تاريخ العنصرية في أمريكا: لماذا يتعذر إغلاق هذا الملف؟

تاريخ العنصرية في أمريكا: لماذا يتعذر إغلاق هذا الملف؟

مشاهدة

08/06/2020

بدأت العبودية مبكراً في تاريخ البشرية؛ حيث استعبد الأقوياء والأكثر معرفةً وثروة أولئك الذين هم أكثر ضعفاً ودرجة باعتقادهم، والغريب أنّ يوصف هؤلاء المُستعبَدون آنذاك بالمتوحشين والبرابرة والمتخلفين وغير ذلك من أوصاف، لكن الأكثر إيلاماً، أن تستمر العبودية بطريقةٍ أخرى حتى يومنا هذا، وفي دولٍ مختلفةٍ من أنحاء العالم، وتسمى ببساطة: العنصرية.
العنصرية الحديثة تجاه السود بدأت في أمريكا منذ 400 عام، عندما دخلت أول سفينة بريطانية ميناءً في ولاية فيرجينيا في 1619، تحمل على متنها 20 رجلاً إفريقياً، كانوا أول العبيد في ذلك الزمان، ومنذ تلك اللحظة وحتى اليوم، خاض السود في أمريكا تاريخاً طويلاً من العبودية ومن ثم العنصرية، التي عادت لتطفو على السطح مؤخراً، بعد مقتل المواطن الأمريكي من أصول أفريقية جورج فلويد، فإلى أين تمضي أمريكا في هذا الملف الذي يأبى أن يُطوى؟
بدأت العبودية في أمريكا مبكراً والعنصرية ترثها اليوم

تاريخ ملطّخ بالعنصرية
بدأ السود في أمريكا كيدٍ عاملة لا تمتلك أي نوعٍ من الحقوق، وكانت الولايات الواقعة في جنوب أمريكا تعتمد عليهم كثيراً، خصوصاً في زراعة وحصاد القطن والقمح، كما استخدمت نساؤهم كخادمات، وأبناؤهم كملكياتٍ منذ الولادة تحت إمرة الأسياد الذي كانوا قساة ويعاملون مستخدميهم على أنهم غير بشريين تقريباً، فلم تكن أي فكرةٍ من ذلك المجتمع الأبيض تتسلل إلى حياة السود تقريباً فهم بدايةً "ليسوا مواطنين، وليس لهم حق في التعليم أو التطور أو تسلم أي منصب ما وما إلى ذلك، ولا حتى الزواج بصورةٍ معلنة وطبيعية" وفق موقع "national geographic" في مقالة على موقعه نشر العام 2016.

بدأت العبودية في أمريكا منذ 400 عام ولم تنجح نضالات السود بوقفها إلا منتصف القرن العشرين

وقد انتفض الأمريكيون في 1765 ضد الإنجليز، وبعد ثورتهم التي استمرت حتى العام 1783، فإنه ووفق موقع "history" تخلت العديد من ولايات أمريكا الواقعة في الشمال عن العبودية، كما قل "أثرها في الولايات الجنوبية إلى حين، وحتى صدور قانون يمنع جلب العبيد من الخارج في 1808" لكن هذه الجهود للتخفيف من حدة العبودية باءت بالفشل، إذ "تضاعف عدد السود من العبيد 3 مرات، وازداد عددهم إلى أكثر من 4 ملايين إنسان بحلول العام 1865"، بحسب المصدر ذاته.

وكان موقعا "history"، و"the conversation" أصدرا في العام 2014 مجموعة من ملامح تاريخ نضال السود ضد العبودية في الولايات المتحدة، وكانت نقطة الانطلاق "ثورة قامت في 1831 في مجموعة مزارع بولاية فيرجينيا مهد العبودية، حيث ثار نات تيرنر ومعه مجموعة من السود، إلا أنّ الثورة أسفرت عن مقتل مئة شخصٍ على الأقل، وانتهت بعد ثلاثة أسابيع بإعدام نات ومن معه".

اقرأ أيضاً: احتجاجات فلويد: ربيع أمريكي مفترض أم ردة فعل سيجري احتواؤها؟
وقد توالت أحداث مشابهة، إلى أن قامت الحرب الأهلية في العام 1865، وأسفرت نهايتها عن تحرير السود في الجنوب، وقد تجلى ذلك بعد اغتيال أبراهام لنكولن "حيث قام أندرو جونسون الرئيس الجديد، بمحاولة لإعادة السود إلى أماكنهم الأولى كعبيد إلا أن توسع الكونغرس الأمريكي بعد 1870 منحهم حقوقاً عديدة جديدة كالمساواة دون النظر إلى العرق أو اللون، كما منحوا حق الانتخاب. ولكن الأمور عادت للتراجع بعد العام 1885 بسن قوانين عنصرية تفصل بين السود والبيض في المدارس والأماكن العامة وبعض الأماكن الرسمية، كما ظهرت جماعات عنصرية بيضاء أرهبت السود وقتلت منهم وعذبتهم.

أصبح جورج فلويد أيقونة للمقاومة ضد العنصرية في أمريكا
وقد ناضل السود نضالاً طويلاً منذ ذلك الحين، وحتى دخلوا القرن العشرين، وذلك من خلال التعليم والموسيقى والثقافة التي أخذت تنتشر بينهم، كما أخذوا يصرّون على حقوقهم رغم أي عنصرية وعنف، وقاوموا كل القوانين المسنونة ضدهم، إلى أن أتت صرخة المناضل الأسود مارتن لوثر كينغ "لدي حلم" في الستينيات، بأن يشهد اليوم الذي يتساوى فيه البشر، وأن تنتشر الحقوق المدنية وأن ينال الناس حرياتهم، وذلك وسط تظاهرة للسود والبيض تجاوزت مئتي ألف شخص في ذلك الزمن، وفقاً للمصدر السابق.
كما ظهر مناضل أسود آخر، هو مالكولم إكس، الذي اغتيل العام 1965وهو المصير الذي لاقاه كينغ بعد ثلاثة أعوام، ولكن هذه التضحيات لم تضع سدى إذ تمكن السود أخيراً بعد حركة الحقوق المدنيّة بين عامي 1955 و 1968، من الحصول بالتدريج على كامل حقوقهم كمواطنين أمريكيين، بإقرار مجموعة من التشريعات الفيدرالية التي تُسقِط الممارسات التمييزية على أساس العرق أو اللون أو الدين أو الجنس أو الأصل القومي.

عنصرية الشاشة البيضاء
لا تفوّت هوليوود اليوم أي فرصة للانتصار  لقضايا السود، وإدانة أي ممارسات ضدهم، من خلال الأعمال التي تظهر بين فترة وأخرى، وتمكن عدد من الممثلين والممثلات وصناع السنما السود من الفوز بجوائز الأوسكار،  لكن هذه الصورة الوردية كانت على النقيض من ذلك تماماً إلى ستينيات  القرن الماضي، فحتى عقد العشرينيات كان المخرجون يتجنبون ظهور أي ممثل أسود ويستعيضون عنه بممثل أبيض يتمّ دهن وجهه باللون الأسود، بل يتم تجنب حتى لقطات عابرة للسود في خلفية أي مشهد!

تمكن السود بعد حركة الحقوق المدنيّة من الحصول بالتدريج على كامل حقوقهم كمواطنين أمريكيين

يعد فيلم "مولد أمة" (1915) الذي يوصف بأنّه الأكثر عنصرية في تاريخ السينما وصمة في تاريخ الفن السابع في أمريكا، إذ أسهم في تمجيد ممارسات حركة كو كلوكس كلان العنصرية، وترسيخ للصورة النمطية عن الأسود المتوحّش والمجرم من خلال قصة رجل أسود يقوم باغتصاب فتاة بيضاء.
وحتى هاتي ماكدانيال التي دخلت التاريخ كأول موهبة سوداء (في أي فرع) تنال الأوسكار وذلك عن دورها كخادمة محبّة وطيّعة في "ذهب مع الريح" (1939)، لم تتمكن من حضور حفل افتتاح الفيلم الذي تم في أتلانتا بسبب العنصرية التي كانت أمراً شائعاً في ذلك الوقت، حتى أنّ بطل العمل الممثل كلارك جيبل هدد بعدم الحضور ولكنها أقنعته بأن يذهب للحفل بدونها.

المظاهرات الشعبية قوة ضاغطة ضد أي عنصرية في المستقبل
رغم ذلك فإنّ الممثلة السوداء الوحيدة التي نالت جائزة أوسكار عن دور رئيسي لا تزال هالي بيري عن "كرة الوحش" العام 2001، بل في كل تاريخ الأوسكار تم منح الجائزة عن أفضل ممثل رئيس لأربعة ممثلين سود فقط هم: سيدني بواتييه عن "براعم في الحقل" (1963)، ودينزل واشنطن عن "يوم التدريب" (2001)، و جايمي فوكس عن "راي" (2004) وآخرهم فورست ويتيكر في العام التالي عن دوره في فيلم "آخر ملوك اسكوتلندا".

ما بعد العنصرية
استمر نضال السود، وأصبح تمثيلهم في الحياة العامة والإعلام والرياضة والمحافل العلمية يزداد في أمريكا، وتحسنت الكثير من ظروفهم، حتى وصل رئيس أسود إلى سدة الحكم في أمريكا العام  2009.
إلا أنّ كل هذا، لم يمنع من ظهور العديد من تجاوزات البيض، وخاصة من رجال الشرطة تجاه السود، كما في أحداث لوس أنجلوس العام 1992، وكان آخرها تسبب عنصر من شرطة مدينة منيابولس في 25 أيار (مايو) الماضي بمقتل الأمريكي الأسود جورج فلويد أثناء اعتقاله، مما فجر مظاهرات عارمة شارك فيها الأمريكيون من كل عرق ولون ضد العنصرية في وطنهم، وانتقلت الاحتجاجات إلى ولايات عديدة وشملت أجهزة الشرطة وبعض المسؤولين المهمين والكثير من المشاهير؟

يعد فيلم "مولد أمة" (1915) وصمة في تاريخ السينما الأمريكية بترسيخه للصورة النمطية عن الأسود المتوحّش والمجرم

بعد مقتل جورج فلويد، شهدت العاصمة واشنطن "واحدة من أكبر المظاهرات في تاريخها، ثم أدت الاحتجاجات إلى "استقالة جميع ضباط وحدة تدخل تكتيكية بالشرطة في الولايات المتحدة، اعتراضاً على وقف ضابطين عن العمل ومنحهما إجازة بدون أجر بعد اتهامهما بالوحشية" وفقاً لـ"بي بي سي" في السادس من حزيران (يونيو) الجاري.
وعلى النقيض، قدمت العديد من وحدات الشرطة الأمريكية صورة مختلفة، وفق ما نقلته صور عديدة لوكالات الأنباء وذلك تضامناً مع المحتجين على وفاة جورج فلويد، وأيضاً "انتشرت مطالبات بإصلاح جهاز القضاء الأمريكي في تعامله مع القضايا التي تتشكل  على خلفيات عنصرية ضد السود، وذلك تخلله أيضاً دعوات من قائد شرطة نيويورك لإصلاح جهاز الشرطة الأمريكي وتعديل طريقة تعامله مع السود ومع المشتبهين بصورة عامة، بحيث لا تتعرض حيواتهم للخطر أثناء الاعتقال" وفق ما نقلته وكالة "فرانس 24" في الثاني من حزيران (يونيو) الجاري.
وقد نال مقتل فلويد اهتماماً في العديد من الدول الأوروبية والعربية، حيث وصفت ردود الأفعال بالمتضامنة مع كل قضية إنسانية ضد العنصرية سواء في أمريكا أو العالم.

اقرأ أيضاً: "احتجاجات فلويد" تصل أوروبا.. هل نشهد نهاية العنصرية في العالم؟
في الواقع، إن وضع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبيل تحضيراته لجولة انتخابات رئاسية جديدة، لا يحتمل منه ومن إدارته المتعاطفة عموماً مع قضية فلويد، أي تأخير في تنفيذ مطالب الشعب الأمريكي بإيجاد ظروف قانونية وعامة أفضل لحماية الجميع من شبح العنصرية الذي لا يزال يخيم على أمريكا بين حين وآخر في القرن الحادي والعشرين، مع وجود مؤشرات على صعود تيار اليمين في الغرب عموماً.

يبدو الأمريكيون المصرون على وقف العنصرية في بلادهم اليوم، قوةً شعبية ضاغطة على السلطة، لوقف أي تصرفات عنصرية قد يتغاضى عنها القانون ولو بالخطأ، وهم بقوتهم هذه، يبدو أنّهم يدشنون لمرحلة جديدة، يمكن تسميتها بمرحلة ما بعد العنصرية، بالسعي نحو مجتمع أفضل في المستقبل لهم ولأبنائهم، حيث لا تهم الأصول ولا اللون أو القومية، بل المهم دوماً، هو الإنسان فقط، سواء في أمريكا، أو أي مكان آخر لا تزال العنصرية فيه، سلاحاً ضد حرية الآخر ووجوده.

الصفحة الرئيسية