في عيد الأم.. احذروا هدايا الإغريق

صورة أدونيس غزالة
كاتبة وشاعرة سورية مهتمة بشؤون الطفل
2896
عدد القراءات

2018-03-21

يتجدد السِجال كل عام بين مؤيد ومعارض ليوم عيد الأم، ولكلٍّ أسبابه؛ الدينية والدنيوية، وعلى الرغم من هذا السجال، فكلا الطرفين يتفقان على أنّ تكريم الأم واجب في كل لحظة، لما تعانيه من آلام الحمل والولادة والإرضاع، وسهرها على راحة طفلها، وتقديمه على ذاتها، وتفريطها بجميع متعها لإرضائه، ونسيانها لآمالها وطموحاتها كي يحيا ويسعد ويهنأ بالاً. المرأة الأم ضمن هذا الاتفاق هي أسطورة التفاني والتضحية، أو كما وصفها شكسبير "شمعة مقدسة تضيء ليل الحياة بتواضع ورقّة"، والسؤال هنا: هل غريزة الأمومة وراء كل هذه التضحيات؟ أم هناك ما هو أبعد من ذلك؟ أعتقد أنّ الدراسات النفسية والاجتماعية الحديثة قدّمت إضاءات مهمة خلال بحثها عن الإجابة.

مع تطور الاختبارات وتقدّم الدراسات العلمية تبيّن أنّ بعض الأمهات لا يملكن غريزة الأمومة، ولديهنّ مشاعر مختلفة تجاه فكرة الإنجاب والأمومة، فالاختصاصية في العلاج النفسي العائلي "إستير بو أنطون" تُعرّف الشعور بالأمومة أنّه "نتيجة عملية نفسية معقدة، ويتأثر بعوامل مختلفة نفسية واجتماعية وثقافية وتربوية، وبالرغم من أنّ الهرمونات الأنثوية تشجع الأم على الاهتمام بطفلها، إلا أنّها غير كافية لتحسين العلاقة بينهما" فإذا كانت المرأة تتمتع بالوعي وحرية الإرادة، فإنّ شعور الأمومة يكون نتيجة استعداد نفسي وعاطفي وذهني، وينبع من رغبة شخصية، وقرار بإعطاء الحياة لمولود جديد، وفي هذه الحال تكون الأمومة نابعة من إرادة، وليس من كونها غريزة فقط. 

بالرغم من أنّ الهرمونات الأنثوية تشجع الأم على الاهتمام بطفلها، إلا أنّها غير كافية لتحسين العلاقة بينهما

وفي دراسة تحليلية نفسية اجتماعية، يرى "مصطفى حجازي" في كتابه "التخلف الاجتماعي"، أنّ أسطورة الأم المتفانية ليست سوى نتاج امتلاك الرجل للمرأة، وسيطرته عليها وتبعيتها له، ليمارس عليها استلاباً عقائدياً يُلخّص سعادتها في استنزاف ذاتها تحت شعار العطاء، وأنها لا يمكن أن تحقق ذاتها وتصل غاية وجودها إلا من خلال الأدوار التي تُناط بها، كما أنّها عبء ما لم تصبح أمّاً، هذه الوظيفة التي تُضخَّم اجتماعياً، تختزل قيمة المرأة ومعنى وجودها، وتقوم باستلابها، وهذا الاستلاب لم تصل إليه تلقائياً، بل من خلال عملية تشريط مُنظَّمة ومستمرة تحيط بكيانها من كل جانب، تقوم بها الأسرة منذ طفولتها بتقسيمها للأدوار، وتحديد الوظائف، وما يعطى لكيان المرأة من دلالات سالبة أو موجبة، فبدل أن تعتز بذاتها وبإنجازاتها، تعتز بالإنجاب وبإنجازات طفلها، لتصبح العلاقة مع الطفل علاقة تعويضية تملكيّة، وذلك مردّه أنها حُرمت امتلاك نفسها وجسدها وكيانها.

ربما يمكنني القول بناءً على ما سبق: أنّ النموذج السادومازوخي هو أكثر ما يُعبّر عن حالة الأم  في مجتمعاتنا؛ فالأم من جهة تحاول تعويض ما سُلب منها من قبل الرجل، بفرض سيطرتها وسلطتها على الطفل، ومن جهة أخرى رغم شكواها وتذمرها فهي تستمتع بدور الضحية والمضحيّة والمظلومة والمحرومة. هذا المأزق مردّه إلى نجاح المجتمع الذكوري عبر التاريخ في سلخ حواء عن ليليت، وليليت عن حواء، ليشكّل بالمجمل التصور العام الذي يتمسك بصورة حواء التابعة، ويُقصي صورة ليليت المتمردة.

ليليت المتمردة ذُكرت في الحضارة السومرية والإغريقية واليونانية والمصرية، أمّا بالنسبة للديانات السماوية فقد ذُكرت  في التوراة (سفر التكوين) هي نظيرة آدم، خلقها الله كما خلق آدم من التراب، ورفضت الخضوع له؛ لأنها ترى أنهما متساويان. أما المسيحية فقد أنكرت وجودها، ولم يرد لها ذكرٌ في القرآن.

إذا كانت المرأة تتمتع بالوعي وحرية الإرادة، فإنّ شعور الأمومة يكون نتيجة استعداد نفسي وعاطفي وذهني

ليليت، وفق الأسطورة، اتخذت موقفاً رافضاً من عدم مساواتها برفيقها الذكر، وشكّلت في العصر الحديث رمزاً  للشجاعة والجرأة والتمرد، والنضال من أجل المساواة.

إنّ التاريخ حتى الآن ما يزال تاريخ الرجل، وهذا ما يفسّر استبعاده وإقصاءه لليليت. هذه المرأة بحسب تعبير "حنا عبود": "التي لم تهن ولم تفتر ولم تساوم، ظلّت تطالب بنظام المساواة والحق والحرية، وما طرحته من شعارات، راحت البشرية طيلة تاريخها حتى هذه الساعة تحاول تحقيقه".

النتيجة المؤلمة أنّ المرأة الأم هي ضحية تصورات مثالية، تغذّيها أيديولوجيا عُنفيّة تسجن المرأة داخلها، وتوهمها أنّ هذه التصورات من طبيعتها، فالشمعة التي تضيء هي نفسها التي تذوب وتتلاشى، والسؤال: ما هو النتاج التربوي لهذه الأم؟ كيف ستنشئ طفلها على الحب إذا قدّمته على ذاتها؟ كيف ستربّي طفلاً طموحاً مَن تخلّت هي نفسها عن طموحاتها؟ كيف ستشيع في داخله السعادة وهي من أدارت ظهرها لسعادتها؟ وما الذي سيكونه هذا الطفل في المستقبل إذا تمّت تربيته على الأخذ لا العطاء، وأنّ ما يأخذه ليس حقاً له وإنما منّة عليه؟ لا يسعني هنا إلّا أن أستحضر "حصان طروادة"، والصرخة المدوّية التي تبعته "احذروا هدايا الإغريق"، فهذه المنّة هي حصان طروادة، تحمل في داخلها التذمر والشكوى والابتزاز العاطفي والتّمنين (تعبت سهرت ربّيت شقيت ضحّيت حرمت حالي). هل يمكن أن نمتنّ لآخر يعتبر وجودنا سبباً لمعاناته وشقائه، وعبئاً يتم تحمّله؟ بدل الامتنان سيواجه الطفل عقداً نفسية ترافقه في مسيرته، وتؤثّر على نموّه النفسي والاجتماعي، وقد يكون أبرزها عقدة الذنب، وبمجرد تسليط الضوء على الأغنية الموجهة للأم وخاصةً العربية، لن نجد في الكلمة واللحن سوى تكريس وتأكيد لعقدة الذنب هذه، فالدموع التي تنهمر عند سماعها تشير إشارة واضحة على ذلك.

المرأة الأم هي ضحية تصورات مثالية تغذّيها أيديولوجيا عُنفيّة تسجن المرأة داخلها وتوهمها أنّ هذه التصورات من طبيعتها

مَنْ كانوا صغاراً سيكبرون، وسنجد فيهم المتذمر والشاكي والمتملق والانتهازي والكاذب والسارق والسّادي والمازوخي والمجرم والمتعصب والمتطرف والقائمة تطول، كل هؤلاء الأفراد لم يأتوا من العدم، هناك أمّ وأب وراء وجودهم. فللأمهات اللواتي أعدن ليليت إلى حواء ليخلقن توازناً بين ما يُقدّمنه لذواتهن وما يُقدّمنه للآخر، وللآباء الذين أدركوا أنه لا يمكن السّير قُدُماً وبخطى متساوية بدون صديقات الدرب، للأمهات اللواتي وَعين، والآباء الذين وَعوا لماذا ننجب وكيف نُربّي، كل عام وأنتنّ وأنتم يداً بيد تخلقون الحياة.

 

اقرأ المزيد...

الوسوم: