احتجاجات فلويد: ربيع أمريكي مفترض أم ردة فعل سيجري احتواؤها؟

احتجاجات فلويد: ربيع أمريكي مفترض أم ردة فعل سيجري احتواؤها؟

مشاهدة

07/06/2020

يتابع العالم تطورات الاحتجاجات الأمريكية وتصاعدها، على خلفية مقتل مواطن على يد الشرطة بجريمة ذات نفس عنصري، ارتباطاً بمركزية ومكانة الولايات المتحدة، وتعامل الإدارة الأمريكية مع الاحتجاجات على طريقة دول العالم الثالث، ليس بالتوسع بنشر قوات الأمن فقط، بل و"إنزال" الجيش إلى الشوارع.

احتجاجات الشارع الأمريكي لم تكن وليدة اللحظة؛ فنجاح ترامب كان نتاج "شعبوية" لم يخفها في حملاته الانتخابية

وإذا كانت الثورات تنطلق لحدث ما، كجريمة قتل المواطن الأمريكي من أصول أفريقية "جورج فلويد"، فإنّ احتجاجات الشارع الأمريكي لم تكن وليدة اللحظة ولا مرتبطة فقط بمقتل فلويد؛ إذ إنّ نجاح الرئيس دونالد ترامب ووصوله إلى البيت الأبيض كان نتاج "شعبوية" لم يخفها في حملاته الانتخابية، وشكوك بمساعدة روسيا "وهي الاتحاد السوفيتي بالمفهوم الأمريكي" أظهرت انقساماً حاداً في المجتمع الأمريكي، تبعتها ارتباكات في قرارات وسياسات إدارة ترامب الخاصة بالتأمين الصحي والهجرة، والانسحاب من المنظمات التي تشكل عناوين لـ "العولمة" تحت شعار أمريكا أولاً، وتغييرات متكررة في المواقع القيادية، أظهرت الرئيس ليس على خلاف، بل على عداوة مع ثلاثة أركان من دعائم الدولة الأمريكية وهي: المجتمع الاستخباري، المجتمع الإعلامي والقضاء، وأسقط الرئيس على نفسه صورة الزعيم الدكتاتوري في العالم الثالث، وربما أسهمت النجاحات الاقتصادية التي حققها في السنة الأولى من وصوله للبيت الأبيض بتخفيض نسبة البطالة وتحقيق النمو الاقتصادي ودوران عجلة الاقتصاد بعد تباطؤ وبحاضنة "شعبوية" من تخفيف مستوى الاستجابة للطروحات التي تبناها الديمقراطيون بالتحذير من سياسات ترامب، بما في ذلك تعامله مع تحدي تفشي فيروس كورونا المستجد، ومقاربات ترامب حول العدد المقبول للوفيات جراء الإصابة به والتي تتنافى مع أبسط القواعد الأخلاقية والإنسانية.

اقرأ أيضاً: "احتجاجات فلويد" تصل أوروبا.. هل نشهد نهاية العنصرية في العالم؟

رغم أنّ مآلات الاحتجاجات في أمريكا غير واضحة، إلا أنّه سيتم احتواؤها ليس من قبل الرئيس ترامب؛ بل من قبل النظام السياسي الأمريكي نفسه، فقد وقعت مثل تلك الأحداث في مراحل سابقة وتمكنت المنظومة الديمقراطية الأمريكية وعنوانها "سيادة القانون" من التكيف معها واحتوائها، تلك المنظمة الراسخة الأكبر والأعمق من أي رئيس أمريكي، مهما بلغت قوته، فالأركان الثلاثة؛ "الأجهزة الاستخبارية، الإعلام، القضاء"، بالإضافة لمجلس النواب، تحاصر الرئيس الذي أصبح على تناقض حتى مع أركان إدارته، بعد إعلان وزير الدفاع أنّه لا يتفق مع ترامب على تدخل الجيش، فيما قررت وسائط التواصل الاجتماعي حظر صفحات ترامب.

اقرأ أيضاً: فلويد.. شرارة عنصرية أم مماحكة انتخابية؟

وبعيداً عن الموقف من الرئيس ترامب وسياساته وقراراته، فإنّ المنظومة الديمقراطية الأمريكية وتجذرها هي التي سمحت بأن يكون العالم اليوم على اطلاع على كافة ما يجري في الولايات المتحدة، ولو أنّ احتجاجات مثل تلك الاحتجاجات جرت في الصين وروسيا أو حتى في دول العالم الثالث والدول الشرق أوسطية، على وجه التحديد، فربما كانت مجرد زمرة من "مندسين" ومخربين ومسلحين تم التعامل معهم.

هناك من يروّج إلى أنّ جورج فلويد "بوعزيزي تونس" وهو ليس كذلك لا من قريب ولا من بعيد

في الشرق الأوسط، وخاصة في الدول العربية والإسلامية، فإنّ غالبية الرأي وقادته الذين يسيطرون على المنابر الإعلامية، ووفقاً لمخرجات المحتوى الإعلامي الخاص بالاحتجاجات الأمريكية يتفاعلون معها وفقاً لمرجعياتهم وليس لمرجعيات المجتمع الأمريكي؛ فالقواسم المشتركة عربياً وإسلامياً تروج بأنّ "فلويد" بوعزيزي تونس وهو ليس كذلك لا من قريب ولا من بعيد، وما يجري في أمريكا ليس ربيعاً أمريكياً هدفه إسقاط النظام، والاحتجاجات ليست على قضايا فساد النظام وإن كانت ضد دكتاتوريته، ولا هي تضامناً مع فلسطين وقضيتها العادلة وضد انحياز ترامب لإسرائيل، ولا ضد التدخل الأمريكي في العراق وسوريا، وملايين القتلى واللاجئين، إنما هي ضد سياسات تمييز عنصري تقع في إطار "المسكوت عنه" تم ضبطها تاريخياً في أمريكا عبر قوة القانون التي يحاول ترامب كسرها، وقلبها لتكون قانون القوة.

اقرأ أيضاً: حوار الركبة والرقبة

احتجاجات أمريكا، بما فيها عمليات التخريب وسلب المتاجر والمحلات بالنسبة لشعوب الشرق الأوسط ونخبها، تطرح ثنائيات متناقضة تستبطن أنساقاً مغلقة تفسر المرجعيات الحقيقية للموقف مما يجري في أمريكا وأنّها تقوم على رغائبيات دفينة لا تعكس فهماً حقيقياً لطبيعة المجتمع الأمريكي، تعتقد أنّ غياب ترامب سيكون صورة أخرى لغياب "القذافي" عن ليبيا، وتطرح تساؤلات حول علاقة الموقف العربي والإسلامي بقضية التمييز المطروحة في أمريكا، لكنها في الوقت عينه وبسبب سياسات أمريكا تجاه القضايا العربية والإسلامية تطرح الإجابة على سؤال لماذا لم يرفع العلم الأمريكي في العواصم العربية على أبواب المقاهي مع أعلام الدول التي انتقلت إلى دوري الثمانية في تصفيات كأس العالم، رغم أنّ فريق الولايات المتحدة كان من بين تلك الفرق، ولماذا تكنّ الشعوب العربية والإسلامية هذا الحجم من الكراهية للولايات المتحدة؟


الصفحة الرئيسية