خبراء لـ "حفريات": غزة أصبحت بيئة خصبة للانتحار

خبراء لـ "حفريات": غزة أصبحت بيئة خصبة للانتحار

مشاهدة

13/07/2020

لم يكن أصدقاء الشاب سليمان العجوري ومتابعوه يعلمون أنّه يريد مغادرة الحياة بعد منشوره الأخير، عبر صفحته الخاصة في فيسبوك، مساء يوم الجمعة قبل الماضي، إذ كتب حينها: "هِيا مش محاولة عبث، هِيا محاولة خلاص وخلص الشكوى لغير الله مذلة، وعند الله تلتقي الخصوم"، كلمات تدلّ على تعرّضه للظلم، دون تفسير طبيعته.

اقرأ أيضاً: تزايد حالات الانتحار بالعالم العربي.. الأسباب وسبل المواجهة

وبعد ساعات من كتابة تلك الكلمات عبر العالم الافتراضي، أطلق الشاب، البالغ من العمر (26عاماً)، الرصاص على رأسه، في منزله شمال قطاع غزة، ليفارق الحياة قبل أن يتم نقله إلى المستشفى. 

وقع خبر انتحار الشباب العجوري كالصاعقة، خاصة لمن يعرفه أو تجمعه به علاقة صداقة، وأثار هذا الخبر موجة غضب واسعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي؛ حيث طالب النشطاء الجهة الحاكمة في غزة بضرورة الوقوف على الأسباب التي دفعت هذا الشاب، وغيره، إلى الانتحار، ووضع حدّ لهذا التصرف.

وارتفعت حالات الانتحار في قطاع غزة، الذي يعاني من ويلات الحصار الإسرائيلي، والانقسام الداخلي منذ ما يزيد عن 13 عاماً، وما نتج عن ذلك من واقع اقتصادي واجتماعي متردّ، وارتفاع نسب الفقر والبطالة، التي تشكّل الأسباب الرئيسة للانتحار في القطاع.

قبل انتحاره كتب الشاب سليمان العجوري عبر صفحته الخاصة في فيسبوك،: "هِيا مش محاولة عبث، هِيا محاولة خلاص وخلص الشكوى لغير الله مذلة، وعند الله تلتقي الخصوم"

وفي اليوم ذاته الذي انتحر فيه سليمان، توفَّي شاب آخر من مخيم الشاطئ للاجئين الفلسطينيين، غرب مدينة غزة، بعد أن أحرق نفسه، إضافة إلى وفاة شاب ألقى بنفسه من على سطح منزله، ليرتفع عدد الوفيات بسبب الانتحار في قطاع غزة، منذ بداية العام الحالي، إلى ١٦ حالة.

ويعاني سكان قطاع غزة من حصار إسرائيلي، منذ صيف عام 2006، تسبّب في حالة ركود غير مسبوقة في كافة القطاعات، إضافة إلى نقص في تمويل المشروعات، ووقف معظم المساعدات، وحالة الفقر المدقع التي أصابت مجمل شرائح المجتمع، التي وصلت إلى أكثر من 70% من مجمل السكان في غزة. 

لماذا انتحر العجوري؟

وتوضيحاً لأسباب حادثة انتحار الشاب العجوري، يقول صديقه محمد في حديثه لـ "حفريات": "سليمان شاب طموح ومجتهد، والجميع يشهد له بأخلاقه الحميدة، وبعد تخرجه في الجامعة حاول البحث على فرصة عمل في مجال دراسته ليستطيع تأمين مستقبله، وطرق كافة الأبواب، لكن دون جدوى، نظراً لندرة فرص العمل وتدخّل الواسطة والمحسوبية، فاضطر لأن يجلس في البيت دون عمل".

 

هيّا مش محاولة عبث ، هيا محاولة خلاص وخلص 💙 الشكوى لغير الله مذلة و عند الله تلتقي الخصوم ..

Posted by Sleman Alajoury on Friday, July 3, 2020

ويضيف: "بعد فقدانه الأمل في الحصول على فرصة عمل، قرّر سليمان أن يغادر غزة بحثاً عن فرصة مجدية خارج حدودها، ويبدأ حياة جديدة، لكنّ الإغلاق المتكرر لمعبر رفح الحدودي، والتكاليف المرتفعة للسفر، والتي لا يمتلك سليمان ولو جزءاً منها، حالت دون تحقيق ذلك، مما جعله يشعر بالإحباط، وانقلبت حياته رأساً على عقب".

ويتابع: "المنشور الأخير الذي نشره على مواقع التواصل الاجتماعي قبل ساعات من انتحاره، كان تعبيراً منه عن الظلم الذي تعرض له، هو والكثيرون مثله في غزة، لعدم حصولهم على أدنى حقوقهم، وهي الوظيفة، والعيش بكرامة". 

المحامي محمد هاشم لـ"حفريات": ارتفاع معدلات الانتحار وجرائم القتل في قطاع غزة مؤشر خطير يدلل على فقدان الأمل في أيّ مستقبل لدى الشباب

ويعتقد بعض الشباب في قطاع غزة أنّ الانتحار هي الطريقة الوحيدة للتخلص من همومهم ومعاناتهم، كما فعل أحمد "اسم مستعار"، والذي أقدم على الانتحار من خلال تناول السُمّ قبل عامين، وتمّ إنقاذه في اللحظات الأخيرة. 

أحمد "اسم مستعار"، خريج جامعي عاطل عن العمل، يبلغ من العمر (32عاماً)، حاول الانتحار، وتناول سمّ الفئران، هرباً من الواقع الذي يعيشه، ولكن تمّ إنقاذه من قبل عائلته. 

يأس

ويقول أحمد لـ "حفريات": "لم أكن أتوقع في يوم من الأيام أن أقدم على الانتحار، لكنّ الظروف المأساوية التي نعيشها في قطاع غزة، وعدم حصولي على وظيفة في مجال دراستي، وعدم قدرتي على الزواج، دفعتني للتفكير بالانتحار، رغم معرفتي بالعقاب الذي ينتظرني يوم القيامة". 

ويضيف: "قبل إقدامي على الانتحار فكرت كثيراً، ولكن بعد انسداد الأفق أمامي، وعدم حصولي على أدنى مقومات الحياة لم أجد أمامي سوى الموت، كي أرتاح من تلك الحياة، لذلك لجأت إلى الانتحار".

ويكمل: "المسؤولون الذين يدّعون أنهم يراعون مصلحة المواطنين، لا يهتمون سوى بأنفسهم وأبنائهم، وهم الذين أوصلونا إلى هذا الحال، ودفعوا شباب غزة لأن يحصروا تفكيرهم في أمرين "الهجرة أو الانتحار"". 

اقرأ أيضاً: هكذا علقت أليف شافاق على حوادث الانتحار في تركيا

ويبيّن أنّه، بعد محاولته الانتحار تلقى وعوداً، من أشخاص ومؤسسات عاملة في غزة، بإيجاد حلّ لكافة مشكلاته وتوفير فرصة عمل تناسبه، لافتاً إلى أنّه لم يتم تنفيذ شيء من ذلك، وأنّها كانت وعود كاذبة، ووضعه لم يتغير حتى الآن، رغم مرور عامين على الحادث".

ماذا يقول علم النفس؟

وفي هذا السياق، يقول أستاذ علم النفس، درداح الشاعر، لـ "حفريات": "غزة أصبحت بيئة خصبة للانتحار، وذلك نتيجة تردي الأوضاع الاقتصادية، وعدم مقدرة الشباب على تأمين مستقبلهم، مما كوّن لدى بعضهم حالة نفسية معقدة، ودفعهم إلى الخلاص من الحياة، كما حدث مع الشاب سليمان العجوري الذي عبّر على مواقع التواصل الاجتماعي عن انزعاجه من الحياة".

اقرأ أيضاً: الانتحار.. محاكمة الموتى بدل مساءلة الواقع!

ويضيف: "العامل النفسي من أبرز مسببات الانتحار في غزة؛ حيث إنّ الحالة النفسية التي يعيشها السكان، خاصة الشباب، جعلت عدداً منهم يرى الهروب من الحياة هو السبيل الوحيد، لعدم مقدرتهم على مواجهتها، متجاهلين تحريم الانتحار، ليقرروا الاستسلام وإنهاء حياتهم ومأساتهم بأيديهم". 

وينوّه إلى أنّه من الضروري أن تعمل مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الحكومية على توعية المجتمع بمخاطر الانتحار، وتأثيره على النسيج الاجتماعي من خلال حملات توعوية وورشات عمل تستهدف فئة الشباب، والعاطلين عن العمل، والأشخاص الذين يواجهون تحديات في حياتهم، والعائلات التي تعاني من التفكّك الأسري".

تقصير الحكومة

ويشدّد: "يجب أن تكون هناك إستراتيجية وطنية متكاملة، للحدّ من تفاقم ظاهرة الانتحار في غزة؛ حيث إنّ هناك تقصير من قِبل المؤسسات الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني في التعامل مع تلك الحالات، واقتصارها على تقديم العلاج النفسي للأشخاص الذين يحاولون الانتحار دون إيجاد حلول للأسباب التي دفعتهم إلى ذلك، إضافة إلى تجاهل الكثير من الحالات". 

وفي هذا السياق، يقول المحامي محمد هاشم: "القانون الفلسطيني يتعامل مع الذين يحاولون الانتحار على أنّهم مجرمون؛ حيث تتم معاقبة من يُقدم على الانتحار، بدلاً من إيجاد حلول للأسباب التي دفعته للتفكير بذلك، فتلك الخطوة تفاقم الحالة النفسية للشخص الذي حاول الانتحار". 

يعدّ ارتفاع معدلات الانتحار في قطاع غزة مؤشراً خطيراً

ويضيف: "تنصّ المادة 225 من قانون العقوبات الفلسطيني رقم (74)، للعام 1936، الساري في قطاع غزة، على أنّ محاولة الانتحار تعدّ جنحة ويعاقب الشخص الذي يقدم على الانتحار، بالسجن من ٦ أشهر إلى عامين، إضافة إلى فرض غرامة مالية لا تقل عن ١٥٠٠ شيكل، أي ما يعادل ٤٥٠ دولار أمريكي الأمر الذي يفاقم معاناتهم".

مؤشر خطير

المحامي محمد هاشم يرى في ارتفاع معدلات الانتحار وجرائم القتل في قطاع غزة مؤشراً خطيراً "يدلل على فقدان الأمل في أيّ مستقبل لدى شباب غزة؛ حيث إنّ الموت أصبح خيارهم الوحيد لمواجهة الأزمات التي يعانون منها جراء استمرار الانقسام والحصار الإسرائيلي، وتجاهل المسؤولين لمعاناتهم".

وينبه إلى أنّه؛ "في حال عدم إيجاد حلول للأسباب التي تدفع شباب وفتيات غزة إلى الانتحار، فإنّها سوف تتحول إلى ظاهرة خطيرة يصعب الحدّ منها، وستكون نتائجها سلبية على المجتمع الفلسطيني". 


الصفحة الرئيسية