دولة الإخوان الموازية في باكِستان... مخطط إسقاط المؤسسات يبدأ من البنجاب

دولة الإخوان الموازية في باكستان.. مخطط إسقاط المؤسسات يبدأ من البنجاب

دولة الإخوان الموازية في باكِستان... مخطط إسقاط المؤسسات يبدأ من البنجاب


06/01/2026

في خطوة قد تهز أركان الدولة الباكستانية، أعلن أمير الجماعة الإسلامية في باكستان، الذراع السياسية لتنظيم الإخوان، حافظ نعيم الرحمن، عن تنظيم استفتاء شعبي غير رسمي في 15 كانون الثاني (يناير) الجاري، متحديًا الدستور ومؤسسات الدولة.

الخطوة التي رُوّج لها تحت شعار بناء حكم محلي قوي، لم تكن مجرد احتجاج سياسي، بل جاءت كجزء من مشروع متكامل لبناء دولة موازية تعمل خارج الإطار الرسمي. فقد أعلن نعيم الرحمن تشكيل لجان استفتاء مستقلة على المستويين المركزي والإقليمي، تضم محامين وأكاديميين وشخصيات محلية تابعة للجماعة، بهدف استطلاع آراء ملايين المواطنين بعيدًا عن القنوات الدستورية المعتمدة.

جاء ذلك في حديثه لوسائل الإعلام عقب اجتماع تشاوري حول نظام الحكم المحلي، بالتزامن مع إقرار قانون الحكم المحلي الذي طُبّق مؤخرًا في البنجاب. وحضر المؤتمر الصحفي كلٌ من الأمين العام أمير العظم، وقيادات الجماعة المركزية، إلى جانب قيادات إقليمية ومحلية أخرى، وأعضاء اللجان السياسية.

دولة موازية وتهديدات بالعنف

صرح حافظ نعيم الرحمن بأنه سيتم تشكيل لجان استفتاء مستقلة على المستويين المركزي والإقليمي للاستفتاء المزعوم، وأكد أنّه سيتم استطلاع آراء ملايين المواطنين. كما طالب رئيس لجنة الانتخابات بأن تقوم المحاكم بعملها الحقيقي وتجري الانتخابات، بدلاً من عرض الإشعارات المرسلة إلى الحكومة الإقليمية وتأخيرها.

ولم يتوقف الأمر عند الاستفتاء، إذ هددت الجماعة بحصار المجلس الإقليمي في البنجاب، أكبر أقاليم باكستان من حيث المساحة والسكان، عقب إعلان النتائج، في تصعيد غير مسبوق يهدف إلى فرض الإرادة السياسية عبر الضغط الشعبي والتنظيمي، لا عبر المؤسسات المنتخبة.

كما أعلنت الجماعة مشاركتها الواسعة في انتخابات المجالس المحلية، سعيًا لتحويلها إلى أذرع تنفيذية تابعة لها، في إطار أسلوب إخواني قديم يقوم على اختراق المجالس المحلية والنقابات العمالية باعتبارها بوابة للهيمنة التدريجية على مفاصل الدولة.

وزعم أمير الجماعة الإسلامية، أنّ القانون الحالي للحكم المحلي في البنجاب يمثل تهديدًا مباشرًا للديمقراطية المحلية، واصفًا إياه بأنّه محاولة لشل البلديات ومنع انتقال السلطة إلى المستويات المحلية وفق المادة 140-A من الدستور الباكستاني.

وطالب نعيم الرحمن صراحة بـسحب قانون الحكم المحلي في البنجاب بالكامل، ونقل جميع الصلاحيات إلى المستويات المحلية وفقًا للدستور. وإجراء انتخابات بلدية في الإقليم على أساس الديمقراطية المحلية الحقيقية، بعيدًا عن التحكم المركزي.

وأشار إلى أنّ الجماعة لن تقبل أي شكل من أشكال ما أسماه “حكم الموظفين”، مشددًا على أنّ الحكومة تسعى لإنشاء سيطرة مركزية على جميع المستويات، بما في ذلك انتخابات مجالس الاتحاد، وهو ما وصفه بأنّه "تجارة بالبشر ومساس بحقوق المواطنين".

وأشار أمير الجماعة الإسلامية إلى أنّ هذا الاستفتاء والإجراءات المرتبطة به تضع الجماعة في مركز القرار السياسي خارج المؤسسات الدستورية، الأمر الذي يكشف عن مساعي الإخوان لتكوين قوة موازية تضغط على السلطة الرسمية بالقوة، حيث دعا حافظ نعيم الرحمن إلى استخدام العنف، عبر ما أسماه تحقيق "العدالة الشعبية"، داعيًا المواطنين وخاصة الشباب إلى الانضمام إلى حركة التمرد، في خطوة تؤكد طبيعة الجماعة كـدولة موازية تعمل خارج إطار مؤسسات الدولة الرسمية.

تجاوز الخطوط الحمراء

الأخطر من ذلك أنّ تحركات الجماعة لم تتوقف عند الشأن الداخلي، بل تجاوزت الخطوط الحمراء بالتدخل المباشر في استراتيجية عمل الجيش الباكستاني ومواقف الدولة السيادية؛ حيث سعى خطاب حافظ نعيم الرحمن التحريضي إلى رهن السياسة الخارجية والأمن القومي لأجندات أيديولوجية عابرة للحدود، عبر توظيف القضية الفلسطينية لإثارة العواطف ومطالبة الجيش الباكستاني صراحةً بالانخراط العسكري والمحاربة لصالح حماس، في محاولة لتحويل الجيش الباكستاني إلى أداة تخدم أهدافًا عابرة للحدود.

كذلك وسّعت الجماعة نفوذها عبر ملفات التعليم والصحة والزراعة، بحجة الدفاع عن الحقوق الشعبية، لفرض وصاية سياسية بديلة عن الدولة، مدعومة بتحريض إعلامي مكثف ومسيرات منظمة.

والمفارقة أنّ حافظ نعيم الرحمن يزعم أنّ هذه التحركات تهدف إلى تعزيز الديمقراطية، في حين أنّ جماعته قائمة على الانصياع الكامل وفقًا لمبدأ الولاء والبراء، ولا تسمح بالرأي والرأي الآخر داخل أروقتها. هذا التناقض يكشف أن الديمقراطية بالنسبة للإخوان ليست إلا أداة وظيفية لإقصاء الجميع.

هذه التحركات تأتي ضمن خطة التمكين الإخوانية، التي تقوم على إضعاف مؤسسات الدولة الباكستانية، وبناء كيانات موازية تمهيدًا للسيطرة على مفاصل الحكم وفقًا لما تسميه الجماعة ساعة الصفر. وقد أثبتت التجارب أنّ اكتمال هذه الخطة في أي دولة يقود في النهاية إلى تدميرها من الداخل، كما حدث في السودان.

وفي المقابل، يلفت الانتباه الغياب التام لأي حلول حقيقية في خطاب حافظ نعيم الرحمن للأزمات الاقتصادية الخانقة التي تعاني منها باكستان، فقط هو يتحدث عن ارتفاع معدلات البطالة، وتراجع النمو، وتدهور العملة، وازدياد أعباء المعيشة، دون أي خطط أو اقتراحات، ما يكشف أن إنقاذ الاقتصاد أو تحسين حياة المواطنين لا يمثل أولوية للجماعة، بقدر ما ينحصر تركيزها في مشروع السيطرة والتحريض، وصولاً إلى الحكم.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية