ثلاث قصص دينية عن الصراع بين إسرائيل وحماس

ثلاث قصص دينية عن الصراع بين إسرائيل وحماس

ثلاث قصص دينية عن الصراع بين إسرائيل وحماس


25/05/2025

ترجمة: محمد الدخاخني

لا بدّ أن يُدهش متابعو السياسات والتطورات السياسية في فلسطين وإسرائيل من مدى انفصال التكتيكات التي يستخدمها الأطراف هنا وهناك عن الغايات المنشودة. كما سيُصابون بالحيرة من هوس بعض القادة والحركات بمساراتهم الخاطئة إلى حد تشتيتها لانتباههم عن انحدارهم، هم وأتباعهم، إلى حافة الهاوية.

ومع التركيز بشكل خاص على تكتيكات وسلوكيات حماس وإسرائيل، تتبادر إلى الذهن ثلاث قصص من تقاليد دينية مختلفة. وعلى الرغم من أنّها ليست جزءاً من نصوصهما المقدّسة، فإنّ الدروس العملية المستفادة منها جديرة بالتأمُّل.

عليك ربط الوسائل بالغايات، ولكن لا تخلط بينهما

أوّلاً، هناك قصة بوذية قديمة رائعة تحكي أنّه في أحد الأيام اقتربت مجموعة من التلاميذ من بوذا طالبين منه أن يُرشدهم إلى القمر. وحينها أشار بوذا بإصبعه إلى القمر بصمت. وبعد سنوات كان التلاميذ ما يزالون يدرسون إصبع بوذا.

الدرس البسيط هو ألَّا تُصبح مهووساً بما يُفترض أن يُساعدك في إيجاد طريقك إلى هدفك لدرجة أن تُغفل الهدف نفسه، أي عليك ربط الوسائل بالغايات، ولكن لا تخلط بينهما.

على سبيل المثال، في البداية أعلنت حماس أنّ هدفها إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، بينما أعلنت إسرائيل أنّ هدفها إحلال السلام والأمن لشعبها. وبعد عقود وأرواح كثيرة، أصبحت تكتيكات حماس وحروب إسرائيل غايات في حد ذاتها، وقد طوى النسيان الأهداف النهائية، ولكن لم يتم إيلاء أيّ اهتمام إلى حقيقة أنّ سلوكيات حماس أو إسرائيل لا تؤدي إلى شيء سوى تحريك الأهداف المنشودة مسافة أبعد عن التحقّق.

 أعلنت حماس أنّ هدفها إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، بينما أعلنت إسرائيل أنّ هدفها إحلال السلام والأمن لشعبها

لا يوجد طريق مختصر

على المنوال نفسه، هناك حكاية حَسيدية قديمة تحكي أنّ حاخاماً أنهى تعليمه في بلدةٍ ما وكان في طريقه إلى أخرى، لكنّه سُرعان ما شكّ في الطريق الذي سيسلكه. وبينما كان يغادر البلدة الأولى رأى صبياً صغيراً فسأله عن كيفية الوصول إلى وجهته التالية. وحينها أجابه الصبي: "هناك طريق قصير، وهو المرور عبر الغابة، فالبلدة على الجانب الآخر، وهناك طريق طويل، وهو الالتفاف حول الغابة، لكن...".

ولأنّ الوقت كان متأخراً، وبدلاً من انتظار الصبي حتى ينتهي من كلامه، نفد صبر الحاخام وقاطع الصبي واندفع إلى الغابة. لكنّ الليل حل، وضاع الحاخام تماماً. وعندما خرج من الغابة في الصباح، وجد نفسه في المكان نفسه الذي كان فيه الليلة الماضية، ووجد الصبي نفسه يلعب. وهكذا صرخ في الصبي قائلاً: "إرشاداتك كانت عديمة النفع".

وأجاب الصبي: "لم تدعني أكمل. كنت على وشك أن أخبرك أنّ الذهاب من خلال الغابة هو الطريق الأقصر، ولكن بسبب كثافة الغابة وحلول الظلام، خشيت أن تضيع، فيصبح هذا هو الطريق الأطول. لكنّ الالتفاف حول الغابة، مع أنّه الطريق الأطول، هو في النهاية الطريق الأقصر".

ليس من الكافي أن تعرف وجهتك أو ما تريد تحقيقه، فالتكتيكات التي تستخدمها أو المسار الذي تسلكه مهم. وكما أنّ التركيز على الإصبع الذي يشير إلى القمر لن يوصلك إليه، فإنّ تجاهل التطبيق العملي للخطوات التي يجب عليك اتخاذها للوصول من هنا إلى هدفك مؤسف أيضاً.

لا بدّ من وجود رابط بين هدفك ومسارك، فلا يوجد طريق مختصر. وعندما ينتهي بك الأمر إلى استبدال الأهداف الأصلية لإنهاء الاحتلال أو السلام وإحلال الأمن لشعبك بأعداد القتلى والمباني المدمرة والغضب والخوف، تكون تائهاً في الغابة وتنتهي من حيث بدأت وتحتاج إلى البدء من جديد.

...

من المهم ألّا نُصبح مهووسين بجانب واحد

أخيراً، هناك هذه القصة من التراث الهندوسي: في أحد الأيام صادف أربعة رجال عميان فيلاً. وسألوا: "ما هذا؟"، فقال أحدهم، وهو يمسك بذيل الفيل: "أعتقد أنّه حبل". وقال آخر، وهو يضع ذراعيه حول ساق الفيل: "لا، أعتقد أنّها شجرة". وأعلن الثالث، وهو يتحسَّس الجانب الضخم للفيل: "لا، إنّها بالتأكيد صخرة كبيرة وناعمة". وصرَّح الأعمى الرابع، وهو يفرك يده على ناب الفيل: "ليس أيّاً من هذه الأشياء، إنّه شيء أشبه بسلاح طويل مُنحنٍ".

الجواب بالطبع هو أنّ الفيل ليس أيّاً من هذه الأشياء، بل هو كل هذه الأشياء، إن جاز التعبير. وفي هذا الصدد، تُعدُّ هذه الحكاية تحريفاً للمثل القديم الذي يقول: "اختلط عليه الحابل بالنابل". فعند النظر إلى واقع مُعقَّد من المهم ألّا نُصبح مهووسين بجانب واحد من الوضع ونُقصي طبيعته الكُليَّة.

وإسرائيل مُذنبة بهذا بشكل خاص. فمنذ تأسيس مشروعها في فلسطين كانت لديها رؤية قصيرة النظر إلى الواقع. لقد اعتبرت النكبة وإقامة الدولة انتصاراً، لكنّها تجاهلت العداوة التي خلقتها خلال هذه العملية. وهي لا ترى إلّا ما تُريد رؤيته. وبعد أن دمَّرت غزة، تُحوِّل انتباهها الآن إلى عمليات الإخلاء القسري ومصادرة المزيد من الأراضي في الضفة الغربية.

لكنّها تتجاهل طوال الوقت حقيقة أنّ المشكلة ليست مجرد ذيل أو ساق. وهكذا، بينما تُسجِّل انتصارات صغيرة، فإنّ الغضب الذي تُثيره لا ينفك ينمو، وبعواقب وخيمة. وفي كل عصر  أسفرت الوسائل التي استخدمتها عن آلاف القتلى، من شعبها وضحاياها الفلسطينيين على حد سواء. وقد أدَّى تراكم قصر النظر القاتل هذا إلى مزيد من الغضب الفلسطيني والعربي. كما أدى إلى مزيد من انعدام الأمن وإلى تشويه بشع في ثقافتها السياسية. والدرس: التركيز فقط على الذيل أو الساق قد يُؤدي إلى تعرّضك للدوس أو الطعن.

الدروس المستفادة من هذه القصص الثلاث واضحة: التكتيكات ليست غايات في حدّ ذاتها، بل يجب أن تؤدي إلى الهدف المنشود. وعندما لا تفعل التكتيكات ذلك، فإنه - من أجل تجنُّب الكارثة - لا بدّ من تغييرها.

 

المصدر:

جيمس زغبي، ذي ناشيونال، 20 أيار (مايو) 2025




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية