حزام الساحل.. مخبأ الجهاديين العابر لإفريقيا والمقلق لأوروبا

حزام الساحل.. مخبأ الجهاديين العابر لإفريقيا والمقلق لأوروبا

مشاهدة

01/04/2018

يعدّ الساحل مزيجاً من المشكلات؛ فلم تأت تسمية "حزام الجوع" الإفريقي من فراغ.

نزاعات، فقر، جريمة منظمة، وإرهاب، تتعايش معاً في هذا القطاع، الواقع على مساحة خمسة آلاف كيلو متراً، ويقطع القارة الإفريقية، من المحيط الأطلسي في الغرب، حتى البحر الأحمر في الشرق، ويفصل بين الصحراء الإفريقية والأحراش.

تضاف إلى كلّ ذلك، مشكلات هيكلية في الإقليم، أخذت رقعتها في التوسّع، حتى امتدت إلى خارج نطاق الساحل: ليبيا.

تركز الجهود على الحيلولة دون تحوّل المنطقة، و"مالي" على وجه الخصوص، إلى قبلة للإرهابيين

ومع وجود كل ذلك قرب حدودها الجنوبية، ليس مستغرباً أن تترجم مخاوف أوروبا إلى عسكرة متزايدة للمنطقة.

تركز الجهود على الحيلولة دون تحوّل المنطقة، و"مالي" على وجه الخصوص، إلى قبلة للإرهابيين، لكن يبدو أنّ الإستراتيجية تتطلب الكثير؛ نظراً إلى المساحات الشاسعة والتعقيد الجغرافي.

نزاعات، فقر، جريمة منظمة، وإرهاب، تتعايش معاً في هذا القطاع

منطقة في أزمة

هكذا يصف الموقف العقيد إجناثيو فوينتي كوبو، المحلل في المعهد الإسباني للدراسات الإستراتيجية التابع لوزارة الدفاع.

وتتنوع العوامل المساهمة في هذه الأزمة؛ ففي المقام الأول، يوضح فوينتي كوبو، هناك أزمة سياسية: حيث توجد "دول هشّة للغاية وليدة عمليات استعمارية، لا تتوافق حدودها مع طبيعة الشعوب التي تسكن داخل هذه الدول".

ويضيف إدوارد سولير، المحلل في مركز برشلونة للشؤون الدولية، مركز أبحاث مقرّه برشلونة ومتخصص في الشؤون الدولية، أنّ هذه الدول متنوعة للغاية؛ حيث "لم تكن السلطة دائماً ممثلة للمجموع، وهناك مجتمعات تشعر بالتهميش من قبل هيكل السلطة".

ثم تأتي المجموعات التي تتنقل بين الدول المختلفة، مثل؛ الطوارق الذين يرفضون وجود الحدود بينهم.

تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي متواجد بالمنطقة، سيما في الجزائر ومالي وموريتانيا والنيجر، منذ 2007

وتعاني الكثير من هذه الدول نزاعات داخلية مثل؛ مالي، ويتدهور الوضع بسبب الإرهاب الدولي والجريمة المنظمة؛ حيث تتقاطع في المنطقة مسارات التهريب غير الشرعي بكافة صوره، بدءاً من المخدرات، حتى البشر والسلاح، عابرة للحدود ذات الثغرات؛ حيث لا وجود للدولة.

علاوة على ذلك؛ يساهم العامل الاجتماعي الاقتصادي في زيادة الأمر سوءاً؛ ففي أغلب الدول؛ حيث أقلّ ناتج قومي للفرد، مع نمو سكاني مطرد انفجاري، يكون هناك "نوع من قنبلة سكانية"، بحسب العقيد فوينتي كوبو.

ويوضح سولير من جانبه، أنّ ذلك يعني وجود عدد هائل من الشباب دون أيّة آفاق اقتصادية، بالتالي؛ يصبحون "فرائس سهلة" للجماعات الإجرامية والمتشددة التي تنشط في المنطقة.

وإذا لم يكن كل ما سبق كافياً، فإنّ التغير المناخي يؤثر بشكل كارثي على المنطقة، والمناطق التي كانت من قبل خصبة، مثل محيط بحيرة تشاد، تصاب بالتصّحر الآن.

مهد جديد للجهاد؟

يرى فوينتي كوبو أنّ "الفكر الجهادي الإسلامي يتحرك بطريقة سلسة للغاية في المنطقة بأكملها".

فتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي متواجد بالمنطقة، سيما في الجزائر ومالي وموريتانيا والنيجر، منذ 2007، كما تأسست جماعة بوكو حرام في 2002، وتنشط بالفعل منذ عدة أعوام في أجزاء من نيجيريا والنيجر وتشاد والكاميرون، وبالمثل تتواجد جماعة الشباب بشكل أساسي في الصومال.

إنّها بعض أمثلة على الجماعات التي أعلنت عن نفسها بهجمات دامية، لكن هناك جماعات أخرى كثيرة تعمل في المنطقة.

بمعنى؛ أنّ التهديد ليس مجهولاً بالنسبة إلى الدول الأوروبية.

وبالفعل، فإنّ أولى القوات الفرنسية لمكافحة الإرهاب بالمنطقة، انتشرت في 2013، بداية في إطار (عملية سيرفال) بمالي، التي استبدلت بعدها بعام بعملية برخان في إقليم الساحل بالكامل.

إلّا أنّ هناك عاملين يتسببان في رفع حدة التوتر والقلق.

يأتي في المقام الأول؛ "كون الساحل، في السابق، معزولاً عن أوروبا، بسلسلة من الدول على الساحل الجنوبي من البحر المتوسط التي كانت تتمتع بوضع سياسي مستقر"، وفق العقيد والمحلل في المعهد الإسباني للدراسات الإستراتيجية، "لكنّ ثقباً خطيراً للغاية انفتح الآن، وهو ليبيا، الدولة التي لا يسيطر عليها أحد".

تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي

وعبر هذا الثقب الهائل "تصل كثير من مشكلات الساحل إلى الأراضي الأوروبية"، بل هناك حركة قوية للمرتزقة والأسلحة من ليبيا إلى الجنوب، لتغذّي الجماعات الجهادية التي تعمل في تلك المنطقة.

ينتمي عدد كبير من هؤلاء المقاتلين في تنظيم داعش، الذين هزموا في سرت عام 2016، وهناك تخوفات حالياً من سابق تعرضهم للهزيمة في سوريا والعراق، ويسعون للاستقرار في منطقة الساحل.

وأجمع كافة المحللين الذين استشارتهم "بي بي سي"، على أنّه لن تحدث حركة انتقال جماعي من الشرق الأوسط، سيما أنّ الأغلبية لا تستطيع الخروج من سوريا والعراق، لكنّهم عادوا وأشاروا لوجود تخوفات.

ويقول فوينتي كوبو: "هناك جزء يتجه أيضاً إلى أفغانستان، ملاذ الجهاديين، يذهب البعض إلى إقليم آسيا المحيط الهادئ، وآخرون يحاولون الوصول لمنطقة الساحل".

ويضيف: "تكمن أكبر المخاوف هناك، رغم أنّه ليست لدينا معلومات مؤكدة، لكن ربما تتحول إلى منطقة آمنة جديدة (بالنسبة إلى الإرهابيين)، نوع من أفغانستان جديدة، لكن أكثر قرباً من حدود أوروبا".

ويعتقد سرخيو ألتونا، الباحث المتخصص في شؤون المغرب والصحراء بمعهد إلكانو الملكي،  أنّ هزيمة تنظيم داعش في أماكن أخرى، تؤدي إلى رؤية المنطقة كـ "نقطة إعادة تجميع محتملة" للحركة الجهادية.

لكن في هذه الحالة، لن يكون تنظيم داعش في حاجة إلى إرسال مقاتلين جدد إلى هناك؛ لأنّ الجهاديين يعملون بالفعل منذ أعوام في المنطقة، إذاً؛ "تجري إعادة اكتشاف مشكلة قائمة بالفعل"، طبقاً لألتونا.

وفي هذا السياق، يعاود سولير التأكيد أنّ منطقة الساحل "لن تكون ساحة القتال المقبلة ضدّ الجهاديين؛ لأنّها بالفعل كذلك"، بيد أنّها لن تكون البؤرة الوحيدة؛ حيث إنّ "هناك أماكن أخرى تبعث على القلق أيضاً، مثل أفغانستان وجنوب شرق آسيا"، لكن في حالة الساحل؛ فإنّه "قريب حقاً".

اتحاد الجماعات الجهادية

يقول فوينتي كوبو: إنّ عملية تحول وتغير في الولاءات تجرى على نطاق واسع بين الجماعات الجهادية النشطة في الساحل، لكنّ "القاعدة كانت دوماً الجواد الرابح في المغرب الإسلامي".

وتابع "عندما جاء تنظيم الدولة الإسلامية، غيرت جماعات كثيرة دفة الولاء من القاعدة إلى الدولة الإسلامية".

لكن ما الذي يحدث في الوقت الراهن؟ مع تعرض "داعش" للهزيمة في ليبيا، بداية وأخيراً، في العراق وسوريا؟ هل ستتناحر فيما بينها أم ستندمج تحت لواء القاعدة؟

ورغم أنّ هذا يعدّ إحدى علامات الاستفهام، إلّا أنّ سلسلة من التحركات حدثت وتشفّ عن عملية إعادة تعريف القوى.

ويفسّر العقيد "أدّى تراجع النفوذ الجيوسياسي وإمكانات "داعش" أيضاً إلى فقدان التأثير داخل العالم الإسلامي. نحن نشهد صحوة من جديد للجماعات الموالية للقاعدة".

وفي إطار هذه الصحوة، اتّحدت عدة جماعات تدور في فلك القاعدة، من بينها تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي، في آذار (مارس) من العام الماضي، لتشكّل أكبر تنظيم جهادي في الساحل: (نصرة الإسلام) أو (جبهة نصرة الإسلام والمسلمين).

وأوضح فوينتي، أنّ هذا الاتحاد جاء لمنع تسلل فلول تنظيم الدولة الإسلامية المنهزمين في المعارك، في ليبيا، أو الشرق الأوسط، إلى الأراضي التي تسيطر عليها.

و"للحيلولة دون اتخاذ (الدولة الإسلامية) المنطقة قاعدة لوجستية جديدة ومنطقة إعادة تنظيم، اتحدت هذه المجموعات تحت إمرة القاعدة في إطار هذا التنظيم".

ويشهد الساحل حالياً عدة عمليات ومهمات، تنفّذها منظمات ودول مختلفة

الرد: عسكرة الساحل

جلب كلّ هذا المزيج من التهديدات والمشكلات، وجوداً عسكرياً بشكل أكبر في المنطقة، ومن أوروبا على وجه الخصوص، رغم انتشار قوات أمريكية أيضاً.

ويشهد الساحل حالياً عدة عمليات ومهمات، تنفّذها منظمات ودول مختلفة.

وتركز الجهود بشكل أساسي على مالي، الدولة الأبرز في المنطقة.

يوضح فوينتي كوبو: "مالي دولة مهمة، هي الأكثر هشاشة، مع هيمنة العرب والطوارق على شمالها، وذوي البشرة السمراء والمسيحيين على جنوبها. بكلّ وضوح هي دولة منقسمة، مع حدود ناتجة عن رحيل الاستعمار".

وتعمل الأمم المتحدة هناك، عبر مهمتها متعددة الأبعاد، إلى إحلال الاستقرار (مينوسما) التي انطلقت في 2013، لدعم السلطات المالية في إعادة السلم للبلاد، بعد سلسلة من محاولات التمرد ذات الطابع الإسلامي وانقلاب في 2012.

وتعدّ هذه المهمة هي الأكبر للأمم المتحدة، بـ 13 ألف فرد، لكنّها أيضاً الأكثر تعرضاً لهجمات الجماعات الجهادية، لتصبح أخطر مهمات الأمم المتحدة منذ عقود، سيما مع مصرع 115 من قوات حفظ السلام في أربعة أعوام.

على الجانب الآخر؛ هناك عملية برخان، وهي مهمة تقتصر على مكافحة الإرهاب، تقوم بها فرنسا. ويشارك فيها ثلاثة آلاف عسكري، ينتشرون في عدد من النقاط الحصينة من موريتانيا حتى تشاد "في محاولة لتشكيل حاجز كي لا يتحرك الجهاديون بسهولة بين شمال الساحل وجنوبه".

بالمثل، توجد مهمات تابعة للاتحاد الأوروبي، تعمل على تدريب القوات المحلية في المنطقة، وأهمها تلك التي تجري في مالي، وترأسها إسبانيا حالياً.

رغم تطوير خطط للتعاون في التنمية خاصة التي تتم بمساعدة فرنسا التي استعمرت المنطقة قديماً فإنّ النتائج ليست كافية

علاوة على كلّ ذلك، هناك مبادرة دشنت عام 2017، وهي قوة (جي5- الساحل)، المكونة من خمسة آلاف عسكري، ينتمون لدول موريتانيا ومالي وتشاد وبوركينا فاسو والنيجر، وتتلقى التمويل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وهدفها الرئيس يتمحور حول مكافحة الإرهاب وكذا شبكات التهريب والهجرة غير الشرعية.

وسبق لوكالة الأنباء الفرنسية "أ ف ب"، أن كشفت عن وثيقة داخلية لـ (جي5)، تصف شمال مالي، "مخبأ معروفاً للإرهابيين ومنصة لشنّ هجمات ضدّ دول أخرى".

وإزاء هذا التصعيد في مستوى العسكرة، يشدّد الخبراء على أنّ هذا ليس الحل الوحيد.

ورغم تطوير خطط للتعاون في التنمية، خاصة تلك التي تتم بمساعدة فرنسا، القوة التي استعمرت المنطقة قديماً، فإنّ النتائج لن تكون كافية.

ويقول سولير: "لا يمكن للعسكرة أن تكون الحلّ الأوحد، لا غنى عن تقديم ظروف الأمن، لكنّه ليس كافياً".

وحسبما توصل الخبير في تقريره (اتجاهات) لعام 2018، الذي نشره مركز برشلونة للشؤون الدولية، فإنّ الأمل بالنسبة إلى الساحل يكمن في صعود دول غرب إفريقيا، مثل؛ جامبيا وغانا، أكثر من السلاح.

مقال للكاتبة مار بيتشل، منشور في النسخة الإسبانية من هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"

//0x87h

الصفحة الرئيسية