جدل المحنة والمنحة: كربلاء الإخوان والمظلومية التي لا تنتهي

جدل المحنة والمنحة: كربلاء الإخوان والمظلومية التي لا تنتهي

جدل المحنة والمنحة: كربلاء الإخوان والمظلومية التي لا تنتهي


29/05/2024

يمشي محمود زينهم، وهو يلتفت يمنة ويساراً، خشية أنْ يُفتضح أمره، وفي الناحية الأخرى من الشارع، أمام منزل القاضي الخازندار بضاحية حلوان بالقاهرة، وقف عضو النظام الخاص بجماعة الإخوان، حسن عبد الحافظ، يحمل مسدسه بانتظار لحظة التنفيذ، فقد كانت مهمّة حسن أن يغتال القاضي بالمسدس، بينما يغطي محمود عملية الانسحاب باستخدام قنابل صوتية، محدثاً حالة من البلبلة تساعد على الاختفاء.

جاءت ساعة التنفيذ، لكنّ حسن أخطأ الهدف، بعد إطلاقه ثلاث رصاصات، فما كان من محمود إلّا أن اشتبك مع القاضي، فأسقطه أرضاً، وأفرغ رصاصات مسدسه في جسده، ليسقط قتيلاً أمام منزله. وبسقوطه بدأت المحنة الأولى للجماعة، التي انتهت باغتيال حسن البنا، أمام مركز جمعية "الشبان المسلمين"، عام 1949، حيث سقط مضرجاً بدمائه، دون أن يهبّ أحد لمساعدته حينها.

اغتيال القاضي

"لو نخلص من الخازندار"؛ تلك هي العبارة التي غيّرت مجرى تاريخ أشهر جماعة في التاريخ المعاصر، تلك التي قالها حسن البنا في حضرة قيادات الجماعة، وقائد النظام الخاص، عبد الرحمن السندي، لإصداره أحكاماً جائرة، في رأيهم، ضدّ شباب الجماعة، فقد عدّوها لا تتناسب مع قدر الخطأ الذي ارتكبه الشباب.

عدّ السندي عبارة البنا إذناً بقتل القاضي، فبدأ بالتخطيط لعملية اغتيال القاضي، ورأى أنّها يجب أن تكون حين يخرج ماشياً من منزله متجهاً نحو محطة القطار، وهو طريقه اليومي إلى المحكمة يومياً.

يعرف الإخوان كيف يستعيدون نفوذهم في كلّ مرة، بشكل يضاعف قوتهم اعتماداً على المظلومية وإثارة مشاعر الناخبين

فرَّ الجناة فور تنفيذ مهمَّتهم، لكنّ الشرطة ما لبثت أن حاصرتهم في الدروب الجبلية التي فروا إليها، ثم حدثت المقابلة الشهيرة، بين البنا والسندي؛ حيث حاول كلّ منهما إلقاء التهمة على الآخر، قال البنا إنّه كان يتمنى لو تخلَّص من الخازندار، لكنّه لم يصدر أمراً مباشراً بقتله، أما السندي فقال إنّه عدّ أمنية البنا أمراً يجب تنفيذه.

 اغتالت الجماعة رئيس وزراء مصر، النقراشي باشا، بأيدي أعضاء النظام الخاص

وتّرت هذه العملية العلاقة بين الدولة والجماعة، تلك العلاقة التي دائماً ما استخدمها الملك فاروق لضرب نفوذ حزب الوفد في الشارع المصري، إلى جانب تحجيم نفوذ اليسار، الذي يتزايد أيضاً، ليتزعم انتفاضة 1946، التي شهدت أوّل تجمّع مليوني للمتظاهرين في ميدان الإسماعيلية، ميدان التحرير حالياً، أدّت الجماعة واجبها تجاه القصر على الوجه الأكمل حينها، خاصة في تحجيم ثورة الشباب الغاضب، الذي ظهر أثره حين انفصال شباب الإخوان عن المد الثوري، في يوم إطلاق التظاهرات، وتشكيلهم تياراً آخر وقف مع الملك ضدّ المتظاهرين في الميدان.

اغتيال النقراشي

بعد تلك الحادثة ببضعة أشهر، في الخامس عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1948 تحديداً، حين شاهد مخبرٌ سريّ في مجموعة شبابٍ كانوا يقطنون في منزل والد خطيبته، فقد ارتاب المخبر بهم حين شاهدهم ينقلون أغراضاً من المنزل إلى سيارة كانوا يركنونها جانباً، تلك الصدفة أوقعت جميع وثائق الإخوان في يد الشرطة السياسية.

وفي الثامن من كانون الأول (ديسمبر) عام 1948 أيضاً، صدر قرار بحلّ الجماعة وكلّ فروعها في مصر، وضبط أوراقها، وسجلاتها، وأموالها، وممتلكاتها، وحظر اجتماع خمسة أشخاص أو أكثر من أعضائها ببعضهم. وبعد مرور أقل من 20 يوماً على صدور القرار، اغتالت الجماعة رئيس وزراء مصر، النقراشي باشا، بأيدي أعضاء النظام الخاص، وكان من ضمن أسباب الاغتيال التي أوردها المتهم في المحكمة: "اعتداء النقراشي على الإسلام بحلّ الجماعة!".

حكم مصر كان أكبر من أن تحصده الجماعة اعتماداً على الكربلائية فقد خرجت الجماهير نفسها تطالب برحيلهم

جاء ردّ الدولة على اغتيال النقراشي سريعاً، حيث اغتيل مرشد الجماعة، حسن البنا، فور خروجه من لقاء في جمعية الشباب المسلمين، لتدخل الجماعة في دوامةٍ لم يخرجها منها سوى "حركة الضباط الأحرار"، التي تزعمت الانقلاب العسكري في القاهرة، في تموز (يوليو) عام 1952.

أحداث تحمل في ظاهرها المحنة التي واجهتها الجماعة، إلّا أنّه لا يمكن عدّها سلبيةً خالصةً، بالنسبة إلى الجماعة؛ حيث استثمرتها، وعرفت كيف تجني الفوائد من الكوارث. تلك المحنة، كما اصطلحت أدبيات الجماعة على تسميتها، وإن بدت قاسية حينها، إلّا أنّها كانت منحةً في باطنها.

يعرف الإخوان كيف يستعيدون نفوذهم في كلّ مرة، بشكل يضاعف قوتهم أكثر؛ بداية من أزمتهم الأولى عام 1948، التي لاحت معالمها في الأفق باغتيال القاضي الخازندار، مروراً بالصدام مع الحقبة الناصرية وأزمة عام 1954، ثم نشأة التيار القطبي عام 1965، وتنتهي بمحنة عام 2013، على خلفية حكم الجماعة لمصر، ثمّ سقوط ذلك الحكم بعد عام واحد. وبعد كلّ محنة تمرّ بها تجد الجماعة بشائر منحة تلوح في الأفق.

بشائر النصر

كانت العلاقة هادئةً بين جماعة الإخوان ومجلس قيادة الثورة بعد الانقلاب على حكم الأسرة العلوية في القاهرة؛ حيث صدر قرارٌ بإعادة التحقيق في اغتيال حسن البنا، وألقي القبض على المتهمين بقتله، ثم أصدر مجلس قيادة الثورة قراراً بالعفو الشامل عن 934 من المعتقلين السياسيين، أغلبهم كانوا من أعضاء الإخوان، وكان على رأسهم قتلة القاضي أحمد الخازندار.

وقامت السلطات المصرية بمحو ما يدين أعضاء في الجماعة من ملفات وزارة الداخلية، في المقابل، تم تقديم أحد خصوم الجماعة في نظام الملك فاروق، إبراهيم عبد الهادي باشا، للمحاكمة بتهمة تعذيب الإخوان في عام 1948 وعام 1949. وفي خضمّ بشائر النصر، وفي أوج شعورهم باقتراب التمكين الذي حلم به البنا وأسّس له، سارع الإخوان بإرسال وفد منهم لمكتب عبد الناصر، وقد حمل الوفد بياناً ذكروا فيه أنّه لم يبق من مؤيدٍ للثورة إلّا جماعة الإخوان، لهذا يجب أن يكونوا في وضعٍ يليق بدورهم، وبحاجة الثورة إليهم، وطالبوه بألّا يصدر أي قانونٍ إلّا بعد عرضه على مكتب إرشاد الجماعة، ليتمّ التصديق على القرارات، بوصفهم الحليف المتبقي للمجلس.

تحول اسم "رابعة العدوية" إلى رمزٍ يستخدمه أعضاء الجماعة في تظاهراتهم ضدّ النظام الحاكم في مصر

وطالبوه أيضاً بألّا يصدر أي قرار إلّا بعد أن يقرّه مكتب الإرشاد، لكنّ عبد الناصر رفض مطالبهم حينها، وعدّها وصاية من الجماعة على حركة الضباط الأحرار، كانت تلك هي المواجهة الأولى. وتكرّرت المسألة، بعد مقابلة حسن الهضيبي لعبد الناصر؛ حيث وضع عدّة شروطٍ لقبول اندماج الجماعة في هيئة التحرير، التي أسسها عبد الناصر ليندمج تحت لوائها جميع مؤيدي حركة الضباط الأحرار، وكان ضمن تلك الشروط: "أن يصدر مجلس قيادة الثورة مراسيم بقوة القانون، تفرض على المصريات ارتداء الحجاب، وأن يتم إقفال دور السينما والمسرح، وأن تمنع الأغاني، وتعمَّم الأناشيد الدينية، حتى في الأفراح، وأن تمنع السيدات من العمل في المصالح الحكومية والخاصة، وإزالة كلّ التماثيل، القديمة والحديثة، من القاهرة".

استنكر عبد الناصر مثل هذه الشروط، وقال: "لماذا بايعتم الملك فاروق خليفةً للمسلمين، ولم تطالبوه بهذه المطالب عندما كانت هذه الأشياء مباحة بشكلٍ مطلق؟ ولماذا كنتم تقولون قبل قيام الثورة: (إنّ الأمر لولي الأمر)"؟

حادث المنشية

"...أيها الرجال؛ حتى لو قتلوني، فقد وضعت فيكم العزّة، فدعوهم ليقتلوني الآن، فقد غرست في هذه الأمة الحرية والعزة والكرامة"، كلمات ارتجلها عبد الناصر، بعد أن حاول عضو جماعة الإخوان، محمود عبد اللطيف، اغتياله في حادث المنشية الشهير.

لم تقبل الجماعة أن يكون كرسي الحكم في مصر لغيرها، فاختارت الاغتيال، الحلّ الأسهل لخلافاتها السابقة، بداية بقتل الخازندار، مروراً باغتيال النقراشي، ومحاولة اغتيال عبد الهادي باشا. غير أنّ فشل محاولة الاغتيال هذه المرة، أدخل الجماعة في دوامة أزمتها الثانية، وهي الأزمة الأكبر في تاريخها، فقد استمرّت نحو عشرين عاماً، قضاها أعضاء الجماعة بين معتقلٍ، وهاربٍ خارج مصر، وواقفٍ على منصة الإعدام، كما حدث مع وكيل الجماعة، عبد القادر عودة. وكعادتها، تحدّثت أدبيات الجماعة عن هذه المحنة التي مرّوا بها، لكن لم يذكر أحدهم المنحة التي وهبهم إياها مجلس قيادة الثورة، قبل أن يتمردوا عليه.

سيد قطب

التيار القطبي

واجهت الجماعة الأزمة الثالثة في تاريخها عام 1965، في أعقاب محاولة القيادي بمكتب إرشاد الجماعة، سيد قطب، والمجموعة المساعدة له، إحياء تنظيم جماعة الإخوان المسلمين من جديد، للانقلاب على جمال عبد الناصر، وضرب مؤسّسات الدولة، لكنّ عبد الناصر علم بوجود التنظيم، فألقى القبض على عددٍ كبيرٍ من قياداته، على رأسهم: محمود عزت، ومحمد بديع، ومجموعة كبيرة من القطبيين، حكِم عليهم بالسجن لمدة 10 سنوات، وعلى 7 من كبار قيادات التنظيم بالإعدام؛ حيث نفذ الحكم على 3 منهم على رأسهم سيد قطب.

هذه المحنة شجعت الرئيس الراحل، محمد أنور السادات، على استخدام الجماعات الدينية لضرب سطوة أنصار عبد الناصر على مقاليد الحكم، فقد رأى السادات أن تجميد قوة الاشتراكيين، أنصار جمال عبد الناصر، لن يحدث إلّا بإخراج عدوّهم الأساسي من السجون، ذلك العدوّ الذي أودِع السجن لعقدين من الزمن، فترة الحكم الناصري. وعادت الجماعات الإسلامية للعمل من جديد، فنشرت كتائبها في ربوع مصر، وبدؤوا بالتخطيط لإخراج أجيالٍ جديدةٍ تعمل على حمل عبء الدعوة إلى فكر الإخوان. لولا أزمتهم مع الحكم الناصري، لما انتصر لهم السادات، وأعادهم إلى واجهة المشهد، الواجهة نفسها التي ساعدتهم في تجييش أتباعهم للقتال في أفغانستان، تحت قيادة جمعيات الإخوان في مصر والمنطقة العربية والعالم، هكذا ظلّت الجماعة عنصراً رئيساً وفاعلاً في المشهد السياسي المصري، حتى حصولها على حكم مصر عام 2012.

كربلاء الإخوان

كانت الحجة التي استخدمتها الجماعة لحشد الناخبين لاختيار مرشحها في انتخابات الرئاسة المصرية، أنّ الجماعة عانت ظلم الحكومات المصرية المختلفة على مدار التاريخ، وأنّ عشرات الأعضاء التابعين للجماعة قضوا نحبهم في السجون ظلماً وعدواناً، داعبت تلك الحجة مشاعر الناخبين، فقرروا التصويت للجماعة الأكثر مظلومية في تاريخ مصر، كما ردّد أتباعها.

أيضاً كعادتها، ركزت الجماعة على المحن التي مرّت بها، ولم تذكر المنح التي حصدتها طوال تاريخها السياسي، إلّا أنّ حكم مصر كان أكبر من أن تحصده الجماعة اعتماداً على المظلومية فقط، حتى وإن صحّت ادّعاءاتها، فما لبثت الجماهير نفسها التي انتخبت الإخوان، أن خرجت للميادين، مرةً أخرى، مطالبةً برحيلهم عن حكم مصر، الرحيل الذي حدث بالفعل بدعمٍ كاملٍ من الجيش المصري في القاهرة.

ركزت الجماعة على المحن التي مرّت بها، ولم تذكر المنح التي حصدتها طوال تاريخها السياسي

تلك الخطوة دفعت كلّ مؤيدي الإخوان للخروج إلى الميادين، والاعتصام في ميدان رابعة العدوية، وميدان النهضة، لأكثر من أربعين يوماً، انتهت باقتحام قوات الشرطة المصرية الميدانين، وسقط في ذلك الاقتحام مئات القتلى، بعد اشتباك بعض المعتصمين المسلحين مع قوات الشرطة، ونتج عن الفضّ أكبر عددٍ من قتلى الجماعة في تاريخها السياسي، منذ تأسيسها على يد حسن البنا.

وعاد الحديث عن المحنة والمظلومية، التي استخدمتها الجماعة في جميع معاركها، وتحول اسم "رابعة العدوية" إلى رمزٍ يستخدمه أعضاء الجماعة في تظاهراتهم ضدّ النظام الحاكم في مصر، رمز يحييه الإخوان في موعد الحادثة من كلّ عامٍ، ما جعل الحادث أشبه بحادثة كربلاء جديدة، اصطنعها الإخوان في انتظار تحقيق المنحة التي تأتيهم دوماً بعد المحنة.

لكن، هل ستتكرر المنح بعد محنتهم الرابعة كما حدث لهم عبر تاريخهم السابق؟

الصفحة الرئيسية