
في إطلالة جميلة خرجت علينا الفنانة نورهان شعيب من خلال شاشة النهار، في لقاء امتد لما يقارب الساعة والنصف. ساعة ونصف من الخفة والفرح والتصالح مع النفس.
للجيل الذي يعرف من هي نورهان، إنّها جميلة الشاشة في التسعينيات وحسناء الدراما بلا شك، قدمت أعمالًا درامية خالدة، مثل: سوق العصر، وحضرة المتهم، وعائلة الحاج متولي. وحين ظهرت عبر تلك النافذة، بدت وكأنها قادمة من زمن آخر، من مطلع الألفية، حيث عمق المشاعر، وأصالة الأرواح، وبطء الزمن، حيث الناس على ما هم عليه، وليس على ما يريده العالم منهم. كانت نورهان آتية من زمن حقيقي، نشعر بنوستالجيا نحو كل ما ينتمي إليه.
لم تبدُ نورهان مثقلة بما يقرب من عشرين عامًا من الغياب؛ خفيفة وحالمة بحضور مراهقة، شديدة الابتهاج والتفتح كأحلام مُقتبل العمر، وسيدة ناضجة اعتركت الحياة بشدة، لديها مستوى عالٍ من النضج الشعوري، وسرعة البديهة، وذكاؤها اللغوي كان مُدهشًا، وثقافتها العالية كانت مفاجأة، أعادت لنا ذكريات راقية من زمن فن الخمسينيات والستينيات.
لقد كانت إطلالة نورهان من خارج روح هذا العصر، ولا تنتمي لهذا الزمن الاستهلاكي، حتى في الفن، لقد كانت حقيقة في كل شيء.
حالة الصدق التي لازمت الحلقة من بدايتها لنهايتها، امتدت لتشمل ملامح وجه نورهان، الذي عكس عمرها الحقيقي، فقد سمحت للتجاعيد الخفيفة أن تتجمع عند زوايا عينيها، دون أن تقاومها بالبوتكس أو الفيلر، ممّا أضفى على وجهها حالة من العمق، أيده منطقها في الحديث، فقد بدت امرأة وصلت لواحتها وعرفت نفسها بشدة.
أعتقد أنّ مُعظم الفنانين لا يعرفون أن الجمهور الحقيقي الذائق للفن يريد أن يشعر بأنّ فنانه العزيز يكبر معه، ويعاني من آثار الحياة معه. لا يُعقل أن يكون المشاهد يشيخ، والفنان لا يفعل. وهذا ما فعلته نورهان؛ لم تترك نفسها للسنين، ولم تسمح للشيخوخة أن تتسلل إلى بواطنها، ولكنها تقبلت حقائق الحياة، ودعت جمهورها، وخاصة من النساء، أن يفعلن.
بدت نورهان راضية ومكتفية، وظلّت طوال الحلقة مُبتسمة، وهذا ما لفت مقدمة البرنامج، وعلقت عليه، وعلق عليه المتابعون، فقد بدت حالة الاكتفاء التي تُعلنها نورهان غريبة في عالم شديد النهم، وخاصّة في وسطها الذي يسعى أقل موهوب فيه أن يكون في مركز الحدث، ومسلطة عليه كل الأضواء. تقول إنّ المال ابتلاء، والبطولة المطلقة ليست من أحلامها، وأنّها سعيدة بما حققته. تقول ببساطة: لقد عشت كل شيء، ورأيت كل شيء، وكان الله سخيًا معي. تشعر من حديث هذه الجميلة أنّها شخص يعرف كيف يقدر نعم الله، ويمتن لأصغر عطاياه، وهذا ما جعلها في حالة النضج الإنساني التي لاحظها كل من استمع إلى اللقاء.
"على المرء أن يسعى، وليس عليه إدراك النجاح". كانت هذه واحدة من الجُمل الذكية لنورهان أثناء اللقاء، والتي، على ما يبدو، أنّها فلسفة حياتها، التي تنقلت فيها لمجالي عمل يبدوان بعيدين تمامًا، فقد انتقلت من التمثيل للعمل كمدرسة في إحدى المدارس الدولية، ليتسنى لها أن تكون برفقة ابنها الوحيد طوال الوقت. وعلى الرغم من أنّ مجال الفن يبدو بعيدًا عن مجال التربية ظاهريًا، لكن كليهما يملك المقدرة الكبيرة على التأثير في النفوس، ومجال عملهما هو الأرواح. برعت نورهان في العمل التربوي، حتى وصلت لتدريس المسرح والتمثيل داخل المدارس الدولية. وعند عودتها، بعد فترة انقطاع طويلة عن الشاشة، عادت بأدوار مؤثرة، لكنها ليست بأدوار بطولة، التي تقوم بها ممثلات من جيلها وأقل من موهبتها، ولكنها بدت متصالحة جدًا مع هذا، ولم تبدُ معنية تمامًا بأي سِباق. وعبرت عن سعادتها بتمكين المرأة في الدراما والسينما.
إنّ ما يُعجب بشدة في هذا اللقاء هو أنّ نورهان بدت متابعة لحالة الفن المصري، وكونت ذهنية ناقدة عنه، وهذا هو أهم ما يتصف به الفن الحقيقي، أن يملك رؤية عن روح عصره، وعن دور الفن ورسالته في المجتمع. تذكرنا، وهي تتحدث عن حالة "الاستحقاقية" العالية التي يعيشها شباب اليوم من خلال منتجهم الفني الاستهلاكي، بزمن الفنانين الكبار الذين كانوا يملكون آراء نقدية حول الفن، والفنان، والمجتمع، والعصر، وهذا ما اختفى تمامًا الآن. فالفن لم تعد له عين ناقدة تذكره بأهدافه متى ذل أو انحرف. الفن الذي أصبح يتجه في العقود الأخيرة نحو ثقافة الاستهلاك والسوق، والمتعة العابرة، والانفعال اللحظي، دون الأثر العميق.
ما لفت في نورهان أنها لم تكن تتحدث عن الفن بوصفه مهنة، بل بوصفه رسالة. كانت تمتلك رأيًا في حال الدراما، وفي معنى النجاح، وفي مسؤولية الفنان تجاه مجتمعه. وهذا ما نفتقده اليوم؛ فالفنان الكبير لا يُقاس بعدد بطولاته، وإنما بقدرته على أن يكون شاهدًا على عصره، وصاحب رؤية تتجاوز حدود الشاشة. خرجت من اللقاء وأنا أشعر أنّ أجمل ما في نورهان ليس ملامحها التي أحببناها قديمًا، بل تلك الطمأنينة التي استقرت في روحها، والتي لا يستطيع الزمن أن ينتزعها.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%A1%20%281%29.png.webp?itok=43v8IzgY)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%8A%D9%84_1_3.jpg.webp?itok=IlMmDUEL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%861_4_0_1_1_0_0.jpg.webp?itok=mmlqZWjW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_0_0.jpeg.webp?itok=2ogLXhRD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%A1.png.webp?itok=2XNVEcX2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%82%D8%A7%D8%B1%D8%A8%D8%A7%D8%AA_0.jpg.webp?itok=BTKO2Zgk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8XzSR_Sl014X_4yB0KN7n5gs0ReoqwsSfo_0eOsJVCnT53WFzbUsslyV8uuI8ucBV58iHm0X8qScgF5j2Q59-7O1f9pLSG9hkzhV_j1j8xkvO0n2JnsrnXTDeDrR2Yj6_6Hhb4eh9GFxFGBjuRaOcvCl3eOJDy7pbeglBqZ44KICTMpUpDDg9-7o1_t3nxT_.jpg.webp?itok=XvqvfY_l)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_10_0_0_0_0.jpeg.webp?itok=8ygLHKem)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/-x2q3r8vOfk3ZbNPSaEftCynZKODAlhMFMM0iUbQcG1r4u1JS8Kyud82Zv9SwYtbKAJexxmQ9S-miUSy9naEkub7BYC6HRPOzEfnRIYYrFeIAiC78J_QBx1KupLzENMBEtlGMvHPTebpDcZLYDERCD72Gh1MBrcQ_EKqoe8AwYqXdFVOt09DJahqrp9-zHPI%20%281%29_0.jpg.webp?itok=OLJ8nTOg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/news-240423-sudan.harb__0_0_0_0_2.jpg.webp?itok=f_7laEcV)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B5%D9%88%D9%85%D8%A7%D9%84_12_1_3.jpg.webp?itok=q4eTImr8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/JxgSiICaQGIn1RxC-Q0ncGh7HbmX5EgfRuukLxDA3v0kzvQPgBkzrSseIKSd5SOYJ9mS8EOA2ATl07hDb2ctoX9OuL1Ny7UO9XiP3r9ln6JBB8gPWsrD8HsBuEXlaYGZwppnx-T4BZ0-TNkwZ-Y5MG1HS0p-82yrevfLVEi9JjoJ1z49ADogrYlonPbTg_cs%20%281%29.jpg.webp?itok=_-g9pNgV)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_2.jpg.webp?itok=YRx-034e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/KiJZ9iZGOOoJ5FPuQITXbntFYNH6BkZ2fm-zgQH_BWiv8fmRFpUciIOFaM7Miqt3Kb622cSJ_b7_vocnw6GkvPVtK0ZdacXSZoJl5hJP4csjR-C7Sqi5VzjAtA02JGAs5AylYVQ6NwAIFplyyxDRnlZ86vYnRTo36ZVK5vUjeO5_xbA93dKM3XGCgAv0G3t1%20%281%29.jpg.webp?itok=0Nf8b0aw)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B5%D8%B9%D9%8A%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A%20%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D9%87%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%85%D9%84%D9%83%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B9%D9%88%D8%AF%D9%8A%D8%A9%20%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A.jpg.webp?itok=P8Idsx-q)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/image1170x530cropped_3.jpg.webp?itok=4QbAwEtb)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D9%85%D8%A7%D8%B3_96_0.jpg.webp?itok=p1H5W0Le)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/5H2mK5LTDe2wX4369ozLuSHhgt7Uhz1SJarKfStYKg91fjJPStY_kRRncOem9zEL8YcqKuG9d95SMGnn1wTFXmbQcYjPVTmQlhQjk9gyNyBj-yHr9rfZPYyW6k9hlqJZ-FzgwoN9VHyhxYs8NrIsoxCfRgN9441gbOxhHVqEOC_JHLzveJHhpu15-n4PQt4O%20%281%29.jpg.webp?itok=GbkwgDN0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/yrUPkob4ak7vpMn1SRcEv5tLTUYc68C9ITcEMUQsnW4CSvmC3CTwwPnvorMsFp5-THys6D79GxT423FXIRcsE7x1g0q_AwTNmmAHKLQH0Pt47mRP0RA9ty8-tcXFd2mXVGXMCxKD9vD6FgJFrqmIQBIae0768OkQg3VDuw6WJuWusdenrvILUum1CXHtHQGo%20%281%29.jpg.webp?itok=DbY2je40)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%A1_3_1_3.jpg.webp?itok=KE0VCaW3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_3.jpg.webp?itok=xVE89XIG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_3_1_7_2_0.jpg.webp?itok=KsUddOOW)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

