رواية "حلم": الرغبات السرية المدفونة في المخيلة

رواية "حلم": الرغبات السرية المدفونة في المخيلة

مشاهدة

18/07/2020

ما الفرق بين خيانة من نحبّه في الخيال، أو خيانته في الحقيقة؟ قد يكون هذا السؤال ناتجاً عن تأملات كثيرة، ربما يخرج بها القارئ عند قراءته رواية نوفيلا "حلم"، للكاتب النمساوي أرتور شنيتسلر، والتي صدرت نسختها العربية مطلع هذا العام، عن دار الكرمة للنشر – القاهرة، ترجمة سمير جريس، بينما يعود صدور الرواية في لغتها الأصلية إلى عام 1925.

تلعب فكرة القناع الذي يرتديه الشخص في الحفلات التنكرية، أو في الطقوس السرية، دوراً أساسياً ومهماً في سياق الرواية، فالقناع يخفي الوجه، لكن لا يخفي الرغبة

تدور نوفيلا "حلم" حول الأثر الذي يُحدثه اعتراف "ألبرتينه" لزوجها الطبيب "فريدولين" بخيانة زوجية كانت على وشك أن تحدث، إلا أنّها حدثت بالفعل في خيالها.

ففي جلسة مصارحة جمعتهما، قررا أن يبوحا لبعضهما بصدق إن كان أحدهما فكّر في خيانة الآخر، أو خانه بالفعل، أو فكّر في إحدى المرات باقتراف نزوة جنسية عابرة، لتحكي ألبرتينه لزوجها فريدولين عن شابٍ كان موجوداً في المكان نفسه الذي كانا يقضيان فيه إجازة الصيف، العام الماضي، في الدنمارك.

اعترفت ألبرتينه بأنّ عواطفها تحركت نحو الشاب منذ التقت نظراتهما: "رقدت على الشاطئ طوال النهار ضائعة في أحلامي، إذا دعاني (هكذا ظننتُ) فلن أستطيع صدّه، خِلت أنني مستعدة لكلّ شيء؛ أن أضحي بك، وبطفلتي ومستقبلي ..".

غلاف الرواية

ورغم أنّ فريدولين يعترف بدوره بأنّه انجذب هو أيضاً لفتاة شقراء كان تسكن بجوارهما في إجازة الصيف، إلا أنّه صُدم باعتراف زوجته، وشعر برغبته بالانتقام منها.

في نوفيلا "حلم" يركّز أرتور شنيتسلر اهتمامه حول الرغبات التي تتراكم داخل الإنسان، تلك التي لا يستطيع أن يجاهر بها بشكل علني، لأنّها تتجاوز المنظومة الأخلاقية التي رسمت للعلاقات الاجتماعية بين البشر، كما تكشف التناقضات الموجودة دائماً بين فكرة "الحب" و"الرغبة الجنسية".

اقرأ أيضاً: رواية "حصن الزيدي": عودة الإمامة برداء جمهوري!

هذه النزوة المتخيلة للزوجة، تُدخل فريدولين في صراعٍ داخلي مع نفسه، بين أن يستسلم لمغامرات عاطفية بداعي الانتقام من زوجته من جهة، والخوف من خوضها لنهايتها من جهة أخرى.

يضع الكاتب، ضمن تسلسل الأحداث، شخصية عابرة، موازية لشخصية الزوجة "ألبرتينه"؛ وهي شخصية الشابة "ماريانه"، ابنة مستشار القصر الملكي الذي كان يشرف على علاجه فريدولين ويموت إثر نوبة قلبية.

اقرأ أيضاً: رواية "الإصبع السادسة".. الهروب إلى التاريخ لفهم الحاضر

"ماريانه" تكون مخطوبة لأستاذ الجامعي، الدكتور "روديجر"، الذي سيتزوجها قريباً، لكنها في المقابل منجذبة لفريدولين، طبيب والدها، وعند زيارة فريدولين لوالدها لمتابعة علاجه، ومن ثم اكتشافه أنّه توفّي قبل أن يصل إليه، وفي خضم حزن "ماريانه" على موت والدها، وقرار خطيبها بأن ينتقلا للعيش في مكان آخر، تعترف بشكل غير مباشر بحبها لفريدولين "بحركة واحدة كانت قد انزلقت من الكرسي المبطن، ووقعت أمام قدميه، ثم التفت ذراعاها حول ركبتيه، وضغطت بوجهها عليهما، عندئذٍ تطلعت إليه بعينين واسعتين يُطلّ منهما حزن متوحش، وهمست بحرارة: لاأريد أن أبتعد عن هنا، حتى إذا لم تعُد يوماً، وحتى إذا لم أركَ هنا قَطّ بعد اليوم، أريد أن أعيش بجوارك".

 أرتور شنيتسلر

في لقطة أخرى، وأثناء حضور الخطيب "روديجر"، ستنتهز "ماريانه" فرصة أخرى للتعبير عن حبّها لفريدولين: "دقّ جرس الباب مرة أخرى، نهض دكتور "روديجر" وذهب ليفتح، في تلك الأثناء أسرَّت إليه "ماريانه"، بصوت لا يكاد يُسمع، ناظرة إلى الأرض: أحبك".

إذاً، فكرة وجود أشخاص آخرين نرغب بهم ويحتلون الجزء الغامض من خيالنا؛ هذا الجزء الذي نعترف، أو لا نعترف، به أمام الشخص الذي نحبّه، أو من ارتبطنا به، موجودة دائماً بداخلنا؛ فبينما "ماريانه" تستعد للزواج من "روديجر"، لا ترغب بمغادرة المكان الذي يعيش فيه فريدولين.

رواية "حلم" حوّلت إلى فيلم سينمائي، تحت عنوان "عيون مغلقة على اتساعها"، عام 1999، من إخراج المخرج الأمريكي ستانلي كوبريك، ومن بطولة توم كروز ونيكول كيدمان

فريدولين، الشخص المشتهى، الذي يحرك رغباتها وعواطفها في مخيلتها، مثل الشاب الذي حرك عواطف ورغبات ألبرتينه، زوجة فريدولين، في حين لا ينجذب فريدولين كثيراً لـ "ماريانه" ويصدّها دائماً، إلا أنّه يستمر بالبحث عن مغامرات أخرى.

تلعب فكرة القناع الذي يرتديه الشخص في الحفلات التنكرية، أو في الطقوس السرية، دوراً أساسياً ومهماً في سياق نوفيلا "حلم"؛ القناع الذي يخفي الوجه، هوية الشخص، لكنّه لا يخفي جسده، أو رغباته.

اقرأ أيضاً: هكذا قاربت رواية "طرق الرب" طُرق البيروقراطية المقدسة

قناعٌ يسمح للعين أن تحدّق بِحريةٍ تامّة من خلف ظلاله، وتتأمل الأجساد التي تثيرها أو ترغب بها، دون أيّة قيود؛ لذلك تبدأ النوفيلا بـ "حفلة أقنعة" احتفالاً بالعام الجديد، والتي يتواجد فيها شخص يحاول التقرب من "ألبرتينه"، لكنّها تصدّه بدورها، رغم أنّه راق لها للوهلة الأولى، وهذا الموقف يكون الدافع الرئيس لجلسة المصارحة مع زوجها فريدولين.

رواية "حلم" حوّلت إلى فيلم سينمائي، تحت عنوان "عيون مغلقة على اتساعها"، صدر عام 1999

فريدولين؛ طبيب متزوج ولديه طفلة، ينتمي لطبقة وسطى عليا في المجتمع النمساوي، لها عاداتها وتقاليدها، والتي ربما نستنتج، من خلال قراءتنا، أنّ لديها نزعة محافظة، يقوده صراعه الداخلي وغضبه من "خيال" زوجته واعترافها بالمشاعر التي انتبابتها نحو ذلك الشاب في الدنمارك، إلى اقتحام حفلٍ له طقوس خاصة، لمجموعة من الناس، ربما يعتنقون ديناً خاصاً، يقيمون حفلاً سرياً، ومن يدخله يجب عليه معرفة كلمة السرّ، والتي يستطيع فريدولين معرفتها من صديقه عازف البيانو، بعد أن يحكي له الأخير عن هذه الطقوس الغريبة، ويحضر هذا العازف الحفل بصفته عازف بيانو فقط، ولا يسمح له بالعزف إلا معصوب العينين.

اقرأ أيضاً: شعرية الأعماق في رواية "بأي ذنب رحلت؟" للكاتب محمد المعزوز

لكنّ المفاجأة تكمن حين يدخل فريدولين ذلك البيت القديم الذي قام به هذه الحفل السري، ويكون أحد طقوس الحفلة تعرية النساء لأجسادهنّ دون خلع الأقنعة عن وجههن "وقفت النساء هناك بلا حراك، وكلّ واحدة منهن تضع وشاحاً داكناً على الرأس والجبهة والرقبة، ودانتيلا سوداء فوق القناع على الوجه، وعدا ذلك كنّ عاريات تماماً، تاهت عينا " فريدولين" الجائعتان بين الكائنات الممتلئة والرشيقة، الرقيقة واللحيمة الفخيمة، ظلّت كلّ واحدة من أولئك العاريات مع ذلك سرّاً، ومن الأقنعة السوداء لمعت عيون واسعة في اتجاهه، كلغز لا يمكن حلّه، كلّ هذا جعل اللذة العظيمة للمشاهدة عذاباً يكاد لا يُحتمل، عذاب الرغبة".

هل علينا حين نقرر إطلاق العنان لرغباتنا ونزواتنا ارتداء قناعٍ يخفي وجهنا، أم إنّ وجهنا هو في حدّ ذاته قناع لتلك الرغبات؟

في لحظة ما يتمنى فريدولين أن يسافر، ويغادر إلى مكان ما، يكون بعيداً عن أعين كلّ من يعرفونه؛ "راح يتذكر بعض الحالات المرضية الغريبة التي يعرفها من قراءاته في علم النفس، ما يطلق عليها "الحياة المزودجة"؛ إذ يختفي إنسان فجأة من حياة منظمة ومرتبة، ويفقَد الاتصال به، ثم يرجع بعد شهور أو أعوام، ولا يعود هو نفسه يتذكر أين قضى هذا الوقت، ثم يتعرف إليه شخص ما قابله في مكان ما، في بلد غريب، ولا يعلم العائد إلى بلده شيئاً عن هذا اللقاء".

اقرأ أيضاً: هل انتهى زمن الرواية؟

يذكر أنّ رواية "حلم" حوّلت إلى فيلم سينمائي، تحت عنوان "عيون مغلقة على اتساعها"، صدر عام 1999، من إخراج المخرج الأمريكي ستانلي كوبريك، ومن بطولة توم كروز ونيكول كيدمان.

 ودخل الفيلم موسوعة "غينيس"، بوصفه قد استغرق أطول مدة تصوير؛ إذ كانت مدة تصوير الفيلم 400 يوم.

الصفحة الرئيسية