

إذ تؤكد موصياد على فهمها للأخلاق والتديّن بأنه لا يقتصر فقط على المعتقدات وطقوس العبادة، وإنما هو مهم أيضاً للتنمية الاقتصاديّة، عبر إنشاء توليفة جامعة للقيم الرأسمالية والدينية، مع اعتبار بأنّ الدين يحث على العمل والكسب والادخار (على الطريقة البروتستانتية). وبذلك بدأت تبرز طبقة جديدة من النخب الاقتصادية والتي تعتمد على تصورات وخطاب ديني محافظ خلافاً لما كانت عليه البرجوازية الإسطنبولية التي كانت "كماليّة" على مستوى التصورات للدولة، من حيث الاعتقاد بالعلمانية والفصل بين القيم الدينية بين الاقتصاد والسياسية، فجاءت البرجوازية الأناضولية لتكون أكثر محافظة.

الليبرالية.. ودعم خيار الانضمام للاتحاد الأوروبي

خلال فترة نهاية التسعينيات ومطلع الألفيّة الجديدة بدأت الحركات والتجمعّات الإسلامية في تركيا تزاوج نفسها مع الليبرالية الجديدة والخطاب النيو-ليبرالي على المستويات الاقتصادية والسياسية، بما في ذلك دعم توجّهات الدمقرطة (التحوّل الديمقراطي) والتحول نحو اقتصاد السوق الحر والمزيد من الاندماج في حركة التجارة العالميّة والاقتصاد العالمي، وكذلك كان شأن مؤسسي "الموصياد"؛ إذ كانوا داعمين للتوجهات والسياسات النيو-ليبرالية، بما في ذلك دعم سياسات وتوصيات صندوق النقد الدولي، وجاء هذا بالتحديد بدافع تأييد تقليل تدخّل الدولة في الاقتصاد وتقليل التدخل العسكري في السياسة، وهو ما تبلور وترسّخ تحديداً بعد تجربة انقلاب العام 1997.

غلاف كتاب عمر فاردان صادر عام 2012

وبذلك فإنّ جمعية "الموصياد" كانت تشارك حزب العدالة والتنمية والتيار المؤسس له منذ حلّ حزب الفضيلة عام 2001 ذات الخلفية والرؤى الاقتصادية والاجتماعية التي جاء منها، وهو ما تجسّد في تأييد مطالب الدمقرطة والانضمام للاتحاد الأوروبي، الأمر الذي أسس للتوافق بين التيار السياسي الإسلامي المتمثل بالعدالة والتنمية وبين التكتل الاقتصادي الذي مثلّته "الموصياد".

اقرأ أيضاً: لهذه الأسباب يريد أردوغان حماية مطار كابول

وجاء هذا الموقف من قبل الإسلاميين والمحافظين بسبب تجربة التسعينيات وما نجم عنها من تحولات اجتماعية واقتصادية دفعتهم إلى الليبرالية السياسيّة والاقتصاديّة، والتي تأطّرت في حينه عبر دعم خيار الانضمام التركي للاتحاد الأوروبي. وكان أهم دوافع التبني لهذه الرؤى هو التدخل العسكري في شباط (فبراير) 1997 الذي كان يهدف إلى إقصاء الجماعات الإسلامية من المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسيّة واعتبارها جزءً من التهديد الرجعي للنظام العلماني.

جاء اتفاق الموصياد والعدالة والتنمية انطلاقاً من الإجماع على ضرورة تقليص حضور المؤسسة العسكرية، إضافة إلى تلاقيهم في التوجه الإسلامي المحافظ

وفي هذه الإطار من دعم خيار الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي انضمت "الموصياد" إلى  جمعيات الأعمال التي التزمت بدعم عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي مثل "التوسياد" (رابطة الصناعيين ورجال الأعمال الأتراك)، و"اتحاد غرف التجارة والصناعة والتجارة البحرية وبورصات تركيا"، و"اتحاد نقابات أصحاب العمل في تركيا"، وذلك من خلال عضويتهم في شبكات الأعمال الأوروبية، ومن خلال أنشطتهم التمثيلية وكسب التأييد في مؤسسات الاتحاد الأوروبي عبر مكاتبهم في أوروبا.

عهد العدالة والتنمية.. مرحلة التوسّع

في أعقاب أحداث العام 1997، انخفض عدد أعضاء جمعية موصياد بالتزامن مع ما تعرّضت له من تشديد ومضايقات، على الرغم من ذلك، سرعان ما تمكّنت المنظمة من استعادة قوتها بمجرد تبدّل المناخ السياسي مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم. وقد لعبت "الموصياد" بحكم ما تتمتع به من علاقات ونفوذ دور اللوبي (جماعة الضغط) في التأثير على صعود حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، وخصوصاً بسبب ما أكدت عليه من ضمانات واستعداد للالتزام التركي ببرامج صندوق النقد الدولي.

أردوغان أثناء مشاركته في إحدى فعاليات موصياد في العام 2019

ولقد كان الرئيس التركي الحالي، أردوغان، صديقاً مقرباً لأعضاء الجمعية منذ تأسيسها. كما كان عدد من أبرز قيادات حزب العدالة والتنمية من المنتسبين للجمعية مثل عبدالله غول، الرئيس التركي السابق، وكذلك علي باباجان وزير الاقتصاد التركي الأسبق وكبير المفاوضين في محادثات انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي ووزير الخارجية التركي ما بين عام 2007 و2009.

اقرأ أيضاً: أطماع أردوغان تحول أذربيجان وسوريا وليبيا إلى ملعب للنفوذ ووسيلة للتوسع

وجاء اتفاق "الموصياد" و"العدالة والتنمية" انطلاقاً من الإجماع على ضرورة تقليص حضور وتأثير المؤسسة العسكرية، إضافة إلى تلاقيهم في التوجه الإسلامي المحافظ، ودعم خيار الانضمام للاتحاد الأوروبي. وكمؤشر على مدى انتعاش الموصياد في عهد العدالة والتنمية يلاحظ بأنّ عدد أعضائها تضاعف ووصل إلى ثمانية آلاف بحلول نهاية العام 2013، وفي العام 2017 وصل عدد الأعضاء إلى أحد عشر ألف  عضو من رجال الأعمال.

توافقت مساعي جمعية موصياد مع توجهّات السياسة الخارجية التركية، وبخاصة في التمدد ضمن ما عرف بـ "المجال العثماني" و"العالم التركي"

وخلال نحو العقدين من حكم العدالة قامت موصياد بتوسيع أنشطتها الاقتصادية مع زيادة عدد الأعضاء والدعم والتسهيل من قبل الحكومات، وبات أعضاؤها  ينشطون في كل قطاع تقريباً، من المحركات وقطع الغيار إلى المنتجات الإلكترونية، ومعدات الكهرباء، والمنسوجات، والمقاولات، ومعارض السيارات، والأثاث، والتعدين. مع وصول مساهمتهم إلى ما يقارب الخُمس من الناتج القومي الإجمالي التركي بحلول نهاية عام 2016. وفي عام 2018 باتت "موصياد" تضمّ 60 ألف شركة توظف ما يقرب من (1.8) مليون موظف وعامل داخل تركيا، لتعد بذلك أكبر تجمعات رجال الأعمال الأتراك، على مستوى الداخل والخارج.

أداة للتمدد الخارجي

تمتلك "موصياد" اليوم مكاتب تمثيلية في خمس وتسعين دولة حول العالم. وقد ارتبط توسعها الخارجي خلال عهد "العدالة والتنمية" برؤى مرتبطة بالسياسة الخارجية للدولة، ومن ذلك التوجه نحو تعزيز العلاقات مع البلدان الإسلامية. إذ تماشى طموح التوسع الاقتصادي الخارجي لدى "موصياد" مع العلاقات المتزايدة للدولة التركية في عهد العدالة والتنمية مع الدول الإسلامية، والتي ساعدت ومهّدت الطريق للنمو السريع للموصياد في تلك البلدان.

وتتضمن استراتيجيات الجمعية الدعوة للانفتاح على الشرق، وخاصّة العالمين؛ العربي والإسلامي، مع المناداة  بضرورة إحياء طريق الحرير القديم كمحور لحركة التجارة، وهو ما جاء على الأرض عبر مساعي الشركة لتعزيز العلاقات الاقتصادية مع الجمهوريات التركيّة في آسيا الوسطى. وتعتبر المعارض الدولية التي تحضرها جمعيات رجال الأعمال من أهم وسائل "الموصياد" للتوسع الخارجي، وأهمها منتدى الأعمال الدولي (IBF) والمخصص للدول الإسلامية، ويهدف لإقامة اتصالات وتعاون مع رجال الأعمال المسلمين.

اقرأ أيضاً: زعيم مافيا تركي جديد يخرج إلى الواجهة.. من هو؟ وما علاقته بحكومة أردوغان؟

وبذلك فإنّ مساعي "موصياد" توافقت مع توجهّات السياسة الخارجية التركية، وبخاصة في التمدد ضمن ما عرف بـ "المجال العثماني" و"العالم التركي"، وخصوصاً في مرحلة ما بعد العام 2004 وما عرفته من تراجع لفرص تركيا في الانضمام للاتحاد الأوروبي؛ إذ اعتبرت دول الشرق الأوسط وآسيا الوسطى بديلاً لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي.

النشاط الخارجي.. توسع مطرّد

منذ بداية عهد التحرير الاقتصادي في تركيا خلال عقد الثمانينيات من القرن الماضي، وبالتزامن مع تحوّل تركيا إلى الاقتصاد المُوجّه للتصدير، بات لقطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة التركي علاقات تجاريّة متنامية مع الأسواق الخارجية، وفي مقدمتها الأوروبيّة.

رافق ذلك تطوير عدد كبير من أعضاء "الموصياد" علاقات تجارية مع الدول الأوروبية، وتعتبر ألمانيا، واليونان، وهولندا، وإيطاليا، ودول البلقان، من أوائل الدول التي تعامل معها أعضاء "الموصياد"، وذلك منذ النصف الثاني من التسعينيات. حتى باتت شركات أعضائها في طليعة المصدرين لبعض الصادرات الرئيسية إلى أوروبا، مثل؛ مواد البناء، والأجهزة المنزلية، والمفروشات، والمنتجات الغذائية.

من أعمال منتدى الأعمال الدولي في البوسنة والهرسك الذي نظّمته موصياد في العام 2019

جاءت المرحلة الأهمّ من التوسع للموصياد في أوروبا، من خلال تعزيز العلاقات والاندماج في الشبكات التي تم تأسيسها في الدول الأوروبية في بداية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين مع الانخراط في أنشطة المنظمات التجارية ومراكز الدراسات والمعارض الهادفة لسد الفجوة بين الواقع الاقتصادي في تركيا وبين التطورات الاقتصادية في أوروبا. ففي عام 2002 شاركت جمعية الموصياد في منصة المجتمع المدني التي تم إنشاؤها بتنسيق من مؤسسة التنمية الاقتصادية الأوروبيّة (IKV)، كما أصبحت في عام 2003 عضواً في الاتحاد الأوروبي لجمعيات المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، واليوم تمتلك جمعية موصياد مكاتب تمثيلية في معظم دول أوروبا الغربيّة.

اقرأ أيضاً: لعبة سياسية يمارسها أردوغان على الساحة الدولية

وتعتبر اليوم المساهم الأكبر في الاستثمارات التركية الخارجية، والتي قّدرت بنحو أربعين مليار دولار في الفترة ما بين عامي 2000 و2017 بحسب تقرير صادر عن مجلس العلاقات الاقتصادية الخارجية التركي (DEIK).

وفي الولايات المتحدة، افتتحت جمعية موصياد مكتبها في واشنطن عام 2013، ومنذ ذلك الحين يعمل هذا المكتب بنشاط لتحسين العلاقات التركيّة الأمريكية على المستويات السياسة والاقتصادية، وذلك من خلال تنظيم أنشطة مختلفة، مثل؛ والمؤتمرات والندوات.

وهكذا فإن "موصياد" وبحكم نفوذها وتمددها داخل تركيا وخارجها باتت جزءاً أساسياً من دعائم حكم حزب العدالة والتنمية وسياساته الداخليّة والخارجيّة، سواء على مستوى توفير القاعدة والنفوذ للحزب داخل تركيا، أو عبر توفير وسائل لدعم السياسات الخارجيّة للتمدد الناعم في أقاليم متعددة، من آسيا الوسطى، إلى البلقان إلى الشرق الأوسط، فضلاً عن توفير وسيلة ضغط في مواجهة دول الاتحاد الأوروبي عندما تحتدم الخلافات معها.

الصفحة الرئيسية