حين اختزل الإخوان مصر في هوية واحدة

حين اختزل الإخوان مصر في هوية واحدة

حين اختزل الإخوان مصر في هوية واحدة


23/09/2026

ثروت الخرباوي

أخطر ما أخطأت فيه تيارات الإسلام السياسي في مصر لم يكن فكرتهم الدينية المتطرفة، ولا مواقفهم السياسية التي امتزجت بالإرهاب، وإنما تصورهم المتعسّف والقاصر للإنسان والوطن والتاريخ.

فقد أخطأت جماعة الإخوان في تصورها للهوية حين اختزلتها في جواب واحد لا يتعدّد، وردّت الهوية إلى مرجعية دينية واحدة، متجاهلة أن هوية الجماعة الوطنية لا تُصنع من عنصر منفرد، وإنما تتشكل عبر تراكم طويل في وجدانها وذاكرتها، تندمج في بوتقته الشاملة، الأرض واللغة، والتاريخ والحضارة، والأديان التي عاشها أهلها، والأدب والفن، والعادات والتقاليد، وما شهدته من حروب وانتصارات وانكسارات.

فالهوية ليست طبقة واحدة يمكن أن تطغى على سائر الطبقات، وإنما هي حصيلة هذا التراكم كله، تتعاقب عناصرها وتتداخل، ويبقى كل منها جزءًا من الصورة الكاملة للوطن.

هذه الهوية لا يمكن أن تُختزل في عنصر واحد، لأنها تشكلت عبر آلاف السنين، ولأنها احتضنت الجميع واستوعبتهم، فمصر لم تكن طاردة أبدًا، ولكنها كانت مستقبلة وجاذبة، فلم تكن مجرد جغرافيا تُحتل، بل كانت حضارة تمتص الغزاة وتُعيد صهرهم في بوتقتها، فكل من دخلها هاربًا، أو منفيًا، أو باحثًا عن الرزق، أو مستعمِرًا، استقر فيها مُمصَّرًا، مغسولًا بهويتها الوطنية وطابعها الأصيل.

وهنا تحديدًا وقع الخلل في التصور الإخواني وتيارات الإسلام السياسي للهوية، حين جعلوا الإسلام ليس جزءًا فاعلًا في مصر، بل بديلًا عنها.

فالمشترك بين تيارات الإسلام السياسي، على اختلاف تنظيماتها ودرجات تشدّدها، هو جعل الإسلام المرجعية العليا الوحيدة لتعريف الهوية المصرية، فتصبح مصر عندهم مجرد قطر من أقطار أمة إسلامية كبرى، لا وجود لها على أرض الواقع. وهذا المعنى يمكن تتبّعه في أدبيات الإخوان منذ حسن البنا، وإن اختلفت طريقة التعبير عنه، فالبنا كان يملك خطابين متعارضين؛ أحدهما علني توافقي يتحدّث فيه بمرونة عن حب الوطن وخدمته لكسب المشروعية السياسية، والآخر تعليمي تنظيمي يُلقنه لأفراد الجماعة خلف الأبواب المغلقة، يرفض فيه الهوية الوطنية الجامعة ويراها وثنية سياسية، واضعًا إياها داخل دوائر انتماء أممية أوسع، ليُفرغ الوطنية من مضمونها الفعلي، وهو يتظاهر علنًا باحترامها.

أما سيد قطب، الذي جاء امتدادًا لهذا المشروع، لا انحرافًا عنه، فقد كشف ما استتر عند البنا. ففي «معالم في الطريق»، كتب سيد قطب أن كل ما ليس إسلاميًا بالتعريف الإخواني الضيق فهو جاهلية، وهذا هو جوهر الخطأ الأكبر عندهم، إذ إن الهوية المصرية التي احتضنت الفرعوني والقبطي والمسلم والعربي والأرمني واليوناني والشامي، الهوية التي هي في حقيقتها انفتاح وتراكم وامتزاج، صارت في عين هذا الفكر جاهلية ينبغي أن تُمحى أو تُعاد صياغتها من جديد على العقيدة وحدها.

فالفرق بين البنا وقطب فرق في درجة التصريح لا في الأصل؛ الأصل واحد، وهو أن الإسلام وحده هو الهوية، وما عداه دخيل يُحتمل أو يُرفض، حسب درجة التشدّد.

وحين تُختزل الهوية في المحدّد العقائدي وحده، يتحول التاريخ إلى مادة للانتقاء والمحاكمة الأيديولوجية، فيغدو السؤال الإخواني الحاكم هو: ما الذي نقبله وما الذي ننفيه بوصفه «جاهلية»؟ من هنا نبع خللهم الفاضح في التعامل مع مصر القديمة، إذ لم يقرأ الخطاب الإخواني -وكل تيارات الإسلام السياسي- الحضارة المصرية بوصفها العمق الوجودي والتاريخي للوطن، بل أسقط عليها معيار الإيمان والكفر، واختزل منجزها الإنساني المعجز في وثنيات العبادة، ليتفاجأ الوجدان المصري بتحويل «المصري القديم» من جدّ ومؤسس للهوية، إلى خصم لها وعدو للدين.

ومن الطريف في هذا المجال أتذكر رحلة لطلبة إحدى الجامعات للأقصر ومعابد الكرنك، إذ تجمع طلبة الإخوان عند معبد رمسيوم وهو المعبد الجنائزي للملك رمسيس الثاني، وهتفوا أمام السياح: «إسلامية إسلامية رغم أنفك يا رمسيس!!»

هؤلاء الطلبة تعلموا من الإخوان أن رمسيس كافر وجاهلي ولا يمكن أن تكون آثاره أو عصره أو العصور السابقة واللاحقة عليه من العناصر التي كوّنت الهوية المصرية، ولكنها عدو للإسلام.

وينطبق الأمر نفسه، بل أشد قسوة، على المسيحية المصرية، فالمسيحية في مصر ليست مجرد دين يعتنقه جزء من المواطنين، بل مكوّن تاريخي وثقافي عاش داخل مصر قرونًا طويلة ولا يزال، وقد أسهم في تشكيل مجتمعها وعمارتها ولغتها وفنونها وذاكرتها.

لكن الأيديولوجيا الإخوانية، بمحاكمتها الأشياء بمنظور العقيدة الأحادية، عجزت عن استيعاب المسيحي بوصفه مواطنًا أصيلًا يحمل في داخله كل مكونات الهوية الوطنية، فاختزلته في مربع «الأقلية المتسامح معها حتى حين»، لأنه أهل ذمة، وليس من أصحاب الأرض والدولة.

وهنا تكمن الخطورة، أن تتحول الهوية المصرية -التي قامت تاريخيًا على الاتساع والجمع- إلى معيار إقصائي ضيق، يُحيل المواطن الأصيل إلى ضيف عابر، ويجعل وجوده في وطنه قائمًا على رخصة الاستضافة.

وتتجلى خطورة هذا الاختزال العقائدي في تحويل الإخوان إلى خصم وجودي للدولة الوطنية، حيث تحول الوطن في أدبياتهم من كينونة وجدانية جامعة إلى مجرد «حفنة تراب» لا قيمة لها خارج حدود الإسلام، وصار الارتباط بالحدود والتاريخ ضربًا من الوثنية السياسية، وبذلك لم يعد الإسلام السياسي مجرد منافس على السلطة، بل عدو للهوية الوطنية الجامعة، ومشروع لتفكيك الوعي القومي وإحلال الولاء التنظيمي العابر للحدود محل الانتماء للوطن.

الوطن




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية