دونالد ترامب.. قصة طويلة من كراهية ذوي البشرة السمراء

دونالد ترامب.. قصة طويلة من كراهية ذوي البشرة السمراء

مشاهدة

15/06/2020

ترجمة: علي نوار


يحفل تاريخ العنصرية بقدر هائل من الكراهية وأشكال التمييز المتنوعة، ويستند بالأساس إلى الجهل الناتج عن غياب التعليم والخوف من الآخر المختلف، ويُعدّ الخوف هو الشعور الأسهل استغلالاً والتلاعب به وتوجيهه في عالم السياسة؛ حيث يكون منبع الخوف هو احتمال فقدان مكانة اقتصادية أو مرتبة اجتماعية، ومن هنا يمكن فهم النجاح الكبير الذي حقّقته عبارات مثل: "فلنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى".

اقرأ أيضاً: تاريخ العنصرية في أمريكا: لماذا يتعذر إغلاق هذا الملف؟

وتوجد العنصرية في كلّ مكان، إلّا أنّها تفجّرت في الولايات المتحدة خلال الاحتجاجات التي شهدها عام 1968، على خلفية حركة الحقوق المدنية، واعتقد كثيرون أنّه مع وصول الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما، إلى البيت الأبيض، سيُطوى فصل في قصة العنصرية، لكن على العكس تماماً من ذلك؛ فقد زادت الكراهية من جانب العنصريين.
المسيرة العنصرية للرئيس
أما المسيرة السياسية للرئيس الحالي، دونالد ترامب؛ فهي مليئة في الواقع بالعبارات التي تنمّ عن عنصرية، وربما كثيراً ما نتفوّه في لحظات ما بكلمات لا تعكس حقيقة ما نؤمن به، لذا نلجأ إلى توضيحها ونعتذر ونتجاوز الأمر، لكن حين تكون هناك قصة تتكرّر؛ فإنّ الأمر في هذه الحالة يتعلّق بنمط سلوكي وشخصية، تقول لنا بوضوح حينما يكون الشخص عنصرياً ببساطة.

المسيرة السياسية للرئيس الحالي دونالد ترامب مليئة في الواقع بالعبارات التي تنمّ عن عنصرية

عام 1989؛ تعرّضت امرأة بيضاء البشرة للاغتصاب الجنسي، بينما كانت تمارس رياضة الركض في سنترال بارك بمنطقة مانهاتن في مدينة نيويورك، وانتهت الواقعة بإيداعها المستشفى، لاحقاً أُلقي القبض على أربعة أشخاص من ذوي البشرة السمراء، وآخر لاتيني، وتحت وطأة الضغط، وفي ظلّ عدم حضور محام، اعترف أربعة منهم بارتكاب الجريمة، مقابل الحصول على حكم مُخفّف، بينما أُدين الباقون.

ينبغي على الشرطة التصرّف بحكمة واحترافية، مثلما حدث في بعض دول أمريكا اللاتينية مؤخراً، ومن بينها تشيلي والإكوادور

ما كانت هذه إلا حيلة قانونية للتخلّص من قضية كانت تحظى باهتمام الرأي العام، وعرفت هذه الواقعة باسم (سنترال بارك 5)، وطالب رجل الأعمال وقطب مجال العقارات وقتها، دونالد ترامب، بتوقيع عقوبة الإعدام بحقّ المتّهمين؛ بل وأنفق مبالغ مالية طائلة على إعلانات تدعو لذلك.

إلا أنّ ما تبيّن فيما بعد هو أنّ فحوصات الحمض النووي الوراثي (دي إن إيه) لم تكن تتطابق مع أيّ من المتهمين، وبعدها بأعوام اتّضح أنّ شخصاً آخر، كان مسجوناً بالفعل، هو مرتكب هذه الفعلة، وأثبتت اختبارات (دي إن إيه) جديدة أنّه كان يقول الحقيقة.
لكنّ دونالد ترامب لم يتقدّم قطّ باعتذار لهؤلاء الأبرياء الخمسة، بل على النقيض من ذلك؛ استمرّ وما يزال مستمراً، في الادّعاء بأنّهم مذنبون.
ترامب يتهم باراك أوباما
تتعاقب الأعوام ويوجّه دونالد ترامب اتّهاماً لباراك أوباما، الذي ينحدر من أصول أفريقية أيضاً؛ بأنّه ليس من مواليد الولايات المتحدة، في إشارة جديدة وواضحة للغاية تعبّر عن عنصريته ومعاداته للأجانب، ثم تفوّه الرئيس الأمريكي الحالي بعبارته المشينة الخالدة في الأذهان: "إنّهم يجلبون المخدرات، يجلبون الجريمة، إنّهم مغتصبون..."، وكان يقصد المكسيكيين.

باراك أوباما ودونالد ترامب

وعلى هذا الأساس بالتحديد بنى ترامب حملته الانتخابية خلال انتخابات الرئاسة، عام 2016؛ عندما أكّد "سأبني جداراً حدودياً، ويتعيّن على المكسيك سداد تكلفته"، والحقيقة أنّ هذا الجدار يجري إنشاؤه بالفعل، لكن من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين.

تظهر الحاجة إلى زعيم سياسي يسعى نحو تهدئة الأجواء ويعلن اتخاذ سياسات دولة من شأنها تضييق هوة انعدام المساواة

وعام 2017، تحديداً في مدينة شارلوتسفيل بولاية فرجينيا، اقتحم مجرم عنصري بسيارته مسيرة سلمية مناهضة للعنصرية، ودهس هذا القاتل امرأة وأزهق روحها، وأحدث إصابات فيما يقرب من 200 متظاهر آخرين، كان الضحايا يطالبون بإزالة تمثال يرمز لجيش الكونفيدرالية خلال الحرب الأهلية الأمريكية، لا سيما أنّ الولايات الكونفيدرالية الأمريكية كانت تؤيّد استرقاق السود في الولايات المتحدة، وإزاء الأحداث؛ أطلق ترامب عبارة أخرى مثيرة للجدل بقوله: "هناك أشخاص صالحون في الجانبين".

وفي 25 أيار (مايو) الماضي، ألقى شرطي مدعوم بثلاثة من زملائه القبض على جورج فلويد، في مينيابوليس بولاية مينسوتا، واستخدم هذا الشرطي إجراء كان ذائعاً بشدة خلال فترة الاحتجاجات من أجل الحقوق المدنية في الولايات المتحدة، وبالطبع يحظَر هذا الإجراء منذ وقت طويل.
جريمة تحت الأبصار
وضع الشرطي ركبته فوق عنق الرجل لمدة ثماني دقائق و46 ثانية، كلّ ذلك تحت أبصار رجال الشرطة الثلاثة الآخرين، الذين كانوا يتابعون المشهد دون أن يتدخّلوا لإيقاف ما يحدث، وتمّ إعلان وفاة فلويد بعدها بقليل في المستشفى، وهناك بالفعل مقاطع فيديو عديدة سجّلت الواقعة بالكامل، والتي تكرّرت فيها عبارة جورج فلويد "لا أستطيع التنفّس".

اقرأ أيضاً: "احتجاجات فلويد" تصل أوروبا.. هل نشهد نهاية العنصرية في العالم؟
لقد أثارت هذه الوفاة والصور والعبارة المؤلمة موجة عارمة من الاحتجاجات التي بدأت في مينيابوليس، قبل أن تمتد سريعاً إلى جميع أرجاء الولايات المتحدة.
وفي أوقات كهذه، تظهر الحاجة إلى زعيم سياسي يسعى نحو تهدئة الأجواء ويعلن اتخاذ سياسات دولة من شأنها تضييق هوة انعدام المساواة شديد الاتساع، وكذلك الفقر الذي تعاني منه أقلّيات كثيرة في الولايات المتحدة، وبهذه الطريقة فقط يعود الهدوء والسلم.

على النقيض من ذلك تماماً؛ تصرّف دونالد ترامب، الذي نشر في منتصف ليلة الواقعة تغريدة يمجّد فيها العنف، وبدلاً من تخفيف التوتّر عمد إلى تهديد المتظاهرين، عبر استخدام العبارة القديمة نفسها، التي لطالما كانت ترمز للعنصرية خلال تظاهرات حقبة الستينيات، والتي ذاعت شهرتها بعد أن حاول أحد رجال الشرطة في مدينة ميامي تخويف المحتجّين بها قائلاً: "سيكون الردّ بالرصاص!".
ماذا قال ترامب للصحفية ذات الملامح الآسيوية؟
حادث آخر وقع قبل أسابيع معدودة، وفي خضمّ الهلع الناجم عن جائحة فيروس كورونا المستجد؛ فقد بعث ترامب خلال مؤتمر صحفي كان قد عقده في البيت الأبيض رسالة غير مباشرة إلى مراسلة صحفية، ذات ملامح آسيوية، بعد أن سألته عن الجائحة، إذ كانت إجابة الرئيس الأمريكي: "لا تسألينني أنا.. اذهبي واسألي الصين عن ذلك، حسناً؟".

 

 

على أنّ الأمر لم يقف عند هذا الحدّ، فقد طالبت الصحفية ترامب بإيضاح مغزى ما يقول، لكنّه أنهى المؤتمر الصحفي برمّته بشكل فجائي، وربما لم يصرّح ترامب بأنّه وجّه لها هذه العبارة؛ لأنّه كان يعتقد أنّها صينية الجنسية لكن هذا غير مهمّ، رغم أنّه كذلك، لا سيما أنّها مواطنة أمريكية، وصحيح أنّها ولدت في الصين، لكنّ عائلتها هاجرت إلى الولايات المتحدة حينما كان عمرها عامين.

اقرأ أيضاً: فلويد.. شرارة عنصرية أم مماحكة انتخابية؟

ولا يعرف رئيس الولايات المتحدة في الغالب؛ أنّ عبارة "سيكون الردّ بالرصاص" اشتهرت خلال احتجاجات عام 1968 وحركة الحقوق المدنية، رغم أنّنا نعلم أنّها لم تكن المرة الأولى التي قيلت فيها، بل على العكس، اعتاد ترامب ترديدها بشكل متكرر، ويجب أن يكون هناك رفض واضح من الجميع لذلك.

ويأمل الأمريكيون، في الوقت الذي تحاول فيه الولايات المتحدة الخروج من الجائحة والأزمة الاقتصادية الحادّة الناتجة عنها، أن يتمكّن قادتها من إحلال الهدوء والأمن والسلم من أجل مغادرة هذا الوضع جميعاً معاً؛ بل وأفضل من قبل، وكذلك تحقيق تعافي اقتصادي من شأنه القضاء على غياب المساواة.

 

 

السيطرة على العنف والتخريب
من الضروري، بالطبع، السيطرة على العنف والتخريب، وهذا هو عمل الشرطة، ويمكن تحقيق هذا الهدف عن طريق التدريب الجيّد وحين تتفوق أجهزة الأمن من حيث العدد والقوة والإمكانات على المجرمين؛ حين مات فلويد كان تحت السيطرة، راقداً على الأرض، كان بمفرده، ويحيط به أربعة من أفراد الشرطة.

اقرأ أيضاً: معركة الإنسان ضد العنصرية

لقد بدأت العدالة تأخذ مجراها بالفعل، ووجد القضاء الأمريكي الشرطي السابق مذنباً بالقتل المتعمّد دون سبق الإصرار، بينما أدين زملاؤه الثلاثة الآخرون، بتهمتَي التحريض والتواطؤ في هذه الجريمة، لكنّ الألم جراء الخسارة، والشعور بغياب الأمان الذي يراود أبناء مجتمع الأمريكيين من أصل إفريقي، زادت حدّته قبل أيام، بعد تعرّض مراسل شبكة "سي إن إن"، وهو لاتيني أسمر البشرة للاعتقال بشكل تعسّفي في مينيابوليس.

يدفع كلّ ذلك الآلاف من ذوي البشرة السمراء في الولايات المتحدة للتظاهر، ورفع صوتهم تعبيراً عن سخطهم، يفعلون ذلك بصورة سلمية، ويفعل البعض الشيء نفسه لكن بغضب وهتافات، وهو أمر مفهوم.
ينبغي على الشرطة التصرّف بحكمة واحترافية، مثلما حدث في بعض دول أمريكا اللاتينية مؤخراً، ومن بينها تشيلي والإكوادور، العام الماضي، أثناء الاحتجاجات.

هناك، للأسف، مخرّبون يندسّون بين المتظاهرين، لكن يجب التعرّف إلى هوياتهم وعزلهم والقبض عليهم ومحاكمتهم؛ لأنّ هؤلاء لا يُسدون القضية أيّ معروف، بل على العكس، يدمّرونها، تماماً مثلما يفعل أيّ شخص عنصري.


مقال للصحفي روبرتو إيثورييتا، نشر بموقع شبكة "سي إن إن" الأمريكية، في 3 حزيران (يونيو) 2020.
المصدر:
https://cnnespanol.cnn.com/2020/06/03/opinion-racismo-una-historia-de-odio/


الصفحة الرئيسية