قرى أسيوط: عندما حلم القابضون على الجمر بدولة الخلافة

مصر والإرهاب

قرى أسيوط: عندما حلم القابضون على الجمر بدولة الخلافة

مشاهدة

26/03/2018

تتبع مدينة ديروط لمحافظة أسيوط، التي شهدت نشأة الجماعة الإسلامية في الصعيد، وشهدت أيضاً أولى محاولات الثورة الإسلامية على نظام الحكم المدني، 6 تشرين الأول (أكتوبر) 1981.
"لقد أصبحت "ديروط" الآن أشبه بسراييفو أو الضفة الغربية وغزة في فلسطين..."، كلمات ردّدها من داخل المعتقل في أوائل التسعينيات، أحد أبرز مؤسسي الجماعة الإسلامية في السبعينيات، عضو الجماعة التائب عن العنف، وابن مدينة ديروط، الدكتور ناجح إبراهيم.
كلمات إبراهيم، جاءت رداً على المواجهات بين قوات الأمن المصرية، وأعضاء الجماعة في أسيوط، التي بدأت في أيلول (سبتمبر) 1990، حتى عام 1993، الفترة الأكثر دموية في تاريخ الجماعة الإسلامية في صعيد مصر.
بدأت الأحداث الدموية باغتيال المتحدث الإعلامي للجماعة، ابن مدين ساقلتة بمحافظة سوهاج، الملاصقة لأسيوط، دكتور علاء محي الدين عاشور، وقد كان اغتياله فتيلَ نيران تلك الأحداث، بعد أن عثر على جثته ملقاة في أحد شوارع ترسا، بمحافظة الجيزة، عام 1990، ولم ينتظر أقرانه في الجماعة الإسلامية نتيجة التحقيقات؛ إذ اقتنعوا، وفق دلائل الاتهام، أنّ مدبِّر الاغتيال هو وزير الداخلية المصرية!
قرّر قائد الجناح العسكري للجماعة الإسلامية، ممدوح علي يوسف، والقيادي بالتنظيم، صفوت عبد الغني، بمعاونة آخرين، اغتيال وزير الداخلية، غير أنّ مرور موكب رئيس مجلس الشعب، رفعت المحجوب، بالصدفة، في مكان التنفيذ نفسه، غيّر نتيجة العملية، ليسقط رئيس مجلس الشعب قتيلاً، ثأراً لمقتل علاء محي الدين.
رفعت المحجوب

رسالة إلى القابضين على الجمر
رسالة كتبها ناجح إبراهيم لأهل مدينة ديروط، عنونها بـ "رسالة إلى القابضين على الجمر"، ليستنهض روح الثورة داخل نفوس أبناء مدينته، التي شهدت مجد الجماعة الإسلامية في طورها الأول، في السبعينيات من القرن الماضي.
بدأت الجماعة الإسلامية في جامعة أسيوط كأسرة طلابية، أسسها صلاح هاشم، تحت مسمى "الجمعية الدينية"، ثمّ في منتصف السبعينيات، استقرّ أتباع الجماعة في جميع الكليات المصرية، على أن تحمل دعوتهم اسم "الجماعة الإسلامية"، تيمناً بمسمى الجماعة الإسلامية، التي أسّسها أبو الأعلى المودودي.

شهد أبناء قرى أسيوط طائرات الهليكوبتر، وهي تلاحق أقاربهم ضمن عملية أمنية، أطلق عليها مبارك "المواجهة الشاملة"

عام 1977، أصبح ناجح إبراهيم أميراً للدعوة بجامعة أسيوط، لتدخل معه الجماعة مرحلة جديدة وفارقة في تاريخها، فلم يكتفِ ناجح إبراهيم بالدعوة داخل أسوار الجامعة، فخرج بدعوته إلى جميع قرى ومدن محافظته أسيوط، مؤسساً بين دروبها أولى شعلات الصحوة الإسلامية، التي تأجج لهيبها عام 1981، باغتيال السادات، ومحاولة السيطرة على مقاليد الحكم في محافظة أسيوط، بمهاجمة مقرات الشرطة، والمؤسسات المدنية في الدولة، 8 تشرين الأول (أكتوبر) 1981.
غير أنّ حلم الخلافة المنتظرة لم يستمر إلّا ساعات قليلة، قبل أن تعيد الدولة إحكام سيطرتها على المحافظة، والقبض على كلّ من خطط، أو اشترك، في محاولة تأسيس دولة للخلافة الإسلامية، في صعيد مصر!
صفوت عبد الغني

ميثاق العمل الإسلامي
في السجون، تنبّه قياديّو الجماعة للأخطاء التي ارتكبوها، وكانت سبباً في قتل دولتهم في المهد، وعلى رأس تلك الأخطاء؛ أنّهم لم يحشدوا الناس خلفهم بالشكل الكافي، وهو ما تجنبوه في التأسيس الثاني للجماعة، الذي بدأ عقب خروج بعضهم من السجون عام 1984.
في ذلك العام؛ أصدرت الجماعة دستورها، تحت عنوان "ميثاق العمل الإسلامي"، الذي تضمّن ثلاثة محاور، هي: الدعوة أداة لتغيير المفاهيم، والحسبة أداة لتغيير المجتمع، والجهاد أداة للتغيير عندما لا تجدي الدعوة والحسبة.
الجماعة قررت أيضاً تأجيل المواجهة الحتمية مع الدولة بضعة أعوام، حتى يتسنى لها بناء قواعد أكبر في مختلف المحافظات، واعتمدت خطة الجماعة الإسلامية، بحيث يتولى المفرج عنهم عام 1984 مسؤولية نشر الدعوة على نطاق واسع في أنحاء الجمهورية، ويتولّى المفرج عنهم بعد خمسة أعوام إحكام الهيكل التنظيمي للجماعة، ثم يتولى المفرج عنهم بعد سبعة أعوام، أي عام 1988، تأسيس جناح عسكري يكون مسؤولاً عن حماية التنظيم من المواجهات مع الدولة.
ممدوح علي يوسف

حتمية المواجهة
بدأ نزيف الدم، في نيسان (أبريل) 1986، عندما قتل شرطي الطالب بكلية التجارة، شعبان راشد، أثناء تعليقه إعلاناً عن اللقاء الأسبوعي للجماعة الإسلامية، بمسجد الجمعية الشرعية بأسيوط، وهو القتيل الأوّل للتنظيم منذ اغتيال السادات، ورغم محاولة الدولة استيعاب الحادث، والقبض على الشرطي قاتل الطالب، الذي حكم عليه بالسجن خمسة أعوام، إلّا أنّ المسألة تكررت، في تشرين الأول (أكتوبر) من العام نفسه؛ عندما قُتل أحد طلاب الجماعة الإسلامية، أثناء اقتحام مسجد الجمعية الشرعية بأسيوط.
على خلفية ذلك، عام 1987، أصدرت قيادات الجماعة داخل السجون، رسالة بعنوان "حتمية المواجهة"، دعت فيها إلى وجوب المواجهة المسلحة مع النظام الحاكم، وبرّرت القرار بأربعة أسباب:
الأول: وجوب خلع الحاكم الكافر المبدِّل لشرع الله، الثاني: قتال الطائفة الممتنعة عن شرائع الإسلام، الثالث: إقامة الخلافة وتنصيب خليفة للمسلمين، الرابع: تحرير البلاد واستنقاذ الأسرى ونشر الدين.
استمر مسلسل المواجهات بين الشرطة وسكان قرى أسيوط؛ حيث قتل عضو الجماعة، محمد قطب، بعد مواجهات شهدتها قرية "كودية الإسلام" في مدينة ديروط، عندما حاول قطب منع عرض مسرحي مقام في القرية.

"أصبحت ديروط الآن أشبه بسراييفو أو الضفة الغربية وغزة في فلسطين" كلمات ردّدها ناجح إبراهيم من داخل المعتقل

معسكر أفغانستان
مع استمرار التصعيد، أسّست الجماعة الإسلامية معسكراً تدريبياً في أفغانستان، عام 1988، وبعد ثلاثة أعوام من ذلك التاريخ، أصدرت مجلة "المرابطون" من بيشاور في باكستان، لتنشر من خلالها أفكار التنظيم.
في تلك اللحظة، لم يكن أحد ليتخيل أنّ طلبة جامعة أسيوط، تلك الأسرة الطلابية التي بدأت عملها كجمعية دعوية، تحضّ الشباب على إطلاق اللحية، والفتيات على ارتداء النقاب، سوف يخرج أعضاؤها بعيداً عن قرى أسيوط، ليكونوا عنصراً رئيساً في اغتيال السادات، عام 1981، ويؤسسوا معسكراً لتدريب أبناء الصعيد على القتال، في أفغانستان عام 1988، ويسعوا إلى اغتيال وزير الداخلية المصري، زكي بدر، في 16 كانون الأول (ديسمبر) 1989، المحاولة التي فشلت، لكنّها تكرّرت مرة أخرى عام 1990، لاغتيال وزير الداخلية عبد الحليم موسى، الذي قتل بدلاً عنه رئيس مجلس الشعب، رفعت المحجوب.

مذبحة صنبو
الصراع في أسيوط انفجر في آذار (مارس) 1992، على خلفية أحداث عزبة منشية ناصر، بقرية صنبو، التابعة لمركز ديروط، مسقط رأس ناجح إبراهيم.
البداية كانت في خلاف نشب بين عائلتين على بيع منزل بالقرية، إحداهما عائلة مسيحية، احتدّ الخلاف وتطور إلى مواجهة بالأسلحة النارية بين العائلتين، ليسقط أحد أعضاء الجماعة الإسلامية في القرية قتيلاً برصاص العائلة المسيحية، فردّ أمير الجماعة بالقرية، جمال هريدي، على الحادث، بالهجوم، في 4 أيار (مايو)، على المتهمين بالضلوع في أحداث آذار (مارس)، ونتج عن العملية مذبحة راح ضحيتها ثلاثة عشر مسيحياً مصرياً.

 ناجح إبراهيم

في الشهر التالي، حزيران (يونيو)، منعت قوات الأمن عقد ندوة للجماعة عقب صلاة الجمعة، بمسجد الرضوان بقرية صنبو، وقتل في الاشتباكات عضوان بالجماعة، أحدهما أمير الجماعة في القرية، الشيخ عرفة درويش، فردّت الجماعة على الحادث في اليوم التالي، بقتل بعض مسيحيي مدينة ديروط، وحاولت اغتيال مأمور مركز شرطة ديروط.
تصاعد المواجهات بين الدولة والجماعة الإسلامية دفع وزارة الداخلية المصرية إلى فرض حظر التجول في مدينة ديروط، وشهد أبناء قرى أسيوط طائرات الهليكوبتر، وهي تلاحق أقاربهم في زراعة قصب السكر، على مجرى نهر النيل، ضمن عملية أمنية، أطلق عليها الرئيس المصري السابق، محمد حسني مبارك، عملية "المواجهة الشاملة"، للقضاء على نزيف الدم الذي أشعلته الجماعة الإسلامية.

الصفحة الرئيسية