قصصٌ لتعديل "البِرواز"... على الأقلّ

668
عدد القراءات

2018-02-06

مع أنّ المنطقة العربية لا تخلو من الناجحين، أو من قصص النجاح الفردي على مستويات عديدة، فإنّ هذا لا يحتلّ اليوم مكاناً بارزاً من صورتنا في العالم. وربما لا يبدو مُلِحّاً بما فيه الكفاية جدلُ سكان هذه المنطقة حول صورتهم، ومدى نصيبهم وإسهامهم من محصلة الخير والجمال والإبداع في العالم. الأمر، في الحقيقة، لا يقتصر على الدول العربية، بل يضمُّ تركيا وإيران وإسرائيل أيضاً.

حين نلقي نظرة حولنا، نجد أننا في الشرق الأوسط أمام فائض من السيناريوهات، وأمام شحّ، حدّ العدم، في النماذج. هنا تتماهى كلمة "سيناريو" مع الفشل، أو الأفق الكارثي، أو النتيجة المحبطة؛ أو -في عقلية المؤامرة- مع المخطط الجهنمي لتمزيق البلدان وتقسيم المجتمعات، ونهب ثرواتها واستنزافها. وهنا أيضاً يتكرر التحذير من نموذج لبناني يُضعف الدولة والمجتمع، أو نموذج عراقي أو سوريّ يحفّز نوازع الطائفية والعنف، أو نموذج ليبي أو يمني أو سوداني... يجعل الغلبة للميليشيات والقوى العسكرية والقبلية، التي تُقدِم صوراً لحالة سياسية أو ثقافية واجتماعية تسبق نشوء الحداثة، بأنظمتها وقوانينها ومؤسساتها وقيمها.

كيف لي أنْ أخسر دائماً ولا يدفعني ذلك لتغيير نفسي، والامتعاض منها، ونسف أسطورة أنني مبتلىً؟

وكما هو معروف، اعتدنا قبل نحو عقد ونصف -في ظل "قحط" النماذج وقصص النجاح المتكاملة والمغرية في منطقتنا في مجال الدولة والحكم والتنمية- أن نُكثر من استدعاء "النموذج التركي"؛ كمثال أكثر صلاحية من غيره في المنطقة لتقديم الدروس؛ فإذا بنا نُمنى بجرعة إحباط إضافية ونحن نكتشف عورات هذا النموذج ونقاط ضعفه، التي رسّخها قائد شعبوي سريع الهياج مثل الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان؛ إذْ أكّد بسلوكه السلطوي والإقصائي هشاشة التعويل على الإسلاميين لتحجيم حكم العسكر وإنتاج نموذج أكثر حرية وتقدّماً، وهشاشة التعويل عليهم في التعاطف مع المظلومين؛ من أقليات... أكراد وغيرهم.

وقبل نحو شهر، اندلعت في إيران احتجاجات شعبية مفاجئة وعفوية، أبرزت تمرد الهوامش الاجتماعية على المتن، والأطراف على المركز، وأبرزت تصاعداً في حراك نسوي ضد القيود المفروضة بإيران على حجاب وأزياء النساء في الأماكن العامة، إلاّ أن النظام تمكّن، كما كان متوقعاً، من قمع الاحتجاجات وإخمادها، فأظهر النظام الإسلامي في إيران مزيداً من الشواهد على "قوّة" تنحصر في القدرة على البطش في الداخل، والتخريب في الخارج الإقليمي.

حتى إسرائيل، التي كانت شائعةً المقارنةُ العربية معها: بجامعاتها، وصحافتها المستقلة، ونُخبها، وتفوقها العلمي والبحثي وتقدمها التكنولوجي، فقد باتت -مع عنصرية حُكم اليمين وغطرسته، وبشاعة الاحتلال والاستيطان، والدعم الأمريكي الأخرق- أضعف حجةً في تقديم نموذج جاذب.

قد يكون دعم قصص النجاح الفردي وتعزيزها وإشاعتها، من المداخل المتفائلة للإسهام ما أمكن في وقف الانحدار

استطراداً، نجد أن عراق ما بعد صدّام حسين لم يُقدّم دليلاً واحداً على أنّ زوال السلطة المستبدة في مجتمعاتنا كافٍ وحده لانتقال هذه المجتمعات من الاعتلال إلى الصحة. وحين لم نمتلك، أو نسعى لتأسيس، النموذج البديل عن حكم الفرد، وجدنا أنّ إيران، التي تغلغلت في عراق ما بعد صدام، زادت-بمليشياتها والقوى المحسوبة عليها- من ترسيخ تلك الأزمات وتعميقها، هي (إيران) التي لم تتعافَ من أزمات الهوية وأزمة بناء نموذج الأمة-الدولة، وأزمة بناء القوة بمفهومها الشامل (قوة ناعمة+قوة صلبة+ حريات+تنمية)... وفاقد الشيء لا يعطيه.

اليوم، نلحظ كيف أنّ مسار فشل وإفشال الانتفاضات العربية منذ سبع سنوات يقدّم مزيداً من الأدلة على أن الأزمة التي يواجهها العالم العربي لا يمكن اختصارها بـ"أزمة نظام"، برغم مركزية هذه المقولة في التشخيص والتحليل، بل إنها تتعدى ذلك إلى كونها أزمة الدولة العربية ذاتها، وأزمة مجتمعاتها، التي لا تدفعها "صورتها المتردية في العالم" لإجراء مراجعات مستحقة في نماذج بناء الدولة-الأمة، وفي تضاريس الهُوية، التي باتت بحاجة إلى جراحات جيولوجية، ربما؛ إذْ كيف لي أنْ أخسر دائماً ولا يدفعني ذلك لتغيير نفسي، والامتعاض منها، ونسف أسطورة أنني مبتلىً، أو أنني "على طريق الحق ولو قلّ سالكوه"، كما دأبت أدبيات "الإخوان" على التكرار!!

قصارى القول: قد يكون دعم قصص النجاح الفردي وتعزيزها وإشاعتها، من المداخل المتفائلة للإسهام ما أمكن في وقف الانحدار، وبدء سجال حقيقي عن صورتنا في العالم، أو تعديلِ "بِروازِها" حتّى، بتظهير صور الحالمين بالحرية والتنمية من أبناء وبنات هذه المنطقة، وقصص من يحاولون تقديم "فارقٍ إيجابيّ" في محيطهم... لعلّنا نُوْلعُ ذاتَ يومٍ ونفرحُ بكثرةِ نماذج النجاح و"السلوك الطبيعي" لمواطني هذه البقعة من العالم، لا بقصص المقهورين واللاجئين والمتطرفين والمستبدين... وهُمْ في صدارة صورتنا اليوم في العالم!!

اقرأ المزيد...

الوسوم: