هكذا علقت أليف شافاق على حوادث الانتحار في تركيا

هكذا علقت أليف شافاق على حوادث الانتحار في تركيا

مشاهدة

01/12/2019

ترجمة: محمد الدخاخني


تُعرف الفاتح بأنّها واحدة من أكثر المناطق مُحافَظة في إسطنبول. وخلال الأسبوع الماضي، لاحظ بعض أهل المنطقة رسالةً ملحقةً بأبواب أحد الشّقق: "احذر! هناك سيانيد بالدّاخل. اتّصل بالشّرطة. لا تدخل". مَن كتب الملاحظة أراد بوضوح حماية الجيران من تأثير هذه المادّة السّامّة. وعندما وصلت الشّرطة، عُثِر على أربع جثث - رجلان وامرأتان، تتراوح أعمارهم بين 48 و60 عاماً. وكان جميع الموتى من العائلة نفسها، وتُدعى اليتشكين، والّتي سكنت الحيّ منذ عقود.


وفقاً لأصدقائهم، فإنّ الأشقاء عاشوا حالة بطالة وفقر مدقع - واستُخدِم دخل أخت واحدة، وهي مدرّسة للموسيقى، لإبقاء الدّائنين تحت السّيطرة. ونظراً لعدم قدرتهم على العثور على وظائف لتغطية ديون العائلة المتنامية، فقد صارعوا الاكتئاب والقلق.

الأصوات المؤيّدة للحكومة رفضت التّلميحات الّتي ربطت انتحار الأسرة بالفقر والبطالة واتّهمت الّليبراليّين بالتّلاعب بالرّأي العام وتشويه سمعة تركيا

"كانوا أناساً لُطفاء. وفعلوا ما فعلوه بسبب الفقر"، قال صاحب متجر محليّ عرفهم لفترة طويلة. وبعد ساعات من نقل الجثث إلى المشرحة، قطعت شركة الكهرباء الطّاقة عن الشّقة بسبب تراكم الفواتير غير المدفوعة على مدى شهور.
تسبّب انتحار الأسرة الجليّ في نقاش حانق في كافّة أنحاء تركيا، وشأن كلّ شيء آخر تقريباً، أصبح مُسيّساً ومُشبّعاً على الفور بنظريّات المؤامرة.
لقد ارتفع سعر الكهرباء 10 مرّات في تركيا هذا العام إلى زيادة إجماليّة قدرها 57 في المائة، في حين تصل البطالة بين الشّباب إلى 27 في المائة. ومع ذلك، فإنّ الأصوات المؤيّدة للحكومة في وسائل الإعلام وعلى وسائل التّواصل الاجتماعيّ رفضت التّلميحات الّتي ربطت انتحار الأسرة بالفقر والبطالة، واتّهمت الّليبراليّين والدّيمقراطيّين بالتّلاعب بالرّأي العام وتشويه سمعة تركيا في العالم. واشتكى كاتب عمود في صحيفة "صباح" اليوميّة من حملة شريرة تقودها أحزاب المعارضة وقناة "بي بي سي" التّركية لربط حالات الانتحار بوضع الاقتصاد في البلاد.


ومن جانبه، أعلن فؤاد أقطاي، نائب رئيس تركيا، قائلاً: "قالوا إنّ السّبب هو الجوع - وهذا ليس صحيحاً. ليس لدينا أيّ معلومات تفيد بأنّ الوفيات كانت بسبب الفقر". وفي الوقت نفسه، جادلت الصّحيفة الإسلاميّة الموالية للحكومة، ييني أكيت، بأنّ ريتشارد دوكينز هو السّبب في أنّ الأشقاء قد وضعوا نهايةً لحياتهم؛ حيث عُثِر على نسخة من كتاب "وهم الإله" على رفٍّ في الشّقة. وجاء عنوان الصّحيفة على النّحو التّالي: "كتاب ملحد دفع أربعة أشخاص إلى الانتحار"!

اقرأ أيضاً: ارتفاع معدل الانتحار بين شباب الإخوان.. لهذه الأسباب
وفي اليوم التّالي، عُثر على أسرة في أنطاليا ميّتة في المنزل، ويُشتبه أيضاً في أنّ السّبب جرعة زائدة. وعُثر على طفلي الأسرة، وهما في التّاسعة والخامسة من العمر، في غرفة المعيشة وأحدهما لا يزال يمسك بيد الآخر. كان الأب عاطلاً عن العمل لفترة طويلة وترك رسالة توضّح الصّعوبات الّتي مرّ بها. وهذه المرّة لم يقم أحدٌ في وسائل الإعلام الموالية للحكومة بإلقاء الّلوم على الكتب الّتي كانت الأسرة تطالعها. عوضاً عن ذلك، اقتُرِح حظر مبيعات السّيانيد لعدّة أشهر على الأقلّ.

اقرأ أيضاً: انتحار عشرات الموظفين بسبب أردوغان.. هذه قصّتهم
منذ عام 2012، حدثت زيادة هائلة في معدّلات الانتحار في تركيا، حيث يعتبر الانتحار عموماً "معصية". ففي عام 2018، وفقاً للإحصاءات الرسميّة، أنهى 3161 شخصاً حياتهم. ويبلغ معدّل الانتحار الآن ثمانية أشخاص في اليوم، ويحاول عشرات آخرون ذلك. وفي عام 2016، قام أمير حطّاب، وهو لاجئ سوريّ تمكّن من الفرار من الحرب والدّمار مع أطفاله الثّلاثة، برفع غطاءٍ ثقيلٍ في شارع جانبي في إسطنبول وقفز إلى نظام الصّرف الصّحيّ الخاصّ بالمدينة، مُنهياً حياته. وكان انتحاره قد سُجّل بواسطة كاميرات أمنيّة قريبة.

اقرأ أيضاً: معدلات الانتحار بين الرجال والنساء..
يُعدّ الانتحار دائماً مسألة صعبة وحسّاسة للغاية، ولا نعرف أبداً بشكل تامّ سبب إنهاء شخص ما لحياته. لكن في بلد لا توجد فيه حرّيّة للتّعبير ولا مجال لإجراء نقاش معقول ودقيق حول أيّ شيء، جاء ردّ الفعل على هذه الحالات قبيحاً، على أقلّ تقدير. وبعد الصّدمة الأوليّة للمأساة، كان ما تلا ذلك تغطية مشغولة بإلقاء الأحكام ومُسيّسة للغاية اتُّهم فيها الضّحايا ووصِموا وحُكم عليهم مرّة أخيرة. وبعد تجريد الأمور من أيّ تعاطف أو سياق، اعتُبر انتحارهم شكلاً من أشكال التّحدّي للسّلطات والنّظام الحاليّ.

اقرأ أيضاً: الانتحار في العراق.. موت معلوم محاط بالكتمان!
وأولئك الّذين كتبوا بشكل نقديّ حول العوامل الاجتماعيّة والاقتصاديّة الّتي تقف وراء الارتفاع الكبير في حالات الانتحار في تركيا جرى اتّهامهم على الفور بأنّهم "خونة"، وبأنّ لديهم "أجندة خفيّة". وهناك الآن اقتراحات بأنّ على تركيا أن تسنّ قوانين عقابيّة ضدّ الأكاديميّين والاقتصاديّين الّذين يقدّمون تنبّؤات قاتمة بشأن الاقتصاد التّركيّ.


هذا ووكِم اثنين من مراسلي "بلومبرغ" مؤخّراً بتهمة نشر "معلومات كاذبة" ومحاولة تخريب النّظام الماليّ من خلال مقالاتهم. وأُحضِر 36 شخصاً أمام المحكمة لنشرهم نكات على وسائل التّواصل الاجتماعيّ حول هبوط سعر الّليرة التّركيّة. وكان المسرحيّ الألمانيّ بيرتولت بريشت، في أحد قصائده، قد سأل ذات مرّة: "أيّ أوقات هذه/ الّتي يكاد يُعدّ فيها الحديث عن الأشجار جريمة/ عندها، نظلّ صامتين حيال الكثير من الفظائع".

عندما نفكّر في الكساد الاقتصاديّ والبطالة والفقر، فإنّنا نفكّر بالأرقام أولاً. لكن كلّ رقم يمثّل قصّة إنسانيّة حقيقيّة

يدفن العديد من ضحايا الانتحار في تركيا في مقبرة "الوحيدون" في كيليوس، في ضواحي إسطنبول، وهو مكان كتبت عنه في روايتي "10 دقائق و38 ثانية في هذا العالم الغريب". والعديد من القبور هناك لا تحتوي على شواهد، وإنّما على أرقام فقط. وفي البداية، كان سيدفن أشقّاء عائلة يتشكين هناك أيضاً. وافتقر أصدقاؤهم إلى السّلطة القانونيّة الّلازمة لمنحهم دفناً لائقاً، والأقارب كانوا متردّدين. وبعد التّغطية الإعلاميّة واسعة النّطاق، منح الأقارب الإذن لأصدقاء المتوفّين، وأخيراً لن يتمّ إخفاء الأشقّاء الأربعة دون الكشف عن هويّتهم في مقبرة "الوحيدون". وسيعلو قبرهم شاهد.
عندما نفكّر في الكساد الاقتصاديّ والبطالة والفقر، فإنّنا نفكّر بالأرقام في المقام الأول. لكن كلّ رقم يمثّل قصّة إنسانيّة حقيقيّة. وأوقات الأزمات الماليّة وعدم الاستقرار السّياسيّ لها تأثير مدمّر على الطّريقة الّتي ينظر بها النّاس ليس فقط إلى الحاضر ولكن أيضاً إلى آمالهم في مستقبل أفضل. ومع ذلك، هناك شيء آخر لا يقلّ أهميّة لكن نادراً ما يتمّ الحديث عنه: فقدان الكرامة. فأينما وحيثما مُزّقت الدّيمقراطيّة وسحقت حقوق الإنسان وحرّيّة التّعبير والتّنوع والتّعدّديّة، يُسلب احترام الذّات من النّاس. لكن ماذا يحدث لنسيج المجتمع عندما تُدمَّر الكرامة الإنسانيّة بعد تدمير الدّيمقراطيّة؟


أليف شافاق، الغارديان

مصدر الترجمة عن الإنجليزية:
https://www.theguardian.com/commentisfree/2019/nov/13/family-suicides-turkey-society-lost-hope


الصفحة الرئيسية