عصر الذكاء الاصطناعي... هل تموت روح الابتكار ويصادر خيال الإنسان؟

عصر الذكاء الاصطناعي... هل تموت روح الابتكار ويصادر خيال الإنسان؟

عصر الذكاء الاصطناعي... هل تموت روح الابتكار ويصادر خيال الإنسان؟


27/01/2026

يبدو أننا أمام تحدٍّ عظيم اسمه الذكاء الاصطناعي؛ هذا الساحر الذي خاض، ويخوض، وسيخوض، كل مجالات الحياة. لم يترك مجالًا إنسانيًا أو لا إنسانيًا إلا وترك بصمته عليه.

يستقبل هذا الساحر الأعجوبة كل يوم ملايين الرسائل: عن الزراعة، والصناعة، والتعليم، والطب، والهندسة…، حتى ربّات البيوت يلجأن إليه لوصفات الطبخ، ونصائح العناية بالبشرة والشَّعر، وتربية الأطفال، بل حتى الكتاكيت! وتلجأ إليه الفتيات والفتيان لتحليل نوع الشركاء الذين يتعاملون معهم. 

لقد بدأ الذكاء الاصطناعي يحتل مكانه حتى في العلاقات الإنسانية؛ استبدله بعض الناس بالبشر فعلًا، وصار بالنسبة إليهم "أفضل وأخلص" صديق، وصاروا يحكّمونه في علاقاتهم، فأصبح هو "القاضي العادل" في الفصل بين الناس.

آخرون لجؤوا إليه كطبيب نفسي؛ فهو مجاني، متاح طوال الوقت، داعم، ومحفّز، و"حنون".

ويلجأ إليه الطلاب لحل الواجبات، ويلجأ إليه الباحثون لكتابة بحوثهم، فأصبح للذكاء الاصطناعي يد في كل شيء تقريبًا.

الأثر السلبي

هنا لنا وقفة مع هذا العملاق الذي يستطيع أن يختصر ساعات من العمل، ويحلّل البيانات، ويتنبّأ ـ اعتمادًا على المعطيات ـ بالنتائج والاحتمالات. كل هذا عظيم بلا شك، لكنّ الخطورة تكمن فيما قد يتهدّد بعض البشر من فقدان وظائفهم نتيجة قيام هذا الساحر بكل تلك المهام بشكل أسرع وأدق أحيانًا، وفوق ذلك هو مجّاني. رغم ما يُقال ويتردّد عن أنّ الذكاء الاصطناعي الذي نبوح له بأسرارنا قد يتجسّس علينا، أو يستخدم معلوماتنا، أو يبلغ عنّا الشرطة، بل ربما يشهد علينا في المحاكم، وربما يسهم مستقبلًا في إحداث فجوة في العلاقات الإنسانية، نظرًا لاستبدال بعض الناس له عاطفيًا ومشاعريًا بعلاقات إنسانية حية.

عندما ظهر التلفاز هذا الصندوق الإعجوبي تغير تفكير العالم. فالوثائق المسربة من وكالة المخابرات الأمريكية (CIA) كشفت عن أنّ التلفاز وسيلة لإحداث تغييرات فكرية واجتماعية عميقة، بل حتى التأثير على الرأي العام العالمي، والاستقطاب الأحادي لملايين البشر الذين يتبعون المواد الإعلامية المرسلة من عقل مُدير. وعندما ظهر الإنترنت، ومن بعده وسائل التواصل الاجتماعي، التي رأينا كيف حولت المجتمعات الحديثة إلى قبائلية تكنولوجية عملاقة، كل فريق يوجه أدواته التكنولوجية لتزييف وسرد الرواية وفق ما يتراءى له، لقد رأينا تاريخًا كاملًا يُحذف أو يزييف أو يقال لملايين العيون التي رأت هذه مجرد هلوسات، وتحلّ محله سرديات الأخ الأكبر والقوى العظمى وما يريد من بيده الأزرار. ولعل الإعلانات الموجهة التي تظهر لنا بمجرد أن نبوح في جلساتنا العائلية والخاصة عن رغبتنا في شراء شيء أو البحث عن غرض أو حتى الحديث عن وجبة طعام، فنجد من كل التطبيقات المشتركين فيها هجمة من الإعلانات التسويقية لهذه السلعة وذاك الغرض، والحقيقة أننا السلعة. وبخصوص هذه الانتهاكات أتذكّر قول أحد التكنولوجيين: "إنّ الخطورة هي استمرار البشر في الإدمان رغم كل هذه الإفصاحات عن جدية وخطورة ما يمر به العالم الآن".

إنّ أوضح دليل على خطورة ما نحن بصدده من استعمار الآلة لعالم اليوم هو قرار استقلال الصين بتطبيقاتها وأدواتها. ورغم أنّ هذا لا يعني أنّ المواطن الصيني في مأمن من الاستقطاب والتسليع كفكرة معاصرة، لكن هو اعتراف ضمني بأنّ هذه التطبيقات نوع من الهيمنة الجديدة على العالم.

ضرورة اليقظة

ليس في هذا الطرح دعوة للعودة إلى الخلف، فهذه الدعوة ستكون مضحكة الآن، لأنّه لا أحد سيتوقف عن استخدام منتجات الشركات الكبرى، بمن فيهم كاتبة هذا المقال، وإنّما هي دعوة إلى اليقظة للحدود التي يجب أن تكون عليها علاقتنا بالآلة، السماح لها بأن تكون مُعينًا ومساعدًا، لا أن تحلّ وجودنا الإنساني وتتخذ نيابة عنا أدقّ ما يخصنا، هي دعوة لتسييج حياتنا الخاصة بعيدًا عن العيون العملاقة التي تترصدنا حتى في أسرتنا، بل نذهب إليها مرغمين نحكي لها عن أعمق أسرارنا وأدق تفاصيل حياتنا. 

لقد واجهت المستحدثات التكنولوجية مقاومة بشرية على مر الزمان، فمع كل محطة تطور جديدة كان هناك بشر يرون في كل جديد شرًا متخفيًا, فقد انتشر في القرن الخامس عشر مع ظهور الطباعة أنّها تسهم في إفساد ونشر الهرطقة وتضعف الذاكرة البشرية، ومع اختراع القطارات اتهموها بأنّها مفسدة للجسم، لأنّ الجسد البشري له حد معين لتحمل السرعة، وأنّ هذا خرق لناموس الله، والكاميرا رأوا فيها آلات تسرق الروح وتعمل بالسحر، والهاتف كان صوت الشيطان ووسيلة تجسس، وقيل عن الكهرباء إنّها قوة غير طبيعية وغير بشرية، ويدخل في عملها الشيطان، وطال اختراع الإنترنت الكثير من الاتهامات. هذه عادة البشرية مع كل إعجاز يقدمه العلم. ولا أحسب أنّ هذا المقال ينتمي إلى صنف هذه المقاومات البشرية للجديد، أو يمثل فعلًا مقاومًا للزمن وحركة التاريخ والتطور، لكنّه تأمل عميق حول كل ما استطاعت يد الذكاء الاصطناعي أن تمتد إليه، فكل إنجازات الإنسان الماضية لم تحلّ محله وتفعل نيابة عن روحه، وكل إنجازات الماضي كانت مُعينات للإنسان، وأخشى أن نكون أمام عصر جديد ماقبل الـ Al وما بعده، يتم على أساسه تصنيفات أخرى.

لقد شاهدت وقرأت الكثير عمّا يمكن أن يفعله الذكاء الاصطناعي، لكن لم يزعجني شيء بقدر ما أزعجني قول أحدهم: "سنرى في معرض الكتاب أغلفة ومحتوى تمّ تصميمه بالذكاء الاصطناعي". وبمزيد من البحث وجدت أنّ هناك أدوات ذكاء اصطناعي أخرى تساعد على تزييف النصوص ذات المحتوى الاصطناعي وتجعلها بلمسة إنسانية يصعب كشفها. شعرت وقتها بأنّ هذا الفضولي دخل مملكة الإنسان، الإبداع عملية إنسانية بحتة، هو تجربة تحدث من داخل الرحم البشري، ولا معنى إطلاقّا لنصوص أدبية مكتوبة من خلال الذكاء الاصطناعي. أنا حين أقرأ للأخوات برونتي يستحضر خيالي إنجلترا في تلك الحقبة حركة الناس في شوارع هاورث المنحدرة، والمروج الخضراء التي كانت تراها إملي برونتي من خلال النافذة بعد أن ترفع عينيها من على طاولة الكتابة، اضطراب شارلوت وهروب أفكارها من حركة بناويل الغريبة بعد أن عبث به السُكر. الكتابة والقراءة عملية تفاعل إنساني مشترك، يُستقبل الأدب من روح إنسانية، لها خلفيتها الإنسانية وطريقتها في حبك مشاهد الحياة، روح من لحم ودم تُكثف حرارة الإنسانية في عمل إبداعي تهديه لأرواح إنسانية أخرى.

عصور من الإبداع في مواجهة التكنولوجيا

حين أقرأ في الشعر الأموي والعباسي فأنا أستحضر عصرًا بأكمله أستضيفه في غرفتي، أرى بنيان القصور وحركة الأسواق وغنج الجواري ومرح الصبية، فكيف أفعل هذا مع نص يأتي من ذكاء اصطناعي؟

كيف أردد قصيدة أمل دنقل بكل حماسة "سقطت ذراعي يا أخي فالتقطها... واضرب أعداءك بي" إذا كانت مكتوبة بوساطة آلة؟ إنّ الإبداع يأخذ أصالته وفرادته من حيث كونه ابنًا للتجربة الانسانية.

أتساءل لو أنّ "ألف ليلة وليلة" أو "دون كيشوت" كانت نصوصًا أنتجها الذكاء الاصطناعي، هل كان الإنسان سيحتفي بها بهذا القدر؟

لو أنّه قيل لنا مثلًا إنّ هناك علماء اكتشفوا في أحد كهوف الصين التي لم تطرق منذ ألوف السنين رسمًا بدائيًا ساذجًا لإنسان ما قبل التاريخ، وفي الوقت نفسه أُعلن عن عمل فني ضخم ومحترف بوساطة الذكاء الاصطناعي. ما العمل الذي ستكون فيه حرارة الإنسانية وتاريخها؟ 

بأيّ أذن أستمع لمقطوعة موسيقية مصنعة أو استمع لصوت أم كلثوم يُعاد إحياؤه؟ هل يعرف الذكاء الاصطناعي أنّه في كل مرة تغني فيها أم كلثوم الأغنية نفسها لا تكون هي كل مرة بل كل مقطع تعيد ترديده لا يشبه سابقه، وأنّ صوت أم كلثوم الإنساني يُسبغ على كل أداء الحليات التي تناسبه؟

 قد يقول البعض إنّ الذكاء الاصطناعي هو جزء من العقل الإنساني ومن تاريخ الإنسانية لأنّه إحدى مُنجزاتها، وإنّ إبداعه يدخل ضمن الفعل الإنساني، وهذا غير صحيح. فإن كنا لا نستطيع أن ننكر أنّ الذكاء الاصطناعي هو مرحلة من التقدم الإنساني، يقدم للبشرية خدمات وتسهيلات في مختلف مجالات الحياة، لكن يظل الذكاء الاصطناعي آلة بلا روح وبلا مشاعر، بلا ألم وبلا حزن، تم تخزينه بمعلومات هائلة عن المشاعر الإنسانية، ففهم ماهيتها لكنّه لم يحسها، والأصل في الإبداع هو الإحساس. ويظل محاكاة الوجود الإنساني وتمثل حالاته أمرًا، ويظل الجوهر الإنساني أمرًا آخر.

أخشى أن يأتي يوم يكون هناك على غرار الطعام العضوي واللا-عضوي، أدب إنساني وأدب لا إنساني، وأدب خليط بينهما، وأن يكون لكلٍّ سوقه وزبائنه. أتصور  يومًا ما في معارض الكتب أن نجد نوعين من الكتب، أحدهما بشري والآخر اصطناعي، وهناك اصطناعي أعلى جودة لمن يريدون أعمالًا بنكهة نجيب محفوظ أو المتنبي أو شكسبير. لا أصدق أنّ هذا يمكن أن يحدث، وأنّه يمكن للبشر أن يستبدلوا المتنبي الإنساني التاريخي بوجوده الحي بلحمه وشحمه وعظمه وكبريائه المنسوج في قصائده وأن يقرؤوا "متنبّي الآلة".

ومع ذلك لا أستطيع أن أغلق هذا التأمل دون ملاحظة فلسفية مفتوحة، وهي أنّ هناك من قرؤوا نصوصًا أدبية آليّة، ووصفوها بأنّها لم تكن سيئة، وأنّ هناك فئة تقبل الإبداع الآلي ويرضي ذائقتها، ونكون بذلك قد وصلنا إلى أنّ المشكلة ليست في الذكاء الاصطناعي بقدر ما هي في البشر الذين يقبلون بالقليل من الروح.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية